الشراكسة: العودة.. حلم ورقص على الاوكورديون فقط

بقلم: احسان هاكوز
شركسية (تخطيط لفرانك ميليت)

بعد التهجير وجد الشراكسة انفسهم في عالم جديد وأصبح الحلم بالعودة هدفا للجميع في الوقت الذي تفننت فيه الدولة العثمانية في ابتكار الاساليب الاقسى لاستغلال الشراكسة وحماسهم الديني وولاءاتهم التي تصل الى حد التضارب ضمن الاسرة الواحدة فزج بهم في حروب تركية بحتة، وادت الحماسة الدينية لدى الشراكسة الى تشدد مطلق في القسوة ونثروا مجازر ارتكبت باسمهم لمصالح الدولة العثمانية (مجازر البلقان مثلا).
بعد انهيار الدولة العثمانية وظهور دول جديدة في مناطق الشرق الاوسط الذي يضم اكبر تجمع للشراكسة في العالم عاد الشراكسة الى تذكر الحلم القديم الذي لم يغب في صراعات دولهم المضيفة قبل الاستقلال وبعده فأسست الجمعيات الشركسية في دول عديدة لتضم ما يعرف بالجمعيات الخيرية الشركسية رغبة منهم في اعلان حلم العودة الى البلد الام وتنادى جميع الشراكسة الى الانتساب الى هذه الجمعيات التي شكلت الصوت الوحيد للشركس خارج الوطن الام ثم تنادت تلك الجمعيات الى ما يشبه الاتحاد بتشكيل الجمعية الشركسية العالمية التي ضمت كل الجمعيات الشركسية في العالم ضمن الاطار الاسمى عودة الشراكسة من بلدانهم المضيفة الى الوطن الام ورفعت شعارا كبيرا لم يرق للبعض: لن تكون شركسيا الا في قفقاسيا.
وتنظم الجمعية الشركسية العالمية مؤتمراتها الدورية بمشاركة من الجمعيات الشركسية في العالم ووفق قواعد الانتخاب الديمقراطي ويمثل رؤساء الجمعيات الشركسية شراكسة بلدانهم في المهجر كأمناء على اهداف ومطالب الشركس في العالم.
هؤلاء الامناء واطقم الجمعيات الشركسية العاملة ادوا في احيان كثيرة بمواقفهم الى تشكيل مظاهرات عارمة في شوارع العواصم الشركسية تنديدا بهذا الموقف او ذاك لكن عند التداخل في الية عمل الجمعيات هذه نكتشف جملة من الحقائق المذهلة التي تقذف بكل القضايا الشركسية خلف الاقنعة وخلف الولاءات الجديدة وخلف المصالح الشخصية لرئيس الجمعية هذا او ذاك لنكتشف اذن هذه الالية التي منعت الوف الشراكسة من العودة الى الوطن الام فيما عانى العائدين من معوقات جمة ادت الى الندم والعودة من حيث اتوا معلنين الكذبة الكبرى في الوطن الحلم..
تضم الجمعيات الشركسية العالمية نظريا تحت اطرها شراكسة العالم وعندما تتحدث تعلن صراحة انها الصوت النقي للشراكسة ولها اعلامها الخاص الذي ينشر هذا الامر تباعا وفي حالة المعارضة يعتبر الصوت النشاز الموالي للعدو دون اعلان منها من هو هذا العدو المطلق للشعب الشركسي حتى الان؟
ويعتبر القلم المعارض مأجورا ومسيسا للاخر ايضا دون تحديد من هذا الاخر الذي يقصدون وسيعرف الطرف المعارض في وقت لاحق انه اصبح منبوذا داخل اسرته لجرأته على نشر الغسيل الوسخ للشراكسة امام العالم فكل مشاكلنا يجب ان تحل داخل اطر الجمعية الشركسية اينما كنا ومهما كانت جنسيتنا الجديدة!
وكي لا نغرق في العموميات والمناداة كالاعلام الشركسي الناطق لهم تتكشف صورة اعضاء الجمعية الشركسية في انقرة مثلا عن تواجد شتى الاتجاهات والايديولوجيا التي في العالم داخل الشراكسة الاعضاء ولا يمكن لرئيس الجمعية الشركسية في انقرة تحمل قرار واحد يتعارض مع السياسة التركية الرسمية ولم تعمل الجمعية الشركسية في انقرة حتى الان على اعادة الاسماء الشركسية التي الغيت بفعل سياسة التتريك السابقة منذ عشرات السنين ولم تفعل شيئا يذكر لعودة المهجرين الشراكسة من تركيا الى القفقاس بينما تحمل مواقعها الالكترونية وصحفها شعار لن تكون شركسيا الا في قفقاسيا وتخترق الجمعية الشركسية التركية اجهزة المخابرات والامن التركية في اكثر مفاصلها فيهتفون دائما: نحن شراكسة عائدون بينما تعمل تلك الاجهزة على دفع بعض الشباب للقتال في قضايا تركية وحسب مصالح الدولة التركية هذا في الوقت الذي يصرف فيه رئيس الجمعية الشركسية في انقرة مليارات الليرات التركية في حفلات الرقص الشركسي والولائم لهذا الوفد او ذاك ويعلن ان الجمعية بحاجة الى الدعم المالي.
