قراءة هادئة في الاعتكاف الوزاري اللبناني وما بعده

في حمئة الحروب الجاهلية الداخلية اللبنانية حينما تقطّعت اوصال الوحدة الوطنية ثمة فئة اتجهت بعكس التيار فانتزعت بفعل ما حققت صفة اعتز بها غيرها قبل ان تقدسها، ونأت بنفسها رغما عن كثيرين لتترفع عن صغائر حارب لها كثيرون، ولم تضلَّ الطريق بفعل ايمانها بأن المحتلّ يتربص بالجميع، فدافعت ودفعت، حررت وانتصرت، جمعت ووحدت. شهادة أعدائها وفرت عليها أوسمة من صادقها، فنالت شرف المقاومة منفردة لا مفردة، وقفت عندها ولم تُسمَّ الا باسمها، وبحكمة البعض اطمأنت بأنها لن تسمى إلا باسمها.
ثمة تساؤلات كثيرة طرحت حول ما جرى خلال الشهرين الماضيين وثمة اسئلة اضافية اخرى ربما ستطرح في المستقبل، لكن الاجابات هذه المرة تستدعي التأمل كثيرا لكي تكون مقنعة ليس بهدف التهويل، بل لأن ظروف لبنان ومتغيرات المنطقة لم تعد تحتمل التأجيل او التأويل لما ينبغي ان يكون واضحا. فاذا كان بالامكان سابقا الاكتفاء بالقرارات فان الضرورات تستلزم الخيارات ولو كانت صعبة، وعليه فان تحديد خريطة طريق هي الانسب والافضل والاوضح بعدما ضلَّ كثيرون أثرها وبات الطريق بحاجة لخبراء في اقتفاء الأثر علَّ يعُاد البعض الى رشده ووعيه لئلا يأخذ في طريقه بلدا وشعبا دفع الكثير الكثير ليبقى مقاوما في وجه الاعاصير.
وربما اعتبر البعض ان ما حدث هو ضرب من ضروب الابتزاز السياسي او طقسا من طقوس الحنكة التي برع اللبنانيون الباسها لانفسهم بغير وجه حق، لكن التبصر والتأمل قليلا يثبت ان ما حدث وما آلت اليه الأمور ينبغي التوقف عنده قليلا والتعلم منه كثيرا، فلبنان بما فيه وما عليه لم يكن باستطاعته يوما ان يحقق شيئا يذكر من دون التوافق، ولعلَّ عِبَرَ ذلك كثيرة وكثيرة بل ان استثناء ذلك يكاد معدوما بل ليس موجودا.
ومهما يكن من أمر ما حدث فينبغي استخلاص العبر وتقويم النتائج بعيدا عن مبدأ الربح والخسارة، ففي تلك المسائل الرابح فيها خاسر والمحيد فيها رابح، بيد أن ما وصلت الأمور بأصحابها أن متغيرات نوعية ضربت الخريطة السياسية الداخلية ما يمهد لخلط أوراق كثيرة على قاعدة التحالفات والخيارات، فما هي ابرز هذه المستجدات والى أي مدى ستؤثر في الحراك السياسي القادم في لبنان؟
- في الشأن السياسي العام تعتبر عودة وزراء حركة أمل وحزب الله إلى اجتماعات الحكومة تكريس للفرز السياسي الجديد الذي بدأت ملامحه تظهر بقوة بعيد الانتخابات النيابية الأخيرة، والتأكيد مجددا أن مجمل التحالفات التي تمّت سابقا لا تعدو كونها تحالفات انتخابية لم يتمكن أصحابها من الاستفادة منها وتحويلها إلى خيارات على برامج سياسية واضحة أو تحالفات تخدم هذه الخيارات ولو بحدود معينة. وهذا لا يعني بالضرورة انه لم تكن هناك محاولات لذلك، بل أن كثيرا منها قد بُذل ولكن طبيعة الخيارات وتناقضها في بعض المفاصل قد أزّم الوضع ولم يكن بالامكان حصول أكثر مما حصل، وثمة طرف أساسي فيها كان يدرك ذلك وعمل جاهدا وبقوة على تأجيل الطلاق السياسي إلى ابعد وقت ممكن، إلا أن الاستحقاقات الداخلية والخارجية لم تُمكِن أصحابها من تجنب شرب الكأس المرة عنوة لا خيارا مريحا.
- إن الاتفاق على التوافق في القضايا ذات الطابع الحساس ستكون أمرا ملحوظا في الممارسة السياسية على المستوى التنفيذي، فالعودة عن الاعتكاف يعبر عن هذا الواقع المستجد الذي لا بد أن يأخذ طريقه دون حساسية مفرطة؛ فأمور لبنان الأساسية لم تكن يوما بمعزل عن التوافق، والقرائن في تاريخ لبنان السياسي المعاصر كثيرة بكثرة ألازمات التي تخبط بها. وهذا لا يعني بالضرورة أن مساحات التباين والاختلاف وطرق حلها ستضيق بل أن أمورا كثيرة يمكن أن تظهر ستعيد صورة ما انقطع.
