شات من الواقعية الطبيعية إلى الواقعية الرقمية

الاسكندرية - من أحمد فضل شبلول
رواية جديدة لواقع اخر

تجربة روائية رقمية جديدة ـ بعد تجربته الأولى في رواية "ظلال الواحد" ـ يخوضها الكاتب الروائي محمد سناجلة، في روايته "شات" التي استقى عنوانها من إحدى أهم مفردات التواصل الإنساني عبر شبكة الإنترنت، وهي المحادثة مع شخص واحد، أو مجموعة من الأشخاص داخل غرف الدردشة الإلكترونية، باستخدام (غرف مكتوب).
بالإضافة إلى استخدامه لمفردات أخرى من مفردات هذا التواصل مثل الماسنجر (ماسنجر ياهو)، والبريد الإلكتروني، ولقطة فيديو من أحد الأفلام الأمريكية، هو American Beauty "الأمريكي الجميل"، فضلا عن استخدام بعض المؤثرات الموسيقية، وبعض المشاهد الطبيعية مثل مشاهد السماء والقمر والنجوم، وهي تختفي مع بزوغ الفجر، يعقبها منظر الصحراء اللانهائية والكثبان الرملية التي يفتتح بها مشاهد روايته، وتوظيف بعض اللوحات التشكيلية كخلفية للنص المكتوب عبر أربعة عشر فصلا، تبدأ بالعدم الرملي، وتنتهي بـ "حتى يستقر الكون".
وطول الفصل الإلكتروني هنا لا يحسب بعدد الصفحات مثلما هو في الورق، وإنما يحسب بعدد الكيلو بايت، وهو قدر المساحة اللازمة لتحميل الفصل على جهاز الكمبيوتر، وإذا لم يكن لدى الجهاز المستخدم مساحة أكبر من مساحة الفصل، ومن ثم الرواية، فإنها لن تقرأ إلكترونيا أو رقميا، وعلى سبيل المثال طول الفصل السابع "وطن العشاق" 508 كيلو بايت، بينما طول الفصل العاشر "ثورة العشاق" على سبيل المثال 339 كيلو بايت .. وهكذا.
الأمر كذلك يحتاج إلى جهاز كمبيوتر ذي مواصفات تستطيع أن تعرض النص مع الصورة مع الصوت (أو ما يعرف بالملتيميديا، أو الوسائط المتعددة). مع اتصال سريع بشبكة الإنترنت، وبرنامج خاص تقرأ من خلاله الرواية هو برنامج (فلاش) الذي من الممكن إنزاله مجانا من موقع الرواية على الشبكة. بمعنى إذا كان جهاز الكمبيوتر المستخدم لا يتمتع بهذه المواصفات، وغير متصل بشبكة الإنترنت، فلا وجود للرواية الرقمية، أو للنص الرقمي الذي يحيا على نبض الشبكة عبر الوصلات (أو اللينكات).
وقد يكون هناك فرصة لإنزال النص مع بيئته الإلكترونية، أو مصاحباته الرقمية، على الهارديسك (أو القرص الصلب) وفي هذه الحالة لن نحتاج إلى اتصال بالشبكة عبر جهاز المودم. ولكن يفضل ـ بطبيعة الحال ـ قراءة العمل ورؤيته إنترنتيًّا، لأن قراءته بعد إنزاله على القرص الصلب، يشبه قراءة عمل إبداعي ورقي من خلال نسخة مصورة، وليس من خلال طبعته الأصلية، وبالتأكيد سيفقد النص المنسوخ بعض خصائص النص الأصلي في حالة التصوير الفوتوغرافي، وقد يفقد بعض تقنياته، أو بعض خصائصه، في حالة النسخ على القرص الصلب، كما يحدث أحيانا عند نسخ بعض البرامج شبه المحمية.
أما إذا لم تكن النسخة الأصلية محمية بطريقة ما، فهنا يكون إنزالها أو نسخها أمرا محمودا، وخاصة لدى القراء الذين لا يتمكنون من الاتصال بالشبكة طلية الوقت، ففي هذه الحالة ـ حالة نسخها على القرص الصلب ـ تتاح الفرصة للقراءة المتمهلة المتفحصة المتحاورة مع العمل وتقنياته.