تقدم الجمهوريات الشركسية منحا دراسية للطلاب الشركس في المهجر لكل الجمعيات الشركسية في العالم وتشجع طلابها على الدراسة في الوطن الام ضمن شروط تفضيلية على البقية كشرط العلامات والمعدلات للقبول.. لكن الملاحظ دائما وفي غالب الاحيان استفادة المقربين من رؤساء الجمعيات الشركسية واسرهم على حساب العائلات الاخرى دونما اي رادع اخلاقي وينجر هذا الامر على النوادي الصيفية والتي تنشأ بالتعاون مع الجمهوريات الشركسية فنجد اقارب رئيس الجمعية فالادنى مرتبة في مقدمة المرتادين الى هذه النوادي وكذا رئيس الجمعية او زوجته ولا توجد اي رحلة الى الوطن الام الا وكان رئيس الجمعية او احد اقاربه فيها.. ترتفع نسبة الزواج من غير الشراكسة لدى الشراكسة الاتراك بينما تزداد نسب العنوسة لدى الفتيات ويرتفع بالمقابل وسطي السن المؤهل للزواج عند الرجال الى سن ال29 سنة وتسجل نسب الطلاق ارتفاعا مضطردا تصل الى ما نسبته 9 بالمئة خلال السنة الاولى للزواج والى 25 بالمئة في السنوات اللاحقة للزواج.. ولم تنجح الجمعية الشركسية التركية في خفض اي نسب من تلك النسب على النقيض انها في ازدياد دائم.. ويعاني الشركس الاتراك من ضعف المستوى الدراسي ولا يتم اكثرهم دراسته الجامعية ويغرق في سوق العمل المهني كالورش والبناء وبأجور متدنية بينما ينكفأ الاخرين في الزراعة.. ان هذه النسب المريعة تجعل الشركسي يفكر دائما في رغيف الخبز ويستهزأ من حديث العودة.. هذه الاسباب كلها دفعت بالعديد من شبابنا هناك الى اعتناق التيارات الدينية وعكسها ويلاحظ وجود عدد من الشركس ممن انتسب الى تيارات عبدة الشيطان تعبيرا عن الرفض والاستهزاء بالقيم الشركسية والاديغة خابزة.. ان هذا شجع بعض الافات الاجتماعية على التغلغل داخل العوالم السفلية وتعاطي الحشيش والدعارة للحصول على المال مع ما يترافق هذا من ابتكار للجريمة (صحيفة حرييت التركية عند نشرها للجرائم ووضع بعض الشراكسة فيها...) كل هذا تتناسه الجمعية في انقرة و لا تفعل شيئا لوقفه لكنها تنتقد بشدة وقسوة ان طرح احدنا ما يناقض الشعار بموضوعية مع التدقيق على مشكلة اللغة الشركسية وزوالها التدريجي من الالسن الشركسية.
***********
تنادي الجمعية الشركسية في سوريا دائما بضرورة دفع الاشتراكات الشهرية والتبرع لميزانية الجمعية التي اوشكت على النضوب وان علينا دائما الاحتفاظ بصورتنا الحسنة امام الاخرين ليستمر تجار دمشق من ذوي القلوب الرحيمة بدفع التبرعات السخية الى الجمعية في دمشق لستر عائلات شركسية تعاني الفاقة والجوع فحفظت لها الجمعية ماء الوجه لهذه العائلات بدفع مبلغ شهري لا يتعدى الالفين ليرة سورية وسطيا (40 دولارا) في الوقت الذي تصرف ميزانية الجمعية الشركسية بدمشق مبلغ 60 الف ليرة سورية على استقبال الفنان الشركسي حسين فهمي في نادي الشرق.. يقولون انه من ميزانية خاصة !! ماذا لو ادرجت هذه النفقات في تبرعات الى الجمعية لستر عائلات كثيرة؟
ايضا التجاوزات المالية الممسوكة بأصول دقيقة عن اصلاحات في مباني الجمعية الشركسية او بما يسمونه نشر الثقافة الشركسية في مجلة لا تصدر سوى مرتين سنويا! ويبقى مبلغ التبرعات الاردنية المرسل من الجمعية بعمان - الاردن منذ الستينات اشارة استفهام لم توضحها الجمعية للشراكسة الى الان.
