لماذا خسرت فتح ونجحت حماس

لم تكن التكهّنات المتعلّقة بالانتخابات التشريعية الفلسطينية تتوقّع تدهور مكانة حركة (فتح)، إلى هذه الدرجة، مثلما لم تتوقع، بالمقابل، هذا الصعود المدوّي لحركة (حماس). فقد كشفت النتائج عن تراجع فتح، التي أسّست للوطنية الفلسطينية المعاصرة، وبادرت إلى إطلاق الكفاح المسلح، وقادت كفاح الفلسطينيين، طوال أربعة عقود مضت، فضلا عن قيادتها للسلطة، منذ قيامها في العام 1994! وكانت معظم التوقعات ترجّح انحسار نفوذ فتح، وتنامي نفوذ حماس، من دون أن يصل الأمر حد خسارة فتح لمكانتها كفصيل أول في الساحة الفلسطينية، إلى هذه الدرجة، أو تحولها من مكانة القيادة إلى مكانة المعارضة.
هكذا فاجأت النتائج معظم المتابعين، إذ تبوّأت حماس مكانة الفصيل الأول، في انقلاب سياسي دراماتيكي، تم عبر صناديق الاقتراع. والأهم من ذلك أن الفارق لصالح حماس جاء كبيرا. فقد حصدت حماس 76 مقعدا (57 بالمئة) من مقاعد المجلس التشريعي (132 مقعدا)، ما يمكنها وحدها من تشكيل الحكومة الفلسطينية، إن أرادت ذلك. بالمقابل حصلت فتح على 43 مقعدا فقط (32 بالمئة).
ويمكن تفسير التدهور الحاصل في مكانة (فتح) بعوامل متعددة، لعل أهمها:
1 ـ تحملها وحدها مسؤولية الإخفاق في المهمات التاريخية التي أخذتها على عاتقها منفردة، كونها، أولاً، لم تنجح في خيار المفاوضة؛ ثانياً، لم تستطع التحكم بخيار الانتفاضة؛ ثالثاً، فشلت في بناء الكيان (السلطة)، على مرتكزات مؤسساتية وقانونية؛ رابعاً، اتهمت بإشاعة الفساد السياسي والمالي والمحسوبية والفوضى الأمنية؛ خامسا، تهميشها منظمة التحرير. في مقابل ذلك دخلت حماس الانتخابات من دون تحمل أي مسؤولية عن فشل الخيارات السابقة، على الرغم أنها تتحمّل قسطا كبيرا في ذلك، لاسيما لجهة تعثر خيار المفاوضة والانتفاضة وبناء الكيان، بحرصها على فرض خياراتها السياسية والميدانية على الشعب الفلسطيني. وفي الحقيقة فإن غالبية النقد السياسي، في المرحلة السابقة، انصبّ على قيادة فتح والسلطة، في حين أنه سكت عن مواقف حماس وعن الوضع الذي تأخذ إليه الساحة الفلسطينية، لأسباب أو لأغراض شتّى لا مجال لذكرها الآن.
2 ـ جرت هذه الانتخابات في توقيت سياسي وتنظيمي غير مناسب لحركة فتح (ويمكن أن يحسب ذلك لحسابها)، حيث أصر الرئيس الفلسطيني (أبو مازن) على إجرائها، برغم ظروف حركته الصعبة، والأهم أنه رفض الضغوطات لاستبعاد حماس. جدير بالذكر أن حركة فتح تعيش ارهاصات مرحلة انتقالية صعبة، وصلت إلى حد والفوضى، بعد رحيل زعيمها ياسر عرفات. فليس ثمة إجماع على مرجعية قيادية (سياسية وتنظيمية وميدانية) في هذه الحركة. وثمة عدم توافق وانسجام بين قيادتها، وثمة تجاذب بين القيادة والقواعد. ومشكلة فتح، أنها ليست تنظيما بالمعنى المتعارف عليه، وهي أقرب للتجمع، والعضوية فيها جد هيولية. والأهم أن هذه الحركة تفتقد للحراك الداخلي، بالنظر إلى تحكم القيادة (اللجنة المركزية والرئيس عرفات سابقا) بكل شاردة وواردة فيها. والمشكلة أنها افتقدت مؤخّرا للجدالات السياسية، وللتنوع والتعددية والحيوية، وللروح النقدية، التي ساهمت في صعودها وإغناء تجربتها وتحولها بمثابة حركة لكل تيارات الشعب الفلسطيني، في الستينيات والسبعينيات. فالجدالات في هذه الحركة، منذ مرحلة تونس والسلطة، باتت تتمحور حول الامتيازات والمواقع وتعظيم النفوذ الشخصي. وبالمحصلة، فقد أدى كل ذلك إلى ترهل فتح، ببنيتها وعلاقاتها وخطاباتها، وإلى انصراف كادرها وتبرمه من أوضاعها المتكلسة. واللافت أن قيادة هذا الحركة (اللجنة المركزية) كانت كأنها لا تعيش، أو لا تعي، الواقع الذي ينشأ حولها، وظلت تعيش على تاريخها وإمكانياتها ونفوذها، من دون مراجعة حساباتها وطريقتها في العمل؛ وضمن هذا السياق جاء تأجيل مؤتمر الحركة.