وكنت أفضِّل إضافة تقنية الصوت للمحادثات أو الحوارات السياسية والعاطفية التي تمت في غرف الدردشة بين الأشخاص الذين رمزوا لأنفسهم بجيفارا وصدام والغضبان وسلافا وأبو عمار وأحمد ياسين وبن لادن ولورا ولولو ونزار .. الخ. بدلا من الاعتماد على نص الحوار المكتوب بألوان متعددة في غرفة الدردشة، وإن كان هذا سيشكل عبئا جديدا على تقنيات الرواية الرقمية، إلا أنه يعني استخداما أفضل لمثل هذه التقنيات.
أيضا كان يمكن لمحمد سناجلة استخدام لقطات فيديو أكثر مما أتى به، وخاصة في المشهد أو الفصل الخاص بليلة حب. ولكن في هذه الحالة سيقال عن الرواية إنها رواية جنسية أو رواية "بورنو"، لذا اعتمد المؤلف على الفعل بالكلمات من خلال الوصف والحوار الشبقي بينه وبين منال الفتاة العراقية التي تتعلم في الولايات المتحدة، التي استخدمت اسما آخر في غرفة الدردشة هو ليليان، بينما استخدم السارد اسما آخر بدلا من محمد هو نزار. ولأنه يكتب الشعر، ويستشهد بأبيات من المتنبي وفريد الدين العطار وغيرهما، فقد اعتقد أصدقاء الغرفة أنه نزار الشاعر.
تبدأ الرواية بالشعور الحاد بالوحدة وسط الصحراء الجرداء المتاخمة للبحر، ووسط الكثبان الرملية اللامتناهية، ونقيق الضفادع، رغم أن السارد يعمل طبيبا (متخصصا في البيئة) في شركة بترول أجنبية، ويعمل معه أشخاص من جنسيات مختلفة، إلا أن الشعور العام بالوحدة والعزلة هو المسيطر عليه. وفي إحدى ليالي وحدته وعزلته، يصدر من هاتفه المحمول نغمة SMS التي تعني استقبال رسالة جديدة (وهنا نجد تقنية ظهور صورة أو أيقونة لجهاز الموبايل أو المحمول وعلى شاشته نص الرسالة). ومن هذه اللحظة تبدأ رواية "شات" في التحول التدريجي من واقعيتها الطبيعية التي يصف فيها السارد الجو المحيط به، وتأثير ذلك على كينونته، وما يمر به من أزمات نفسية، أدت إلى العيش في غرفته الضيقة وحيدا منعزلا عن بقية زملاء العمل، ومن ثم يستخدم تيار الوعي بكثرة، ليبدأ في الصعود المناخ الرقمي للأحداث والحوار، فينقسم عالم الرواية، وعالم السارد إلى عالمين: العالم الطبيعي الذي يعيش فيه بجسده سواء في غرفته الضيقة، أو عمله بشركة البترول، والعالم الرقمي الذي سيبدأ العيش فيه عن طريق محادثات الهاتف المحمول والرسائل القصيرة عبر شاشة الجهاز، ثم التواصل الرقمي بعد ذلك من خلال جهاز الكمبيوتر بمقهى الإنترنت الوحيد بالمنطقة التي يعيش فيها على حافة البحر والصحراء.
في هذه الحالة الرقمية نكتشف العالم اكتشافا جديدا، فبعد أن كان صحراء لا متناهية، صار أصغر من حجرة واحدة يتحدث فيها جنسيات شتى، يعبرون فيها عن آرائهم في حرية تامة، فمن حديث حر عن الشيوعية والاشتراكية إلى حديث حر عن الأديان وخاصة الإسلام، ومن حديث حر عن الحب إلى حديث حر عن الجنس والخمر، ومن حوار سياسي حول الشرق الأوسط الجديد، إلى حوار عاطفي والعلاقة الصريحة بين الرجل والمرأة.
إن زوَّار الغرفة يتحدثون عن كل شيء في حرية تامة. ولكن نزار يريد أن يلتقي حبيبته في خلوة تامة، فيدعوها إلى زيارة غرفة أخرى أطلق عليها "وطن الحب والحرية"، بعد أن كفر بالسياسة والسياسيين في وطننا العربي، بل في العالم.
وهنا يحدث تحول ثالث في بنية الرواية، فحين قرر نزار بناء غرفة وطن العشاق او مملكة الحب والحرية، كان يعبر عن شعور جمعي لدى الشباب العربي عموما، وهو حالة القرف من السياسة والسياسيين وعزوفه عن مقولاتهم ودعواهم وما إلى ذلك. إنها لحظة تعبير عن خيبة أمل الشباب العربي من الساسة عموما، إنها لحظة بحث عن الذات، عن حرية مفتقدة، عن كينونة، عن ما يريده الشاب العربي حقيقة، وعن عدم إيمانه بكل ما يقوله ويفعله السياسيون في وطننا من محيطه لخليجه.
يقول نزار فيما يشبه المناجاة: "احتاجك صديقتي وسط هذا الكم الهائل من الغباء والعبث، آلاف من الشباب ماتوا من غير معنى، وآلاف غيرهم ضاعوا .. اللعنة ماذا يهمني .. المهم أن لا أضيع أنا .. أية غرفة هذه، لابد أن أخترع غرفتي، حيث قلبي وطني، وليليان لم تأتِ، وأنا الذي انتظرتها طويلا طويلا لكنها لم تأت الليلة ".
ويمضي في حواره الذاتي قائلا: "بحثت عنها في الغرف الأخرى، ذهبت بعيدا بعيدا حتى الياهو ماسنجر، بحثت فيه لكن اسمها كان مطفئا فيه، مطفأ تماما، لا نور وسط هذه العتمة المعتمة، ثم إن اسم هذه الغرفة غبي جدا .. سياسة .. أي اسم أغبى من هذا .. سياسة .. حين أسمع بالكلمة أصاب بالشيزوفرينيا، ويرتعد قلبي قرفا، تمر بذهني طوابير طويلة من شباب وصبايا بعمر الورد قضوا تحت رايات الشعارات البراقة الجوفاء، آلاف من الواهمين والحالمين والمخدوعين .. سياسة ياللقرف .. يععععععععع. سأبني غرفة لي، لا كهذه الغرف، غرفة أخرى لم تكن من قبل، وستكون للحب والشعر والحرية، غرفة تكون وطنا للعشاق، وسأكتب على بابها ممنوع دخول الكلاب والسياسيين. نعم هكذا بالضبط. غرفة للعشاق وللجمال وللحرية التي لا يحدها حد ... بيت نزار العاشق، وطنه .. قلبه .. جنته ومأواه".
وهنا حيث يتحول بعض العشاق على شبكة الإنترنت إلى هذه الحجرة التي أضحت بمثابة مملكة للعشاق، وتوَّج نزار نفسه ملكا على تلك المملكة، ولكن يتمرد عليه بعض زوار الحجرة، ويكيدون له، ويعلنون انقلابهم عليه، ويطالبون بتحويل المملكة إلى جمهورية الحب، وتجرى الانتخابات ويفوز نزار لتستمر المملكة في كيونتها الرقمية، ولكن يتهم الطرف الآخر نزارا بالتلاعب في العملية الانتخابية، ويشنون عليه حربا أخلاقية لا هوادة فيها جاءت تحت عنوان "نصالهم"، فيضطر إلى إلغاء المملكة الرقمية والرحيل عنها، ويتلاشي رقميا بعد أن يغلق جهاز الكمبيوتر، ويعود إلى كينونته الطبيعية، بعد أن اتخذ قراره بإلغاء هذا الوطن الرقمي، والانسحاب منه بشكل كلي وكامل، وبعد أن تأكد أنه كان مجرد وهم في ذاكرة الألياف الضوئية، وبعد أن عاش في الأزرق السوبراني تحيط به ظلال العاشق والألياف الضوئية، ليتأكد بنفسه أن العالم الرقمي ليس بأفضل من العالم الطبيعي، وليس هو الجنة الرقمية كما يدَّعي منظِّرو شبكة الإنترنت.
