الموسوعة العربية الإلكترونية.. واقع وطموحات

بقلم: د. فاطمة البريكي
مادة معرفية هائلة

يعدّ العمل الموسوعي من أصعب الأعمال، وأكثرها احتياجًا للجهد الجماعي المنظّم، وللبحث والتنقيب عن كل صغيرة وكبيرة لإضافتها إلى المادة المعرفية. كما يحتاج العمل الموسوعي إلى تصنيف يجمع بين صفات عدة، كالسهولة في الوصول إلى المعلومة، والتنوع في اعتبارات التصنيف، وتعدد الكلمات المفتاحية للمادة المعرفية الواحدة، وغير ذلك.
وإذا كنّا –حتى عهد قريب- نعتمد كثيرًا على الموسوعات الورقية التي تقدَّم ضمن مجلدات ضخمة، ينوء بحملها أولو العصبة من الرجال، فإننا اليوم – في عصر الثورة المعلوماتية الرقمية- نستطيع أن نشهد منافسة حامية الوطيس بين الموسوعات التي تجمع إلى جانب الصفات السابقة صفات أخرى تفرضها عليها الطبيعة الإلكترونية للموسوعة الجديدة، مثل تضاعف كمّ المادة المعرفية في مقابل تضاؤل الحجم الفيزيائي؛ فبعد أن كانت الموسوعة تقع في عدة مجلدات أصبحت الآن لا تتجاوز حجم أسطوانة مرنة، أو ملف يمكن تحميله على القرص الصلب للجهاز، أو رابط لموقع يمكن الدخول إليه والبحث فيه عن أية معلومة في أي وقت.
ويمكن اعتبار شبكة الإنترنت موسوعة عالمية ضخمة، مدوَّنة بكافة لغات العالم، لكن البحث فيها قد يكون تبديدًا للوقت أو غير مفيد أحيانًا، نظرًا لضخامتها، وكثرة المادة المخزنة فيها، وتشعّبها وعشوائيتها وعدم خضوعها لتصنيف محدد يمكن البحث فيها من خلاله، مما يستدعي وضع موسوعات إلكترونية خاضعة للشروط العلمية المتعارَف عليها في تأليف الموسوعات.
ولعل الثقافة الغربية بمختلف حضاراتها ولغاتها وأجناسها لا تعدم وجود عدد من الموسوعات الإلكترونية التي ينافس بعضُها بعضًا في ضآلة الحجم الفيزيائي واتساع الكمّ المعرفي، وفي سهولة التصنيف، والتحديث المنتظم لمحتوياتها. ولكننا إن قلبنا النظر باحثين فيما لدينا عن موسوعة معرفية إلكترونية شاملة، تتضمن أبسط أساسيات العمل الموسوعي فإنه قد يعيينا البحث قبل أن نصل إلى نتيجة، في الوقت الذي يمكننا فيه أن نجد موسوعات متخصصة على درجة عالية من الجودة، تمتاز بكل ما من شأنه أن يجعل منها مرجعًا معتَمَدًا في ذلك التخصص، كالموسوعة الطبية الإلكترونية feedo.net ، والموسوعة العربية للكومبيوتر والإنترنت c4arab.com وغيرهما.
ولكن أين موقع الموسوعة الإلكترونية الشاملة من جملة إسهاماتنا على الشبكة العنكبوتية؟ وأين يمكن للباحث عن معلومة بينية، لها من فروع معرفية عدة نصيب، أن يجدها؟ ومتى سنجد بلغتنا العربية المادة المعرفية التي ننشدها دون اللجوء إلى الترجمة عن لغات أخرى هي فيها أكمل، والحصول عليها فيها أسهل؟ ثم متى سنقدَّم الثقافة والحضارة العربيتين للآخر في صورة نموذج متكامل تنمّ عنايتنا به وتدلّ طريقة إخراجنا له على قدر المجهود الذي بُذِل فيه وتشي بمقدار القيمة العلمية له؟
وفي سياق الحديث عن الموسوعة العربية الإلكترونية يمكن التوقف عند نماذج ثلاثة لموسوعات عربية إلكترونية مختلفة في طبيعتها، ولكنها تشترك في بعض الصفات، مثل كونها: عربية، إلكترونية، شاملة، وذلك للتعريف بها، وبيان مواطن القوة فيها، والتنبيه على المآخذ التي تؤخذ عليها، ثم تقديم المقترحات بخصوص إمكانية تطويرها أو تقديم بديل أفضل منها. وهذه النماذج هي:
- الموسوعة العربية العالمية.
- موسوعة الويكيبيديا الحرة.
- موسوعة المعرفة.
ويجدر بي منذ البداية إيضاح أن النموذج الأول عبارة عن نسخة إلكترونية لأخرى ورقية. أما النموذج الثاني فيعدّ نسخة عربية لأخرى أجنبية، أنشئت باللغة الإنجليزية أولا، ثم توسعت حتى أصبحت متوفرة بلغات أخرى كثيرة جدا. أما النموذج الثالث فهو إلكتروني، عربي، صِرف، أنشأه بعض الشباب العربي القطري. - النموذج الأول: (الموسوعة العربية العالمية- www.mawsoah.net) شارك في إعداد هذه الموسوعة، في نسختها الورقية، أكثر من ألف عالم وباحث ومستشار ومؤلف ومترجم ومحرر ومراجع علمي ولغوي ومخرج فني، لينتجوا أول وأضخم عمل من نوعه وحجمه ومنهجه في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، يقع في ثلاثين مجلدًا، وسبع عشرة ألف صفحة، وذلك عام (1996م) في المملكة العربية السعودية، بحسب ما جاء في الصفحة التعريفية لهذه الموسوعة على الموقع الإلكتروني الخاص بها.
وقد تمّ تقديم هذه الموسوعة ذاتها في صيغة إلكترونية على الشبكة العنكبوتية، لتكون الموسوعة العربية الإلكترونية الأولى التي تظهر في فضاء العالم الافتراضي بهذا الحجم حتى الآن.
وقد سعت هذه الموسوعة المتوجهة إلى جميع فئات المجتمع وشرائحه، في نسختها الورقية أولا، إلى تحقيق جملة من الأهداف، منها: تقديم مادة متنوعة ومتكاملة وشاملة، دون النزوع إلى التعمق المتخصص، مع محاولة صياغتها بلغة عربية سليمة وسهلة وواضحة لجميع المستويات. كما سعت إلى تأسيس تجربة علمية حضارية جديدة على الصعيد العربي المعاصر في مجال العمل الموسوعي الشامل.
وقد استطاعت تحقيق جزء غير بسيط من أهدافها، بتقديمها مادة معرفية هائلة، تقع في حوالي أربعة وعشرين ألف مدخل رئيسي، ونحو مائة وخمسين ألف مادة بحثية، تشمل مصطلحات ومواقع وأعلام وأعمال أدبية وعلمية وفنية مرتبة حسب الألفبائية المعجمية العربية. كما تضمنت اثنتي عشرة ألف صورة، وألفين وخمسمائة خريطة، وأربعة آلاف إيضاح، وألف جدول إحصائي وزمني.
ومما لا شك فيه أن عملاً ضخمًا مثل هذا على المستوى الورقي لا بد أن يكون كذلك على المستوى الإلكتروني، إن لم يفقْه في عدد من المزايا، نتيجة الاستفادة من المعطيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، وتوظيفها لخدمة المادة المعرفية المقدمة في النسخة الإلكترونية للموسوعة بحيث تمثل إضافة نوعية لها، أو تسهل عملية استخدامها وتختصر سبل الوصول إلى المعلومة فيها. ولعل من أبرز من استفادته هذه الموسوعة في نسختها الإلكترونية هو تمكنها من إضافة خمسمائة مقطع صوتي ولقطة فيديو، بفضل إمكانية توظيف الوسائط المتعددة، مما يرفعها عن أن تكون مجرد نسخة إلكترونية لأخرى ورقية.
وإذا كانت الموسوعة العربية العالمية تعكس جهدًا جماعيًا جبارًا، استغرق سنوات من الإنجاز والعمل المتواصل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كم عدد المستفيدين الحقيقيين من هذه الموسوعة في نسختها الورقية أولا؟ وكم عدد المالكين لها من الأفراد، من طلاب وباحثين وأساتذة جامعيين؟
يبدو لي أن كبر حجمها (ذكرنا أنها تقع في ثلاثين مجلدًا فاخرًا) يمثل عائقًا كبيرًا بينها وبين فكرة اقتنائها لدى الأفراد، لأنها ستشغل مساحة كبيرة من حيزهم المكتبي، مما يجعل معظم مقتنيها من المؤسسات والمكتبات والجامعات.
كما أن طباعتها طبعة فاخرة أدت إلى ارتفاع تكلفتها، مما أدى إلى ارتفاع سعرها (ألف ريال سعودي)، فليس في مقدور كل راغب في اقتنائها أن يقوم بذلك فعلا.
وبعد توفر نسخة إلكترونية لكل هذا الكم المعرفي الهائل، استبشر الكثيرون خيرًا، لأنهم لم يعودوا بحاجة إلى اقتنائها ودفع ألف ريال سعودي لشرائها في سبيل الاستفادة من محتوياتها، ولكن فرحتهم بهذا لم تدم طويلا؛ فالموسوعة العربية التي تعدّ الأولى من نوعها على المستويين الورقي والإلكتروني ليست مجانية تمامًا، رغم وجودها في بيئة الإنترنت التي تغلب عليها المجانية، أو على الأقل زهادة التكلفة. ويبدو أن نشر المعرفة وتوصيل المعلومة السهلة والواضحة لم يكن الهدف الوحيد للمشتغلين على هذه الموسوعة، إذ كان الربح المادي يشغل حيزًا من أهدافهم وطموحاتهم، وهذا حق من حقوقهم، لا يستطيع أحد أن يلومهم عليه، ولهذا قاموا بإعداد نسختين من الموسوعة في صيغتها الإلكترونية، أطلقوا على إحداهما اسم (النسخة الإعلامية)، والأخرى (النسخة الكاملة)، والبون بينهما شاسع جدا؛ فالبيانات الإحصائية المذكورة أعلاه عن محتوى الموسوعة تمثل النسخة الكاملة، أما النسخة الإعلامية فهي نسخة مختصرة جدا، ولا تتضمن أكثر من أربعة آلاف مقال فقط، والسبب في ذلك هو أن النسخة الإعلامية مجانية، أما النسخة الكاملة فتشترط الاشتراك ودفع رسوم اشتراك لاستخدامها.
ومع أن رسوم الاشتراك رمزية (أربعون دولارًا لمدة عام واحد)، إلا أن الفكرة تبدو في حاجة إلى إعادة نظر، بحيث يكون الحرص على توصيل المعرفة هو الهدف الوحيد دون البحث عن مقابل مادي حتى لو كان رمزيًا، لأنه يقف أحيانًا حائلاً بين باحث ومعلومة يمنعه من الوصول إليها أربعون دولارًا فقط.

- النموذج الثاني: (موسوعة ويكيبيديا الحرة- www.wikipedia.com)

الويكيبيديا موسوعة حرة، متعددة اللغات، يساهم فيها عشرات الآلاف من المتطوعين، من مختلف أنحاء العالم. وقد صدرت في يوليو (2003م) نسخة عربية لهذه الموسوعة التي أسسها أمريكي يدعى (جيمي ويلز) عام (2001م)، ولكن النسخة العربية ما زالت إلى الآن في مرحلة بناء المحتويات، ولا يزال عدد المدخلات فيها متواضعًا جدًا مقارنة بغيرها من اللغات في الموسوعة ذاتها، إذ تعد النسخة الإنجليزية لها الأكبر من حيث عدد المدخلات، تليها النسخة الألمانية.
وتعتمد هذه الموسوعة على تقنية ويكي لإدارة محتويات الموقع. وتتميز هذه التقنية بخاصيتين: الأولى إمكانية تعديل الصفحات بواسطة أي مستخدم، والثانية إمكانية إدراج ارتباط لصفحة لم تنشأ بعد.
وتهدف هذه الموسوعة إلى توفير المعلومة بسرعة ومجانية، وهذا يساعدها على تحقيق معادلة نادرة التحقق في أي موقع إلكتروني آخر، وهي معادلة وجود المعلومة والمجانية والتفاعل، بحسب (غسان حزين) في مقالة له للتعريف بهذه الموسوعة.
وبناء على هذا تتميز هذه الموسوعة بميزتين، الأولى مجانيتها، وهي ميزة مهمة وضرورية في الإنتاج الموسوعي الإلكتروني. والثانية جعلها كل أفراد المجتمع الافتراضي فعّالين ومشاركين في خدمة ثقافتهم.
ولكن الميزة الثانية تحتمل أن تكون في بعض الأحيان عيبًا يؤخذ على هذه الموسوعة؛ فسماحها للجميع بالمشاركة في إضافة المعلومات والتعديل فيها دون ضوابط قد يؤدي إلى الفوضى أو العشوائية أو سوء الاستخدام أو غير ذلك.
إن إمكانية أن يكون كل فرد في أي مجتمع مفيدًا للآخرين بأن يضيف إليهم معلومة يعرفها هو ولا يجدها بين صفحات هذه الموسوعة يعد نقطة تُضاف إلى رصيد هذه الموسوعة، ولكن في الوقت ذاته توجد علامات تعجب واستفهام كثيرة حول مدى مصداقية المعلومات في موسوعة تفتح بابها لأي شخص، بغض النظر عن علمه، وتخصصه، ونيّته الحقيقية من وراء هذه الإضافة، ومدى اطمئنانه إلى صحة المعلومة التي يضعها، بالإضافة إلى أمور أخرى تتعلق بالملكية الفكرية وحقوق المؤلف وسوى ذلك من القضايا الإشكالية. إن كل هذا يجعلنا نقف أمام مأخذ لا نملك رده أو الدفاع عن الموسوعة بوجوده دفاعًا قويًا، وهو عدم وجود ضوابط حقيقية على طريقة إدخال البيانات والمعلومات، وعلى طبيعة المشاركين في بناء الموسوعة.
ومن المآخذ أيضًا التي تؤخذ على النسخة العربية للويكيبيديا قلة عدد المدخلات وتواضع المعلومات فيها، مما ينفي عنها صفة الشمولية التي نطالب بها في العمل الموسوعي العربي الإلكتروني، مع أن هذه الصفة تظهر بوضوح في النسخة الإنجليزية مثلا للموسوعة ذاتها.
إن مقدار المادة المعرفية العربية الموجودة في النسخة العربية لهذه الموسوعة منذ إطلاقها حتى اليوم لا يكاد يبلغ نصف عدد المدخلات الشهرية للنسخة الإنجليزية للموسوعة ذاتها، وأعتقد أن هذه المعلومة تعكس مدى تفاعل الشعوب واهتمامها بخدمة لغتها وثقافتها، ونشاطها في توسيع دائرة الفعل الثقافي والمعرفي، ونشره، وتوصيله إلى أكبر عدد ممكن من الناس.
ويضاف إلى المآخذ التي يمكن أن تؤخذ على الويكيبيديا في نسختها العربية أن فكرة الموسوعة أساسًا ليست عربية؛ فصاحب الموسوعة ومؤسس الموسوعة الأم ليس عربيًا، وهذا يجعلنا نتساءل عن حقيقة عروبة هذه الموسوعة إذا كانت فرعًا من موسوعة أخرى وضعت أساسًا بلغة أخرى غير العربية.
ولعل هذه المآخذ تجعلنا نبحث عن نموذج آخر عربي، إلكتروني، شمولي، ومجاني. - النموذج الثالث: (موسوعة المعرفة- www.qcat.net/index.php) نموذج موسوعي إلكتروني عربي شمولي مجاني جديد، يتوخى تقديم المعلومة في أي فرع من فروع المعرفة للمستخدم العربي للشبكة، بسهولة، ومجانية.
أسس هذه الموسوعة مجموعة من الشباب القطري، هم: طارق العثمان، وجاسم آل ثاني، وخالد الكواري، بجهد ذاتي صرف، كما يبدو من تصفح الموسوعة. ومن المؤسف أنني حاولت التواصل مع المؤسسين من خلال البريد الإلكتروني الموجود على موقع الموسوعة للحصول على بعض المعلومات عنها في سبيل التعريف بها، والإشارة إليها، ولكن لم يصلني أي رد حتى الآن.
والحقيقة أن مؤسسي هذه الموسوعة بذلوا جهودًا جبارة في سبيل إنجاز ما تم إنجازه منها حتى الآن، والهدف الذي يسعون إليه سامٍ ونبيل، وهو توفير المعلومة للباحث عنها في أي فرع من فروع العلوم والفنون والمعارف في موقع واحد، ودون مقابل مادي. ولكن يؤخذ عليها أن العمل فيها كان شبه فردي، إذ أنشأ هذا الموقع ثلاثة شباب من دولة قطر، حاولوا فيها القيام بكل شيء، كالتصنيف، والتصميم والإخراج الفني، وتجميع المادة المعرفية وإضافتها، وغير ذلك، وقد أدى هذا إلى بطء قيام الموسوعة، وقلة الإعلانات الدعائية لها، مما يعني قلة عدد العارفين بها والمستخدمين لها، مع أنها تتضمن الكثير من المعلومات التي قد يحتاجها الطالب والباحث والمختص وغيرهم.
ومن المعروف أن العمل الموسوعي يحتاج إلى تضافر جهود أكثر من فرد، بل جهود مؤسسات بأكملها حتى ينجَز على وجه مقبول، لما يتطلبه من طاقة جسدية، ومعرفية، وإمكانيات مادية، وتقنية وغير ذلك، ويبدو أن كل هذا لم يدرْ بخلد المؤسسين الثلاثة إلا بعد أن بدؤوا العمل الفعلي في الموسوعة، لذلك يمكن أن نرى أن أحدث مادة معرفية أضيفت، أو بالأصح آخر تحديث كان بتاريخ (8/9/2004م)، ثم توقفت عملية الإضافة الحقيقية إليها، وهذا يشير إلى وجود عوائق كثيرة من جميع الجوانب.
