عن الحلال والحرام

جاءتني الرسالة التالية من قبل احد القراء المهتمين برأيي يقول فيها: اسئلة كثيرة تحيرني. لماذا حجب المواقع السياسية وغيرها من المواقع الغير جنسية ! ولماذا لا تحارب المواقع الاباحية كمحاربة المواقع الاخبارية؟ إحصائيات خطيرة تفيد بحجب الآف المواقع !
غاب عن عزيزي المتسائل فكرة أن عمليات الفصل قديمة الجذور، فبالسابق كان كبير القبيلة هو صاحب السلطات الدينية والمدنية (السياسية والاقتصادية) في مجتمعه، وحين كبرت القبيلة وأصبحت دويلة مدينة صار هنالك نوع من الفصل بين الشعب والحاكم، نال خلالها الحاكم المدني السلطات الدينية عبر كاهن أو كاهنة المعبد ليبارك رجل الدين ويكرس السلطات باسم رجل واحد هو ظل الله على الأرض.
أعقب ذلك فترة ازدادت بها ثروات المعبد وازداد بها نفوذ الكهنة، ليسيطروا بثرائهم على تزويد المقاتلة بالمال والعتاد وتجييش المواطنين في الحروب التوسعية بحجة حماية الدين ونشره، وفيما استفاد الحاكم المدني من هذه السياسات؛ كان أسيرا بحاجته إلى مسوح رجل الدين وبخوره.
تلت تلك الفترة تعقيدا اكبر، حين علق الحاكم المدني مجددا تحت وصاية الحاكم الديني، وصار ألعوبة بيده.
الثورة على رجال الدين كانت المفتاح التحرري للسلطات المدنية، وبالتالي للفصل بين الدين والسياسة لتمنع رجال الدين من فرض وصايتهم على رجال الدولة، ولكنه لم يمنع إفادة رجال الدولة من رجال الدين ولا من اتخاذ القضايا الدينية كذرائع لقراراتهم أو حروبهم، فيما عرف بفصل الدين عن الدولة، وإطلاق قوانين الحريات المدنية التي شجعت الانفراد في التحليق خارج السرب الديني العام.
ما ظهر جليا من خلال الوقائع المعاصرة، أن السلطات المدنية باتت تشجع الجماعات والفرق الدينية المتطرفة، وهدفها في ذلك يكمن في الضغط على نفوذ الجماعات الدينية الرئيسية الكبرى، التي أصبحت تمارس نفوذا عريضا وتأثيرا جماهيريا فاعلا، وذلك خشية أن تنقلب بدورها على السلطة المدنية وتسير الدولة تبعا لرؤيتها الخاصة في النواحي السياسية والاقتصادية علاوة على الاجتماعية، وذلك من خلال الاحتراب الفكري وتفتيت النفوذ الجماهيري وتشتيت المرجعيات الدينية، إضافة إلى ترك المحرمات الاجتماعية عرضة للانتهاك على يد وسائل الميديا بأنواعها، لترك الشعوب تخوض غمار حروب لا طائل منها.
ليعقب هذا النوع من الفصل، فصل الشعب عن السياسة وترك الرمح كما يفترضون لباريها، وبالتالي ترك الشعوب كأدوات تنفيذ لسياسات ورغبات أصحاب السلطة المباشرين أو غير المباشرين، والاحتيال عليهم بتوظيف رجال الدين عند الحاجة لتجريع الشعوب كمية اكبر قليلا من السم. حاليا تجد وبلا منازع أن افضل من يقوم بذلك العمل القذر من التبريرات لاصحاب السلطات الدينية اناس من مثل شيخ الازهر والذي يفضح نفسه علانية دونما حياء بقوله انه يقبض راتبه من السلطان!، وكأنما السلطان يدفع من جيبه الخاص، وكأنما السلطة عبارة عن ملك يمين.
بالخلاصة نجد أن قوة التأثير الجماهيري لرجال الدين كانت ومازالت هي الهدف والمطية، فالسياسة لا دين لها ولا أخلاق، ولا صداقات ولا عداوات كما يفسرها الغرب، إنما هي مجرد مصالح فقط لا غير، وبالتالي فان مصالح أصحاب السلطات المدنية (السياسية والاقتصادية) تكمن في كونهم أدوات تحريك دونما نقاش بأي شكل، وحتى لو كان ديمقراطيا حسبما يتم ترويجه، فالديمقراطية الغربية لا تمثل سوى عصى وجزرة بيد أصحاب السلطات المدنية، اليك مثالا على ذلك التهديد بحرمان السلطة الفلسطينية من المعونات ان هي سمحت للجماعات الدينية من دخول انتخابات ديمقراطية، مثال آخر يمكنك ان تجده ضد الجماعات الدينية في مصر، والجزائر، وموريتانيا.
ومسألة حجب المواقع السياسية والتعمية على الفضائح السلطوية الخطيرة التي تمس حياة الشعب، هي نتيجة لخشية أصحاب السلطة على مراكزهم ونفوذهم كيلا ينكشف تقصيرهم في واجباتهم تجاه الشعوب التي ارتضتهم، بينما إباحة المواقع الجنسية بكل شذوذها، وافساد الذوق الاجتماعي في الغناء والملبس واللغة، يأتي أيضا لخدمة السلطة في الهاء الشعوب عما يحاك ضدها، فيما يجند صاحب السلطات المدنية بعدها الاعلانات تلو الاعلانات لمحاربة المواقع الاباحية خدمة لرفع شعبيته، تذكر اعلان السيد بوش في شهر سبتمبر من هذا العام لمحاربة الافلام الخلاعية.
فان انت وجدت من يعقل الامر، ستجد انه تائه يبحث عن حقيقة ما يجري، ولا يصدق اعلاما، بل يجتهد في تحليل الوقائع بعيدا عن كل الحقائق الزائفة، قبيل بضعة ايام فقط انكشفت حقيقة رشوة القوات الامريكية لصحفيين عرب وغيرهم بهدف تشويه الحقائق عن جرائم الاحتلال وخسائره وحقيقة المقاومة التي باتت تنعت بارهابية بعد ان كانت تنعت بالتمرد! علما بان التمردات تكون بحسب علمي ضد حكومات شرعية لا ضد محتل.
هذا التغييب وانعدام الشفافية بين الحاكم والمحكوم بات يؤثر سلبا على السلطة المدنية ذاتها، لكون المتاح من الحقائق لا تروى المتعطش لها، مما ادى الى ظهور قوى خارجية ضاغطة على السلطات الحاكمة، تتمثل اعلاميا بكشف اليسير من الحقائق التي تخفيها تلك الدول؛ لكن طريقة واسلوب وكمية المتاح من المعلومات التي ينحسر عنها الستر ، تخضع للتلاعب ايضا من قبل وسائل الميديا، فلاهي تعطيك كل الحقيقة ولا تحجبها بالكامل، بل تراها ترسل باشارات تهديد، ومطالبات ابتزاز تجاه السلطة المدنية صاحبة العلاقة، فيما المواطن العادي يكون مادة تفاعل في انبوب اختبار.
على سبيل المثال لدينا الفضائح التي ينشرها الاعلام، كجرائم ابو غريب، وغوانتنامو، وطائرات نقل السجناء، وقصف الفلوجة بالاسلحة المحرمة دوليا، ولتقارن بين وسائط الاخبار الخارجية، والغربية تحديدا، وبين الاعلام المحلي في تلك القضايا.
من حديث منسوب لرئيس الوزراء البريطاني السابق " تشرشل" قال: ان الحقيقة ثمينة ونادرة جدا، لهذا فنحن نغطيها بألاف الاكاذيب. محمد ملكاوي
باحث مستقل Sadoog2@yahoo.com