تعاني هذه الجمعية من تيارات عديدة تتداخل فيما بينها وتؤول في المحصلة الى الصفر وتستمر الجمعية بالبحث عن التبرعات واضافة موارد جديدة ويستمر طاقمها في السفر الى الوطن الام على حساب الجمعية ويصوت فيها لمصلحة التيار الروسي في البلد الام؟
تسجل حالات الطلاق ارتفاعا غريبا غير معهود داخل المجتمع الشركسي بفضل التدهور المعيشي لاصحاب المهن الحرة واعتماد بعض الفئات على الزراعة مما ادى الى وضع عائلات كثيرة شركسية تحت خط الفقر وتنزلق نسب العنوسة في القرى والعائلات المقيمة في المدن الى نسب مخيفة فمن بين كل 3 فتيات شركسيات واحدة تخطت ال30 سنة دون زواج بينما يرتفع السن المؤهل للزواج الى 33 سنة لدى الشباب .. يساعد في عدم الزواج عدم التزام العائلات بقيمة المهر المعلن في الجمعية (الف ليرة سورية=20 دولارا) وطلب مبالغ اضافية تجعل العريس الافتراضي غارقا في الديون منذ الليلة الاولى.
المستوى التعليمي للشباب الشركس في سوريا افضل حالا من تركيا والاردن لمجانيته ويبرز بعض شبابنا هناك كمتفوقين في شهادتي الكفاءة – التعليم المتوسط – وشهادة البكلوريا.. والتعليم الجامعي.. والمنح المقدمة من الجامعات الشركسية لا تكفي ابدا لتدريس كل الراغبين بالعودة الى هناك ورغم ما سبق الا ان الجمعية الشركسية رصدت بعض اعمالها في انشاء الاسواق الخيرية والمعارض بغية مساعدة بعض العائلات الشركسية ونشر الفلكلور وفتح منافذ عمل للاخرين..اما بقية الامور فالفشل مقياس تزايد النسب ايضا.
في رد فعل عاصف على الحالة هذه كتب جانبلات شكاي عن الشراكسة في سوريا وعيونهم المعلقة في جبالنا في صحيفة كويتية.. ونضيف على ما كتبه ان شراكسة سوريا هم الاقل عددا في العودة الى الوطن الام رغم حنينهم المدهش.. لكن القول شيء والفعل شيء اخر.. يقول العديد منهم نحن هنا وما ماشي حالنا فكيف اذا عدنا .. ايضا لم تنجح الجمعية الشركسية في سوريا في نشر اللغة الشركسية التي يجهلها اكثر من 65 بالمئة من الشباب حاليا ولم تنجح المحاولات الخجولة في اقامة الدورات في مقراتها المنتشرة في دمشق والمحافظات الا على تسجيل من يعرف اصلا باللغة بينما بقي الجاهل جاهلا باللغة دونما تقدم يذكر.
***********
غير بعيد عن دمشق.. عمان التي تتكامل فيها صور الشركس في العالم أتقنت فيها الجمعية فن اللعبة والسياسة ولعلها الوحيدة من ضمن الجمعيات الشركسية التي تقدم الكفاف لما ترعاه من اسر حتى خارج حدود الاردن وهي نشطة وفاعلة في الحياة السياسية والوحيدة التي عملت على تطبيق الشعار مع ارض الواقع: لن تكون شركسيا الا في قفقاسيا فنظمت رحلات تعريفية الى القفقاس وشجعت المئات على العودة ثم نشرت الثقافة الشركسية وقضاياها في العالم عبر اعلام مدروس ولها نفوذ قوي داخل المجتمع الاردني وبعض اعضاءها اما وزراء او من كبار الضباط او نوابا في مجلس النواب الاردني.. ويبقى الزي الشركسي في القصور الملكية كافيا لتناسي بعض الشيء اردنيتهم التي تفوق الاردنيين انفسهم ولكن هذه الجمعية لم تنجح الى حد الان في اقناع الشراكسة بمواطنيتهم ولا الضغط على الحكومات الشركسية لاصدار جوازات سفر شركسية من الاردن دون شرط العودة والاقامة ولا تقدم الصورة الدقيقة لوضع القفقاس عند سفر الشركسي الى بلده الام ولم تنجح كذلك في وضع تصور لمدى المشكلات التي يعاني منها الشركس في الجمهوريات الشركسية في حالة العودة. احسان هاكوز