أمريكا: قاتلة المعاهدات!

بقلم: رجب سعد السيد
التلوث من حق الاقوياء فقط

نُشرت، في أبريل 2002، بأحد مواقع الأنترنت، دراسة موسَّعة، في حوالي مائتي صفحة، وتحمل عنواناً عاماً "لمن السيادة؟.. القوة العسكرية أم الشرعية الدولية؟"؛ وعنواناً ثانوياً "وجهة نظر في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، وتصرُّفاتها حيال الاتفاقيات والمعاهدات الأمنية". وقد شارك بالكتابة في هذه الدراسة مجموعة من خبراء السياسة الدولية والبيئة والقانون، تابعين لاثنتين من الجمعيات الأهلية، التي لا تستهدف الربح، هما "مؤسسة بحوث الطاقة والبيئة" و"لجنة محاميي السياسة النووية".
وتتناول الدراسة، بالتحليل والمناقشة، توجُّهات الولايات المتحدة الأمريكية المتخاذلة، والخارقة، والناقضة، والمنتهكة للمعاهدات والاتفاقيات والحقوق الدولية، عامةً، والمتصلة بالشؤون البيئية، على وجه الخصوص.
وفي تقديمه للدراسة، يقول أحد القائمين على تحريرها والمشاركة بالكتابة فيها، إن هذا السلوك المُستَهجَن قد بدأ مع إدارة بيل كلينتون، ولكنه نشط وتسارع في عهد بوش الابن؛ ويرى أن تلك مسألة تحمل في طيَّاتها تهديداً للأمن العالمي عامةً؛ ولن يسلم أمن أمريكا من هذا التهديد. ويضيف قائلاً: إن هذا أمرٌ مُستَغرَب من هذه الدولة، التي قامت على أساس من سيادة القانون، وصوَّرت نفسها، أو صوَّرها الآخرون، على أنها الأشد حرصاً على الشرعية الدولية، في العالم!
لقد بدأ توجُّه أمريكا للتنصُّل من، أو معارضة، وأيضاً معاداة هذه الأداة القانونية الدولية – المعاهدات والاتفاقيات – يتَّضح في إدارة كلينتون، برفضه توقيع معاهدة حظر الألغام المضادة للبشر؛ وجاء بوش ليتمسَّك بذات النهج.. ففي الشهور السابقة على أحداث 11 سبتمبر، سحبت أمريكا دعمها لبروتوكول كيوتو، بالرغم من أنها لعبت دوراً هاماً في صنع هذا البروتوكول. وبعد 11 سبتمبر، ناشدت العالم مساعدتها والتعاون معها لمقاومة الإرهاب؛ فتوقَّع البعض أن تعود إلى التمسك بالقانون والشرعية؛ غير أنها استمرَّت في التعويل على القوة العسكرية، وترسانتها النووية، ونظام استخباراتها؛ بدلاً من تفعيل الاتفاقيات الدولية لتتبُّع الإرهاب ومقاومته، باجتثاث أسبابه ودوافعه. بل إنها أصبحت لا ترفض – فقط – المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات المستجدَّة، التي تجيء بها آليات الشرعية الدولية، ولكنها – أيضاً – صارت تراوغ وتتهرَّب من الوفاء بالالتزامات التي تقرها وتفرضها تلك المعاهدات والاتفاقيات، التي سبق أن صادقت عليها. والأكثر من ذلك، فإن الدراسة تتهم أمريكا بالانتهازية، إذ يقتصر التزامها على الاتفاقيات التي تسير وفق هواها، وتتلاءم ومصالحها، غير عابئة بمصالح الآخرين، أو بصالح الكون، عامةً.
ودعونا، الآن، نراجع قائمة "حوادث" التراجع، والتخاذل، والانسحاب الأمريكي من التعهدات والاتفاقيات الدولية، وفيها:
(1) في ديسمبر 2001، انسحبت أمريكا رسمياً من اتفاقية الصواريخ المضادة للمقذوفات الباليستية ABM ، فخرَّبت وقوَّضت هذه الاتفاقية، التي أُبرِمت في العام 1972، والتي كانت علامة بارزة في تاريخ التعاون الدولي.
(2) في العام 1972، أيضاً، صادقت 144 دولة على اتفاقية الأسلحة البيولوجية والكيماوية؛ وتخلَّت أمريكا عن الاتفاقية، وأعلنت أن بروتوكولاتها " قد ماتت "؛ وراحت – بالوقت ذاته – تتوجه باللوم إلى بعض الدول المتهمة بحيازة هذه الأسلحة.
