من قاسيون أطل ياوطني: رسالة سائح في سوريا

بقلم: ماجدولين الرفاعي
دمشق الجميلة تجد من يسيء الى صورتها

المنظر العام لدمشق وأنا قادم إليها من المطار عند الغروب كان فاتنا جدا وقد شعرت بارتياح عظيم جدا الطابع العام للمدينة وبعض الاخضرار على الجوانب والإضاءة الحالمة للمدينة إضافة لحركة أهل الأسواق النشيطة كل هذا قد أفسده الإنسان.. .. أفسده الموقف الخالي من القيم الروحية.
وعلى الرغم من هذا مازال عندي شوق إلى سوريا. شوق لان ازور بها الجانب الذي لا أعرفه؛ الجانب المشرق جدا لسوريا. فزرت جبل قاسيون وقبر الصحابي الجليل بلال الحبشي وأبواب الحارات القديمة والمتاحف الأثرية وأسواق دمشق القديمة والحديثة. زرت سوق الحميدية بطرازه القديم الذي يوحي بالبهاء وعظة التاريخ وسوق البزورية بروائحه الزكية، وزرت سوق الحرير وسوق العرائس إضافة إلى الأسواق الحديثة كالصالحية والحمراء وباب توما والقصاع دمشق مدينة عريقة تجمع ما بن الطابع الشرقي القديم والطابع العربي الحديث.
كنت أشاهد دمشق وأسواقها من خلال المسلسلات التلفزيونية والدراما السورية الرائعة التي تحثك على زيارة سوريا، وكان الحظ حليفي فسافرت وأول ما كنت أتمنى رؤيته نهر بردى وجبل قاسيون التي تغنت به السيدة العظيمة فيروز - من قاسيون اطل يا وطني /فأرى دمشق تعانق السحب. نهر بردي ارتبط اسمه عندنا نحن العرب بالجمال والأنوثة وان دمشق كأنها حورية قد اغتسلت فيه ولكن ما رأيته أن دمشق قد اتسخت فيه فقد جف النهر وتحول إلى مستنقع آسن لجلب الروائح الكريهة وكم خاب أملي في رؤية نهر جميل تغنى به الشعراء يجري وسط دمشق ربما الطبيعة لم تكرمه بالجريان وهذا قدر الله لا نعترض عليه.
ولكن اعتراضنا على طبيعة البشر لي أفسدت كل شيء. فالزائر إلى دمشق يأتي فاتحا قلبه لحب دمشق وناسها لكن ما إن تطأ قدميه احد الأسواق للشراء حتى يمنى لو انه ما حضر فالتعامل مع السائح غير مبني على تعليمات مسبقة من الحكومة فتجد البائع يمتص شفتيه كلما رأى سائحا ممنيا النفس بالمزيد من المرابح دون التفكير بصورة بلده في ذهن هذا السائح إن ما صادفني بسوريا جزء من المشهد العربي الذي اتسمت به بلادنا العربية.
إن أول ظاهرة هي الانقضاض على الأجنبي بحيث يوحي إليك البائع في الأسواق التجارية جميعها من أسواق الصالحية، باب توما، الحرير، الحريقة، الحميدية.. الخ بأنه يقطع لك سعر المعروض في محاولة منه للحصول على اكبر قدر من المال (المال لا الربح) فمثلا تقول له بكم هذا القميص؟ فيقول لك وقد تشدقت عيناه بـ 2000 ليرة.. أها. لماذا بألفين؟ فتبدأ المفاوضات فتشتريه بسبعمائة وخمسين وتدفع المبلغ وأنت لا تشعر بالانتصار بل باليأس والإحباط من شخص تخلى عن الامانة مع نفسه وانه لا يمانع من أن يفترسك إن وجد طريقة لذلك وقد تناسى إخوة الدم والإنسانية والهدف والمصير أما الدين فهو قد ودع تعاليم محمد والمسيح. أنها تأتي في آخر الأركان على الرغم من انه مسلم أو مسيحي. إن هذا المشهد خطير يؤسس لعدم الثقة في المجتمع السوري والعربي.
المشكلة الاخرى سائق التاكسي. بغض النظر عن جودة السيارة، فجودة السائق هي المشكلة. أولا هو لا يعرف شيئا عن سوريا ولا دمشق ولا تاريخها ولا آثارها. قد استغليت في فترتي ما يزيد عن العشرات من التاكسيات ليس من بينهم إلا اثنين من المثقفين الذين يعرفون سوريا وملامحها أما جميعهم فيبدأ معك بالترحيب ثم بالشجار على العداد وفي موقف لا أنساه أخذت تاكسي للإفطار بمطعم ما فجال بي التاكسي ثم جال ثم أوصلني للمطعم فقلت له لقد ارتحت لك تفضل بالإفطار معي فقال لي شكرا فقلت له إذا اذهب إلى منزلك ثم عد الي تعيدني إلى الفندق وفي مشوارك للبيت ثم العودة شغل العداد حتى أحاسبك على ذلك فقال لي نعم وبقيت سعيدا لرغبتي في خدمة هذا السائق ومكافأته ولما عاد وأخذني إلى الفندق كان العداد يشير إلى 216 ليرة فأعطيته 350 درهم وللحق كنت انوي أن استمر معه حتى عودتي لدبي وأزيده كل مرة ثم في الختام أمنحة ألف ليرة كشكر على جميله ولكن صاح في طالب الألف ليرة. وحينها لجأت لاستقبال الفندق للخلاص منه وما كان يهمني الليرات ولكن كنت غاضبا من تدني الأخلاق والقيم عندنا وان المال سببا للاقتتال وإفساد أجمل شعور كنت أريد إن احمله في داخلي تجاه هذا الشاب.. أبمثل هذا الفهم نريد أن نصنع المستقبل العربي أبمثل هذا الشاب نشوه وجه بلدنا الحبيب الشامخ سوريا؟
في جانب آخر هناك غياب تام لدور ترتيب الأسواق بشكلها العام، ولا يوجد كتيبا سياحية بالفنادق وان دليل السائح 1555 لا يرد ثم عرفت انه تغير لـ 2210 تقريبا وكذلك هو لا يرد وان موظفي الفندق لا يسعون للاهتمام بالنزيل ولكن للاهتمام بالبقشيش وفي أحيان كثيرة تضطر لان تتمثل الغباء وعدم المعرفة حتى لا تحرجهم وهم يسعون لأخذ ما تبقى المال الذي أعطيته لهم لجلب صحيفة أو غيرها وفي مرة طلب من الموظف أن يحضر لي كل الصحف العربية السورية الصادرة في ذلك اليوم فاحضر لي صحيفة الثورة وقال لي الباقي خلص فقلت لهم بكم هي قال لي بخمس ليرات ولما لم يكن معي صرافة أعطيته خمسين ليرة فقال لي سوف أعود ولم يعد فصرت أتحاشاه كل ما أراه في الفندق حتى لا أحرجه .. بصراحة عندما بلغت اليوم الثالث في سوريا وكان حجز عودتي يوم 7/11/2005 على طيران الإمارات (قررت أن أغير الحجز فصباح يوم العيد كنت أنا في مكاتب طيران الإمارات اعدل الحجز ليوم الجمعة وقد تنفست الصعداء عندما وجدت مقاعدنا للعودة.) ماجدولين الرفاعي
سوريا