- إن الضغوط الخارجية واستثماراتها الداخلية لن تتوقف بل ستشهد حمأة اصطفاف متعددة ومتنوعة سرعان ما ستتبدل باعتبار أن المواضيع المطروحة مستقبلا هي سريعة التحول والتأثر ومرتبطة بمواضيع ليست بالضرورة داخلية أو ذات طابع يخص فئة معينة بذاتها، ولذلك ستشهد الساحة الداخلية مواقف وارتباطات متسارعة وحتى متناقضة في أحيان معينة.
- وتأسيسا على ما سبق إن صفة التعاون لا التحالف هي التي ستطبع المرحلة المقبلة باعتبار إن الخيارات بدأت تضيق شيئا فشيئا بجميع أطرافها، بل أن مفاصل واستحقاقات حتى ولو كانت غير ذي أهمية ستصور على أنها كبيرة وتستحق الوقوف عندها ، على قاعدة كسب النقاط إن لم يكن بالامكان حسم المواقف.
- إن الاستحقاق الانتخابي في بعبدا – عاليه سيكون مناسبة هامة لإثبات الأحجام والأوزان الداخلية ليس على المقعد نفسه وإنما لتحديد مسارات وخيارات لاحقة اقلها الانتخابات العامة القادمة كما حسم موضوع انتخابات الرئاسة لاحقا.وعليه إن عدم الاتفاق على مرشح توافقي اقله ذات اللون والطابع المحدد سيكون بابا لخيارات أخرى جديدة تخرق الاصطفاف الانتخابي السابق، ما سيعكس واقعا اشد وضوحا بين موزاييك الصور السياسية السابقة.
- إن الوضعين الاقتصادي والاجتماعي سيكون له باع طويل في تحريك ألازمات السياسية الداخلية وما يمكن أن ينجم عنها من تداعيات، وبالتالي إن مؤتمر بيروت لن يكون باستطاعته تقديم الكثير باعتبار أن الواقع السياسي الموجود لا يمكن الاستفادة منه وبالتالي إن نتائجه إن عقد سيكون بمثابة الخبز الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع.
- إن المتبدلات الحاصلة في بعض مواقع السياسات الإقليمية النافذة بآثارها في الوضع الداخلي اللبناني قد أوجد بيئة دولية مناسبة لتهدئة الوضع اللبناني مرحليا باعتبار أن بعض الملفات الأساسية هي أولى بالاهتمام الدولي نظرا لطبيعة وحجم الأثر في سياسات الدول الفاعلة في الواقع اللبناني.
إن وضع لبنان في المرحلة المقبلة بات مفتوحا على خيارات كثيرة من الصعب تجنب المضي بها أو تجاهلها، وبالتالي يتطلب المزيد من الحكمة والتبصر من كل أطرافه الصادقين بوحدة لبنان ومستقبله، فالأمر يتطلب من الجميع الاتفاق على خارطة طريق تجمع ولا تفرق، توحد ولا تقسم، ولذلك إن البحث عن سبل تدعيم ركائز الوحدة الوطنية ينبغي أن يكون من أوليات المرحلة القادمة، كما أن ترميم بعض العلاقات السياسية الداخلية بات أمرا ضروريا من الصعب القفز عنه.
إن المنطقة حبلى بكافة أسباب الانفجارات الكبيرة فالوضع الأمريكي في العراق ليس مريحا، ومخارج الملف النووي الإيراني باتت صعبة، وفوز حماس بانتخابات فلسطين أعادت خلط الأوراق من جديد، وتأجيج الاستفزاز لمشاعر المسلمين باتت حِرفة لدى الكثيرين، فهل تكون الساحة اللبنانية مناسبة أخرى للتنفيس أو الاستثمار من جديد؟ وإذا كان من الواضح أن لبنان لم ولن يكون بمعزل عن هذه التطورات، فإن الأكيد أن اللمّ واللنّ التي وصّفت المقاومة بأنها مقاومة وليست أي شيء آخر إلا المقاومة ستكون واحدة من بين أسباب حفظ منعة وقوة لبنان في مواجهة الأعاصير.
إن مقاومة عرفت خريطة طريقها وكيف ينفذ القرار 425 وتمكنت ببراعة من أن ترعى مصلحة لبنان أينما وجدت، ليست بحاجة لأن يُوزّع على من احتضنها خرائط تعلمهم السير في أرضهم، فرعاة بسطرة وحلتا كما غيرهم يعرفون بالفطرة كل حبة تراب تدوسها أقدامهم ويحفظون اقتفاء أثرها كما يتنفسون؟ فهل يدرك البعض أن أنبياء الله عز وجل جميعا هم رعاة وان خير ما في الرعي التشبث في الأرض، إن لفي ذلك عبرة فهل يستوي العارفون؟! د. خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب