رب ضارة نافعة: من الكاريكاتير الى الصحوة العارمة

بقلم: مرسل الكسيبي

أزمة الرسوم الكاريكاتيرية المقززة والحقيرة والتي استهدفت النبي محمد عليه وعلى اله وصحبه الطيبين الطاهرين أفضل الصلاة والتسليم وان كانت في ظاهرها تمثل احدى قمم التجرؤ على عقائد المسلمين وتعاليم دينهم السمح الحنيف، فانها في حقيقة الأمر تمثل أيضا هدية للمجتمعات المسلمة كي تدرك أنه لم يعد بالامكان أكثر مما كان، فلقد تجرأ الحاقدون والغلاة من كل ملة ونحلة على فعل قصارى ما في الوسع بقصد اهانة الجسم العربي والاسلامي، فمابين الاحتلال المباشر وبين السكوت على جهات رسمية توغل في كرامات وأعراض شعوبها وصولا الى العمل على التحكم في منابع اقتصاداتنا وثقافتنا وتجفيف منابع تعليمنا وديننا وأخيرا وليس اخرا اظهار المصطفى خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم في مظهر لا يليق الا بما يرتضيه عبدة الشياطين.
معالم الهدية التي ينبغي أن نتأمل فيها تبدو من باب العمى والصم والبكم غائبة عمن خولت له نفسه باسم حرية التعبير رسم أو نشر قاذورات أراد من خلالها الخروج من حالة الافلاس المالي والاعلامي الذي تعانيه مؤسسته الاعلامية أو الصحفية.
نعم انها فعلا هدية فاليوم تستيقظ في العالم العربي والاسلامي ضمائر المسلمين الذين غابوا عن ساحة الفعل والعطاء طيلة عقود بأكملها، واليوم تتوحد الشعوب والحكومات في الذود عن المقدس الذي غيب عن خطابنا السياسي والاعلامي طيلة عشرات السنين.
الشباب الذي انصرف الى عوالم الرياضة والكرة والانحراف هربا من جحيم الهزائم العربية، والأحزاب التي طالما تغنت بفضائل العلمانية في مجتمع ليبرالي حتى خلنا أن العلمانية باتت أقدس المقدسات في بيئتنا العربية والاسلامية، والحكومات التي تمثل الشعوب المغبونة منذ عقود عدة، والعلماء والأئمة والقادة والمفكرون والصحفيون الذين طال سكوتهم حتى خلنا أن الصمت من طبائع مجتمعاتهم العربية ...الكل يتظاهر اليوم ويحتج ويدعو الى المقاطعة كسلاح سلمي فعال في مواجهة بعض الحكومات التي لم تحترم قداسة البابا ولا حرمة الأساقفة والكرادلة ولا هيبة نداء الفاتيكان.
والمحصلة أننا اليوم أمام صحوة ضمائر دينية طالما كتمت أنفاسها مخافة بطش الرسميين في زمن اختلطت فيه على الناس مقولات الاعتدال والسماحة والوسطية بمخاوف الغلو والتطرف أمام هول فزاعة امتطت صهوة محاربة الارهاب.
اننا اليوم أمام موقف أمريكي وبريطاني يدين هذه الرسوم أمام هول كرة الثلج التي دفعت بها قصة الرسوم الساخرة والمستهزئة، وهو ما أحرج الكثير من الجهات الرسمية داخل أوربا وخارجها.
وهانحن اليوم نلمس ولأول مرة منذ عقود عدة عودة الروح الى الرسميين من ممثلي شعوبنا المسلمة، حيث نرى الشعوب تتظاهر والحكومات تسحب الدبلوماسيين وتغلق السفارات وتعاقب الصحف ورؤساء التحرير من أجل أهداف وقيم نبيلة.
تأملت هذا اليوم في تقرير نشرته وكالة قدس برس حول صدى هذه الأحداث في الشارع التونسي فلفت انتباهي موقف شجاع ومشرف من مشائخ الزيتونة المعمورة فقد بدا الخطب والمصاب جللا للجميع، فبعد أن جمعت مصالح وزارة الداخلية التونسية أعداد صحيفة فرانس لوسوار في ظرف زمني قياسي لم يتجاوز الثلاث ساعات هاهو الشيخ الزغلامي امام جامع الزيتونة الأعظم بالعاصمة تونس يدلي بتصريحات قوية تنسجم مع موقف لاحظته في أغلب الصحف الرسمية التونسية اذ اعتبر في خطبة الجمعة أن الجريمة، التي أقدمت عليها بعض الصحف الغربية، تعكس "حالة الضعف التي بلغها العالم الإسلامي، وتكشف بوضوح عن عقلية مريضة مازالت تعشش في الغرب، تختزن الحقد والكراهية والبغض."
وطالب الشيخ الزغلامي الحكومات العربية والإسلامية بطرد سفراء الدنمرك، ومقاطعة سلعها لكي ترد الاعتبار للمسلمين، وتلقّن درسا لا ينسى لكل من يفكر في إهانة المقدسات الإسلامية مستقبلا.
تجولت أيضا بين دفتي جريدة الصباح وجريدة الشروق وأسبوعية الوحدة لسان الوحدة الشعبية وأمعنت النظر في مواقف حزب النهضة الاسلامي المعتدل المعارض ولقاء الاصلاح الديمقراطي الوسطي والاسلامي والحزب الديمقراطي التقدمي المناضل، فوجدت أن الجميع يتحدث بلسان واحد، لسان الدفاع عن العقيدة والاسلام الذي يمثل الثابت الوطني الأكبر، وما لفت انتباهي أكثر كان في موقع أخبار التونسي الحكومي والرسمي حيث صدرت التعليمات لخطباء الجمعة في سائر أنحاء البلاد بادانة الصور الوضيعة والمسفة واعتبارها تعديا واضحا على رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم.
وتساءلت حينئذ عن مغزى ما يقال عن الصراع بين الحركة الاسلامية التونسية والحزب الحاكم مادام الجميع يريد الذود عن خاتم النبيين وأكملهم رسالة وما دام الكل يتحدث عن الذود عن الاعتدال والسماحة ونبذ العنف والتطرف.
تابعت أخبار الجماهير في قبلي عبر نشرية تونس نيوز الاليكترونية المستقلة فهالني تحرك قيد من داخل أكبر منظمة عربية شغيلة وهي الاتحاد العام التونسي للشغل، هذه المنظمة التي عرفت كقلعة من قلاع بعض حركات اليسار الشيوعي التونسي، وأيقنت حينها أن الجماهير العمالية التونسية راسخة الاسلام والحب في نبيها محمد صلى الله عليه وسلم.
وتجولت في أخبار النخبة التونسية فأفرحني خبر زميلي وأخي العزيز سليم بوخذير لموقع قناة العربية وهو يتحدث عن عريضة تدور بين النخب والجماهير سيوجه نصها الى الأمين العام للأمم المتحدة، ولقد جاء في نصها حسب تقرير لوكالة قدس برس "أن الإسلام دين يحترم حرية الاعتقاد والعبادة، وأن ما حدث في الصحف الأوروبية إهانة للمسلمين، لا تدخل ضمن حرية التعبير... وإيمانا منا بالمسؤولية الإنسانية والدينية، فإننا نطلب منكم بروح من السلم والعقل والمحبة اتخاذ كل التدابير، التي من شأنها احترام نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وديننا، ومحاسبة كل من يعمد مستقبلا إلى التعدي على مقدسات الشعوب."
نحن بلا شك أمام حالة وطنية تونسية تعتمل حبا وشوقا من أجل خاتم النبيين وأرجو من الله سبحانه أن تتوج بعيد فترة قصيرة وبمناسبة ذكرى الاستقلال الوطني القادم باطلاق سراح اخر من تبقى من معتقلي الرأي من شباب ونخب تونس.
امل أن نبرهن لرسولنا الأكرم في ذكرى هجراه الكريمة أننا عند هذه المحن حين يعتدى عليه نتحول الى صف واحد كالبنيان المرصوص من أجل الذود عنه وعن ميراثه في بلد عقبة بن نافع وحسان بن ثابت وأبي زمعة وخيرة التابعين، فنتناسى عندها خلافاتنا السياسية الكبرى ونسمو عن جراحاتنا الأليمة من أجل ترتيب بيتنا الداخلي على قاعدة الاصلاح يجب ما قبله.
أما عن البلاد العربية والاسلامية الأخرى فاننا نرصد في ما خلى من أيام نفس الظواهر الشعبية التي رأيناها في تونس، ولعلها الفرصة الأعظم أمام الحكومات من أجل تجسير الهوة بينها وبين الشعوب الغاضبة نتيجة اعتمال الفقر والبطالة وتفشي المرض وعدم الاحتكام الى صناديق الاقتراع في حسم الخلافات وافراز قيادات وطنية تحظى بالثقة الجماهيرية، ولاننسى طبعا كثيرا من الهزائم العسكرية التي أحدثت في شعوبنا حالة من اليأس والاحباط التي يبدو أنه لامخرج منها الا بمثل هذه الصدمات حيث تستعاد الثقة في النفس ويتحرك المخزون الديني والحضاري من أجل التفكير والعمل على الخروج من حالة السبات.
رب ضارة نافعة. هكذا عبر العرب في بلاغة عن شأن مثل هذه المحن والاستفزازات التي لا ينبغي أن تزيدنا الا ايمانا وثقة في عظمة صاحب الرسالات، يوم أن كانت مثائل التهم التي أوردتها صحائف اليوم في بعض بلاد الغرب أو الشرق دليل اكتمال وقرب فرج وهو ما يتزامن اليوم مع نجاح التيارات الاسلامية المعتدلة في الدخول بقوة الى قبب البرلمان وعودة الروح للحاكم العربي والمسلم من أجل قول كلمة لا أو الانسجام مع طروحات الجماهير وهي ترفع سلاح المقاطعة وكذلكم عودة الروح الى الشباب بعد ان كادت تأخذ بلبه تخديرا صور الفيديو كليب.
ولذلك أريد أن أتوجه فعلا الى الذين قدحوا في كمال خَلقه وخُلقه صلى الله عليه وسلم عبر هذه الرسوم القذرة برسالة شكر على ما أحدثوه في الأمة وبلاد العرب والاسلام من صحوة عارمة غير مسبوقة. مرسل الكسيبي
كاتب واعلامي تونسي reporteur2005@yahoo.de