وتحظر هذه الاتفاقية، على جميع الدول التي اعتمدتها، وبينها أمريكا، إنتاج هذه الأسلحة الفتَّاكة؛ إلاَّ أن الإدارة الأمريكية استمرت تنتجها، بل وأجرت، في نهاية التسعينيات، تجارب على رؤوس تحمل هذه المواد، ومنها "الأنثراكس"، الذي عاد وسبب لها الرعب، في 11 سبتمبر.
(3) في يوليو/تموز من العام 2001، رفضت أمريكا اتفاقية أعدتها الأمم المتحدة لمنع التعامل بين الدول في مجال الأسلحة المحرَّمة.
(4) اتفاقية الألغام الأرضية، التي وقَّعها 122 دولة – أوتوا ... ديسمبر/كانون الأول 1997 - رفضتها أمريكا، في عهد كلينتون، وذلك لأن الألغام الأرضية كانت ضرورية – كما قالت الإدارة الأمريكية – لحماية كوريا الجنوبية، الحليف الأمريكي، ضد ك. الشمالية، التي كانت متفوقة عسكرياً. وقتها، قال كلينتون إن أمريكا قد تعيد النظر في موقفها وتوافق على الاتفاقية، في عام 2006. وجاء بوش، فتنصَّل من الاتفاقية ومن وعد سلفه، وأعلن ذلك في أغسطس 2001.
(5) بروتوكول "كيوتو" – 1997 – للتحكم في سخونة المناخ العالمي؛ اعتبره بوش "ميتاً"، وذلك في مارس 2001.
(6) رفضت أمريكا، في فبراير/شباط 2001، مشاركة 123 دولة في إدانة وتحريم وحظر استخدام وإنتاج القنابل والألغام المضادة للأفراد.
(7) في سبتمبر 2001، انسحبت أمريكا من مؤتمر عقد بجنوب أفريقيا، لمناهضة التفرقة العنصرية، وشاركت فيه 163 دولة.
(8) عارضت أمريكا الخطة العالمية من أجل طاقة نظيفة، التي أعدتها الدول الصناعية الثمانية الكبرى، ومنها أمريكا، في يوليو 2001.
(9) معاهدة حظر التفجيرات النووية، وقع عليها ممثلو 164 دولة، وصادق عليها 89 دولة، واعتمدتها إدارة كلينتون في 1996، وفي نوفمبر 2001، أعلنت (أمريكا بوش) اعتراضها على المعاهدة، في اجتماع لإحدى لجان الأمم المتحدة.
(10) في العام 1979، أعلنت الأمم المتحدة اتفاقية رفع كل أنواع التمييز ضد المرأة؛ واشتركت أمريكا وأفغانستان في رفض التصديق على الاتفاقية!.
(11) وقَّعت أمريكا، ولم تصادق، على إعلان الأمم المتحدة لحقوق الطفل، الصادر في 1989، والذي يحمي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لأطفال العالم.
وتلفت الدراسة نظرنا إلى حقيقة هامة، هي أن الدول الكبرى تضغط على الصغرى، وتستخدم كافة أشكال النفوذ، لتشكيل المعاهدات والاتفاقيات الدولية حسب هواها ووفق مصالحها؛ وينطبق ذلك – بالدرجة الأولى – على أمريكا. وعلى هذا، يقول المشاركون في الدراسة، فإن مؤسسات صنع المعاهدات الدولية مهددة بأن تفقد نزاهتها، لأنها أصبحت خاضعة لتأثير الأقوياء، الذين يرون، عند إعداد الاتفاقيات، أن يكون المعيار هو: "افعل حسبما نقول، لا حسبما نفعل!".
وتنتهي الدراسة بالتأكيد على حقيقتين:
1 - أن لأمريكا أهميتها ووزنها، بلا شك؛ لذلك، فإن انسحابها من منظومة العمل العالمي الشرعي، المتمثَّل في المعاهدات، يعني تهديداً خطيراً لأمن العالم، وللبيئة.
2 - أن الشعب الأمريكي جزء من هذا المجتمع العالمي؛ وأن أي إخفاق أو خيبة أمل تصيب العالم سوف يمتد تأثيرها، بالتأكيد، إلى الأمريكيين، فينتقص مما يتمتعون به من يسر العيش؛ وعلى الإدارة الأمريكية أن تضع ذلك في اعتبارها.

رجب سعد السيِّد