3 ـ لا شكّ أن غياب ياسر عرفات، قائد فتح، وهو مؤسس وزعيم ورمز الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بعلاقاته وبرغماتيته وكاريمزيته، خلق فراغا قياديا كبيرا في الساحة الفلسطينية، وبالأخص بالنسبة لفتح، التي كانت فقدت قادة كبارا قبله، من مثل: أبو جهاد، وأبو إياد. ومعروف أن أبا عمار صاغ فتح على طريقته، وتحكم بمفاتيحها، ومشكلة فتح أنها اعتادت على ذلك، الأمر الذي صعّب الوضع على أبو مازن، بالرغم من جهوده لعقلنة هذه الحركة، وتحويلها من تنظيم القائد إلى تنظيم لذاته، فلا وضعه وطريقته بالعمل سمحت بذلك، ولا الوقت ولا الظروف ولا الإمكانيات.
4 ـ منذ فترة باتت الساحة الفلسطينية تعيش على خرافة التعددية والتنوع، في حين أنها في الحقيقة تفتقر لكليهما، فالساحة الفلسطينية تكاد تكون مقسومة بين قطبين كبيرين (فتح وحماس)، يمارسان هيمنتهما على المجال السياسي والاجتماعي والأمني والمالي، كل من موقعه في السلطة والمعارضة. ويمكن القول هنا أن الساحة الفلسطينية باتت تفتقر للتيار الوطني الديمقراطي أو اليساري أو التيار الثالث، فهذا التيار يبدو ضعيفا، بعد أن فقد مبرراته الأيدلوجية، كما بات حائرا في خياراته السياسية، وعاجزا لضعف إمكانياته. وهذا الواقع أسهم في هذا الاستقطاب الفلسطيني الحاد في الانتخابات.
طبعا يمكن الحديث أيضا عن أسباب موضوعية، ضمنها التدخلات الخارجية في الانتخابات وفي خيارات الفلسطينيين (لا سيما الأمريكية والإسرائيلية)، وهذه التدخلات أضعفت السلطة وعززت حماس، بالنظر لنزعة التحدي عند الفلسطينيين. وبديهي أن إسرائيل تتحمل مسؤولية، عن نتائج الانتخابات، كونها دأبت على تقويض خيار التسوية، والتملص من استحقاقاتها.
أيضا يمكن النظر إلى نتائج هذه الانتخابات كونها تأتي في سياق صعود تيار الإسلام السياسي، في العالم العربي، كردة فعل على السياسات التدخلية والابتزازية الأمريكية، وكاستجابة طبيعية لهبوط التيارات الأخرى (الماركسية والقومية والوطنية). وفي كل ذلك، أي في العوامل الداخلية والخارجية، ثمة نسبة لا يستهان بها من التصويت الاحتجاجي أسهمت في الانقلاب السياسي الحاصل في الساحة الفلسطينية عبر صناديق الاقتراع.
المهم الآن، بالنسبة لفتح وحماس والتيارات الأخرى، أخذ الدروس والعبر من هذه المحطة السياسية المهمة لقيادة الشعب الفلسطيني، بأفضل وأنجع ما يمكن. ماجد كيالي