ومما يؤخذ على هذه الموسوعة أيضًا أن تركيز هؤلاء الشباب كان منصبًّا على بعض جوانب الموسوعة التي يريدونها شاملة، كما يبدو جليًا من خلال الهيكل التصنيفي الطموح لمواضيع للموسوعة، وأيضًا من خلال الاسم الذي اختاروه لها، وهو (موسوعة المعرفة) بما يعني المعرفة عمومًا بكل جوانبها وتفاصيلها، ولكن في الحقيقة نجد أن الموسوعة السياسية تحتل الجزء الأكبر من اهتمامهم، تليها الموسوعة العلمية، ثم الموسوعة الجغرافية، وذلك من حيث عدد المدخلات. في حين لا تتضمن موسوعة الحيوانات والطيور أي إدخال، أما الموسوعة التاريخية فلا يوجد فيها أكثر من أحد عشر إدخالا حتى الآن.
كانت هذه بعض النماذج المتباينة في نوعيتها، وطبيعة مؤسسيها، ولكنها تشترك في إلكترونيتها، وسعيها للشمولية، ومحاولتها أن تقدم باللغة العربية للمستخدم العربي للشبكة.
ويبدو أن لكل نموذج من هذه النماذج مزايا تُحسب له، ومآخذ تؤخذ عليه، ولعل أهم المزايا التي يمكن أن تُذكر للعمل الموسوعي الإلكتروني هي المجانية وسهولة التصنيف وسهولة الوصول إلى المعلومة. أما العيوب والمآخذ كعدم تحقيق الشمولية بشكل فعلي، أو عدم انطلاق الموسوعة عربيًا في الأساس، أو عدم وجود ضوابط للمعلومات المضافة وللقائمين بإضافتها فتبدو لي بسيطة ويمكن تجاوزها أو احتواؤها والتخفيف منها.
وبالاتكاء على ما تقدم يبدو أن واقع العمل الموسوعي العربي الإلكتروني الشامل لا يتناسب مع عدد سكان العالم العربي، ولا مع عدد المستخدمين العرب لشبكة الإنترنت، ولا مع عدد المؤسسات الثقافية والفكرية، الرسمية وغير الرسمية، العربية الموجودة في العالم الواقعي أو في العالم الافتراضي.
إن أي محاولة بحث على الشبكة عن كلمات مفتاحية من قبيل (موسوعة عربية شاملة) غالبًا ما تبوء بفشل أو بنتائج أقل بكثير من المرجوّ، وقد لا تتجاوز النماذج المذكورة في هذا المقال، أو قد تزيد عنها قليلا في بعض محركات البحث الموجودة على الشبكة. وهذا يستدعي استنفار جميع الجهود في سبيل تعزيز الثقافة العربية في مجال العمل الموسوعي، لتقديم ما يعبر عنا حقيقة أمام الآخر، ولكي لا نسمح له بأن يقوم بذلك نيابة عنا كما هو حاصل فعلا، إذ غالبًا ما نلجأ إلى المصادر الموسوعية الأجنبية للبحث عن معلومة عربية صرفة، تخصنا، وتخص ثقافتنا وحضارتنا، لأن مصادرهم موجودة على الشبكة، ومتاحة مجانًا لجميع المستخدمين غالبًا، كما أنها تشمل كل ما يخطر على قلب بشر.
ويبدو أن النموذج الأول المذكور في السطور أعلاه، وهو نموذج الموسوعة العربية العالمية، يمكن أن يمثل وجهًا مشرقًا للعمل الموسوعي الإلكتروني العربي الشامل، أمام الآخر، إذا تجاوز فكرة الاشتراك بالرسوم (الرمزية)، وحوّل الموسوعة إلى مشروع معرفي وقفي يستفيد منه المستخدم العربي دون مقابل مادي، وأعتقد أن هذه الخطوة ستضاعف من عدد المستفيدين فعليًا من الموسوعة التي استغرقت سنوات من العمل، بُذلت فيها جهود جبارة وصُرفت عليها مبالغ طائلة، وكُتبت فيها معلومات جليلة، تستحق أن تُستخدم، وأن تمر عليها أعين بشرية هي في لهفة لرؤيتها والإفادة منها.

د. فاطمة البريكي
جامعة الإمارات