هكذا يعود العاشق من مملكة العشق الرقمية خائبا، وكأنه عائد من قصة حب طبيعية انتهت أيضا نهاية فاشلة، لندرك أن الحياة الرقمية تعادل في رموزها الحياة الطبيعية، وما الواقع الافتراضي سوى ظلال واقعنا الطبيعي. بل إذا ما كان لنا وجود في واقعنا الطبيعي، لانتفي واقعنا الرقمي بالتبعية. ونقيس على ذلك الفصل الخاص بالجنس الرقمي، "ليلة حب"، ونسأل إذا لم يكن لنا اشتهاؤنا الطبيعي، هل سيكون لاشتهائنا الرقمي وجود في الواقع الافتراضي؟
ولكن سرعان ما يكتشف السارد ـ بعد عودته إلى وطنه الأصلي ـ مقدار الخواء الذي عليه العالم الواقعي، فيعود مرة أخرى الى العالم الرقمي من خلال اسم جديد هو "لوركا"، ويبني غرفة جديدة، ووطنا جديدا أطلق عليه وطن الشعراء، حيث يجد في العالم الرقمي ـ مرة أخرى ـ ضالته وأنه ـ على سلبياته ـ أكثر جمالا وقدرة على تحقيق الذات من العالم الواقعي الخاوي، وتختتم الرواية بمقطوعة لوركا الشعرية:
على المسرب الأزرق،
يا مروض النجوم المعتمة
سأتابع طريقي ..
حتى يستقر الكون
في قلبي
وفي المقطوعة الشعرية دلالات كثيرة، مثل المسرب الازرق (الذي يعتقد السارد أنه الوطن الرقمي الجديد) الذي قرر بطل الرواية أن يسير عليه.
إن هناك أسئلة كبيرة يُبقي عليها كاتب الرواية مفتوحة على مصراعيها، وفي الأسئلة بعض الأجوبة.
لاشك أنها تجربة روائية جديرة بالتأمل والملاحظة، سوف تفتح شهية بعض أدبائنا ـ المترددين في خوض غمار التجربة الرقمية، والنشر الرقمي على هذه الشاكلة ـ لأن يجربوا أدواتهم، ويقحموا ذواتهم السردية، لتحلق في الفضاء الرقمي، وسيظل لمحمد سناجلة فضل ريادة التجريب في عالم النشر الرقمي عبر روايتيه: ظلال الواحد، وشات.
وتبقى هناك بعض الملاحظات التي فرضت نفسها علي أثناء القراءة ـ والتي لا تكمل هذه القراءة إلا بها ـ منها أن لقطة الفيديو المستوحاة من الفيلم الأمريكي، لم تكن واضحة، بل كانت مظلمة، فهل كانت في الأصل كذلك، أم أن استنساخها هو الذي أدى إلى إظلامها على النحو الذي رأيناه في "شات"؟.
أيضا كنت أتوقع استخدام تقنيات أخرى مثل الإحالة إلى تاريخ الشخصية وصورتها مثل شخصية صدام أو بن لادن أو جيفارا أو أبو عمار .. الخ. رغم أنني أعرف أن الشخصيات الرقمية بغرف الدردشة انتحلت هذه الأسماء التي أصبحت رموزا في حياتنا الطبيعية، لكن مادام الأمر تحول إلى استخدام تقنية جديدة تسمح بذلك، فلماذا لا نخضع هذه التقنية لإضافة معلومة للقارئ، فربما بعض القراء من الأجيال الجديدة لا تعرف شيئا عن جيفارا مثلا ولا تعرف صورته.
أيضا لاحظت بعض الأخطاء اللغوية والإملائية في بعض السطور، وكان ينبغي التدقيق في اللغة، حتى لا تكون الرواية معرضة للنقد من هذا الباب، وأعتقد أنه لغة الرواية، أو لغة العمل الخاصة، أو لغة الفن، لن تكتمل بدون أن تكون لغتها العربية سليمة بالأساس.
في النهاية أعجبتي عبارة منال (ليليان) أو حكمتها التي تقول فيها: "ما تحكي لحدا كل شيء عنك، ولا تصدق كل ما يقال لك، فكل واحد هنا بغير ما هو عليه في الواقع الآخر".
تلك هي حكمة التعامل مع الواقع الرقمي، أو الواقع الافتراضي، فربما نكون ـ أثناء التحليق في هذا الواقع ـ غيرنا ونحن في الواقع الطبيعي، الذي هو (الواقع الآخر) عند ليليان. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية