ماذا دهاهم، النبيُّ 'إرهابي'! أُفٍّ لهم

عمامة تحوي قنبلة في رسمٍ كاريكاتوريٍ مشين، وُصِفَ بأنه نبي الإسلام محمد بن عبد الله، هي إحدى أهم تلك الرسومات الاثنتي عشرة التي تحاول تجسيده في أشنع صورة، والتي حازت إعجاب رئيس تحرير صحيفة اليولاند بوستن الدانمركية ونشرها جميعاً في جريدته، ما أثار ضجة عارمة لدى المسلمين في أنحاء شتى من العالم.
وحقَّ لنا أن نتساءل، هل نشر تلك الصور هي حلقة إفكٍ جديدة في سلسلة بشعة من حلقات إهانة المسلمين عالمياً؟ فبعد تدنيس القرآن في غوانتانامو واغتصاب الرجال والنساء وامتهان دينهم في معتقلات سرية وعلنية على سواء، وبعد تدمير المساجد وهدم المآذن، نشرت وسائل الإعلام تلك الرسومات المسيئة للمسلمين، والتي تحط من قدر إسلامهم واعتزازهم بنبيهم، لتخرج عن كونها حادثاً فردياً يجري في سراديب مظلمة، يستنكر منه أصحابه عند افتضاحه، إلى كونها مفخرة لدى الغرب، كيف لا، وهي تندرج بزعمهم تحت راية "الحرية" المقدسة لديهم، في مجتمعات منفتحة على كافة الثقافات والآراء والأعراق!
ويستهجن الغربيون تلك الضجة التي يفتعلها المسلمون بشأن هذه الرسومات، فهي ليست المرة الأولى التي ينهالون فيها بالسخرية على المعتقدات كما يدّعون، فلطالما تم تصوير عيسى المسيح عليه السلام بشكلٍ مقزز في الغرب المسيحي، ولطالما تمّ التهكم على الذات الألهية في وسائل الإعلام، وبالتالي فما هو الضير من التهكم على نبي الإسلام هذه المرة!؟ أولم ينصفك من ساواك بنفسه؟
والحقيقة هي، إن الغالبية العظمى من الغربيين عموماً والأوروبيين بخاصة والاسكندنافيين تحديداً، هم من الملاحدة، وليسوا بأهل كتاب ولا بأصحاب دين أصلاً، وغاية ما يقدسونه هو المادة واللذة والنفعية، وكل ما سوى ذلك يُستعمل في تحقيق تلك المقدسات الموهومة. وعليه فالنيل من الذات الإلهية أو من أحد الأنبياء لا يتعدى في ذلك لديهم سوى مزيدٍ من رغبتهم في تحجيم الدين أياً كان اسمه وأياً كان أصحابه، بعد أن سحقوه في واقعهم وأساؤوا استعماله في تاريخهم المظلم.
ولذلك فانتقاص كل الأديان مجتمعة أو متفرقة لا تمسهم بسوء، فهم قد أسقطو الدِّينَ منذ أمدٍ بعيدٍ، معتبرين أنه مجرد خرافة ليس أكثر. وعليه فالقول –كما صرح بعضهم- بأنهم ساووا المسلمين بأنفسهم هو أمرٌ محض كذب ودجل، فضلاً عن أن المسلمين يشمئزون من النَيْلِ من الذات الإلهية أو أي من الأنبياء ، ويشعرون بأشد السخط أزاء تلك الأفعال، فمابالك بتسمية النبي محمد تحديداً، والتي تعني تهجماً مباشراً يختص بالمسلمين دون سواهم، عندها ينبغي تناول الأمر على صعيده.
فالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مقدمٌ عند أهل الإسلام على أنفسهم، يقول الله تعالى {النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ }، كما أن النبي الكريم يجسد تلك الرسالة التي تربط الأرض بالسماء وتنشر فيها النور والضياء، يقول الله تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه. وعليه فإنَّ مهاجمة الرسول الكريم هو انتقاصٌ مباشرٌ وحطٌ من عقيدة كل مسلم، تلك التي تلزمه بالانصياع التام للرسول حتى يحظى بمحبة الله ورضاه، يقول الله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. وَفِي الصَّحِيح عن النبي الكريم " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى أَكُون أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسه وَمَاله وَوَلَده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ". ومن كانت هذه منزلته لدى أتباعه، فإن الغضب الشديد من انتقاصه لديهم هو منتهى الصدق والانسجام مع العقيدة.
وتشي القنبلة في الصورة بأن النبي الأكرم هو أصل الإرهاب، وهو ما صرح به سابقاً عددٌ من الغربيين بدون مواربة، كما نعت اؤلائك القرآن الكريم بأنه سبب الإرهاب كذلك، وبناء عليه، فإنَّ الحرب المعلنة على الإرهاب، والتي تختبئ وراءها حربٌ ضروسٌ على الإسلام، لم يعد إخفاء حقيقتها أمراً ممكناً البتة. وهو ما تؤكده وقائع كثيرة، تظهر أن المقصود هو الإسلام لا شيء سواه. وإلا فكيف يطالبوننا بأن نتفهم أمر انتقاص النبي الكريم بذريعة الحرية، في الوقت الذي تضيق فيه تلك الحرية بمجرد كلمة انتقاد لدولة الغصب والإجرام "إسرائيل"، والتي يُنعت فاعلها مباشرة بالعداء للسامية ويقدم للمحاكمة كما وقع في أكثر من حالة. وكيف يريدوننا أن نتفهم حق المرأة بممارسة الشذوذ بأنواعه وحقها في تحويل جسدها إلى سلعة بداعي الحرية بينما يحظر عليها ستر جسدها ورأسها بقماشة. وكيف ينبهوننا إلى ضرورة تفهم وجود أحزاب قومية وعنصرية متطرفة في مجتمع قائم على الحرية، بينما لا بد من حظر حزب التحرير في كل مكان بحجة أنه يحرض على العنف والإرهاب، وهو الذي لم يرتكب قط يوماً جريمة واحدة. وهكذا فقد باتت تلك الحرية أشبه بوثن التمر الجاهلي، يصنعه صاحبه ليعبده، وعند جوعه يلتهمه.
وقد يخامر رأس البعض القول، لقد حان الوقت لطي الملف، فها هي الصحيفة قد اعتذرت، وها هو رئيس الوزراء الدانمركي قد أبدى أسفه لما آلت إليه الأمور و"تكرَّم" أخيراً والتقى بسفراء المسلمين، كما أن النرويج أرسلت سفراءها برسائل إلى زعماء المسلمين توضح اقتصار نشر الصور على مجلة نرويجية مغمورة، وأن تداعيات ذلك محدودة وليست بأمر ذي بال. (وكأن زعماء المسلمين يأبهون للنبي الكريم! خذ على ذلك مصر مثلا، حيث أقر مجلس الشعب بالإجماع سحب سفراء مصر من الدانمرك والنرويج، إلا أنّ الحكومة أدارت ظهرها لهذا الإجماع وكأنه لم يكن).
إلا أن الحقيقة هي، أن الصحيفة الدانمركية أصرت طويلا على عدم الاعتذار واستتفهت ذلك، كما أطنب رئيس الوزراء الدانمركي بالحديث عن الحرية في بلاده، وأنه لا دخل له بشأن الصحافة، ولذلك رفض بكبر وعجرفة ، يمتاز بهما، لقاء سفراء البلاد الإسلامية لتسوية الأمر، ولم يأبه لتلك التظاهرات والمسيرات التي قام بها بعض المسلمين هنا أو هناك.
إلا أنّه فجأة تتالت اعتذارات الصحيفة الدانمركية وباللغة العربية قبل الدانمركية وبعدة صيغ، وخنع رئيس الوزراء المستكبر أندرس فوغ راسمسن بشكلٍ مهين، وبات يسير مكباً على وجهه لا يهتدي إلى طريقة يسوي بها تلك المسألة. ولم يتأتى ذلك منهم لأنهم وعوا حجم جرمهم، وليس لأنهم حزنوا لمصاب المسلمين، بل لأنهم أدركوا تداعيات القضية وهالهم انتشارها في الخافقين، وخشوا من إصابة المصالح الدانمركية في مقتل بعد تلك المقاطعة الإسلامية الشعبية المشرِّفة للمشتقات البقرية الدانمركية من جبنة وزبدة وما إليها، مع بداية الضغوط من الشركات الدانمركية لتسوية القضية على وجه السرعة، بعد أن توقفت مصانعها عن الإنتاج في دول الخليج، وبدأت تعدُّ الملايين التي تخسرها في اليوم الواحد، وركبها كذلك همُّ اتساع دائرة المقاطعة واستمرارها، وبالتالي فقدان الوظائف والموارد المالية الكبيرة من البلدان الإسلامية وإفلاس تلك الشركات.
وهكذا فقد أصاب رئيس مجلس الأمة الكويتي عندما قال "لا يريدون أن يقدموا اعتذاراً، لا بأس فليفعلوا، لكنهم غداً سينهالون علينا بعشرات الاعتذارات عندما نُفَعِّل المقاطعة" وبالفعل فقد صدق ظنه، وما هي إلا أيام قلائل حتى تغير وجه رئيس الوزراء الدانمركي وتحول من نمرودٍ متعجرف إلى حائرٍ مثيرٍ للشفقة يستجدي تفهم موقفه في بلاد المسلمين. ويؤشر هذا إلى مدى عمق ارتباط مصالح هذه الدول ببلاد المسلمين، وإنه إذا كانت مقاطعة الجبنة والزبدة الدانمركية قد أظهرتا بالغ التأثير على أحفاد الفايكنغ، فما بالك بالتهديد بالنفط والغاز الذي يعتبر عصب حياة أوروبا ومعها أميركا!؟
على كلٍ فإن المسألة لم تنته بعد، وقد أخذت أبعاداً جديدة، على الأخص بعد أن تلقفت صحف أوروبية الصور وبدأت تنشرها تحت ذرائع شتى ولتحقيق أهداف شتى، بل وقامت إحدى المجموعات الدانمركية اليمينية يوم كتابة هذه السطور بإعلان نيتها على التظاهر والقيام بحرق المصحف الشريف أمام مرأى الجميع في الساحة الرئيسية العامة في قلب العاصمة الدانمركية كوبنهاغن، ما أدى إلى إثارة المسلمين مجدداً وقيامهم بإحراق سفارتي كوبنهاجن وأوسلو في دمشق.
وهكذا تجرأ كل هؤلاء على النبي الكريم بعد استصغارهم المتتابع للمسلمين، وإدراكهم أن زعامات المسلمين مجرد دمى يحركها الغرب من وراء ستار، ولذلك أمِنوا ردة الفعل وتجرأوا على كل تلك الشنائع الصارخة بحق الأمة، بعد أن أذلها حكامها، وألزموها بالخنوع.
وعليه أقول، فليذهب اعتذار الصحيفة الدانمركية وأسف رئيس الوزراء الأرعن معه سوية إلى الجحيم، فالأمة الإسلامية ليست بعازة إلى تلك الاعتذارات ولا تستجديها، وهي صاحبة مظالم تنوء بحملها الجبال، فقد بالغ الغرب في أذيتها وإذلالها، وفاض كأسها بعد أن وصل أمر هوانها إلى أقصاه.
والمطلوب من الأمة الإسلامية اليوم أن تقف بالمرصاد لكل ذلك الابتذال البذيء من قبل ساسة الغرب ومؤسساته الإعلامية تجاه المسلمين وقضاياهم. وعليها أن لا تتكل في ذلك على المؤسسات الرسمية أو الأنظمة السياسية، وإن تمكنت من إلزامها بفعل شيء فليكن، لأن ذلك حق الأمة عليها. إلا أنه لا يصح بحال الانتظار والتقوقع، ولا بد من قيام المسلمين بالاشتغال بواجباتهم كأفرادٍ وكجماعاتٍ وكمجتمعاتٍ كجزء من أمة واحدة، كل بحسب طاقته وقدرته على التصدي للحملة الشرسة الشعواء التي يمارسها الغرب بحق هذه الأمة وفي كافة الميادين. فكلٌ على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبله، ولتُفَعَّل كافة الوسائل والأساليب المشروعة والممكنة لإيقاف نزيف الأمة وانهيارها، ريثما يفلح العاملون المخلصون ورواد النهضة الحقيقيون من إجراء تحقيق تغيير شامل وجذري في حياة هذه الأمة. حسن الحسن
نائب ممثل حزب التحرير في المملكة المتحدة a_l_hasan@yahoo.dk