مهمة ميليس تنتهي قريبا: هل يتكرر مشهد هانس بليكس في مجلس الأمن؟

بقلم : محمود كعوش

بداية من المهم التذكير بالوثيقة الشهيرة التي أقرها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة بإشراف ديك تشيني ومشاركة "أمير الظلام" ريتشارد بيرل ودوغلاس فايث وأخرين في عام 1996، بإيعاز إسرائيلي ومباركة من المنظمات الصهيونية الأميركية. في حينه كان قد مضى أربعة أعوام على مغادرة تشيني الإدارة الأميركية، بعد هزيمة جورج بوش الأب أمام الرئيس الأسبق بيل كلينتون في انتخابات الرئاسة التي جرت في عام 2000.
تلك الوثيقة شكلت منذ ذلك الوقت خطة عمل صقور الولايات المتحدة لاستهداف العراق أولاً، ثم سوريا ولبنان بما فيه "حزب الله" والوجود العسكري الفلسطيني في المخيمات وخارجها ثانياً.
وبموجب تلك الوثيقة ـ الخطة، اتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن المحافظين الجدد عقدوا النية على تحويل منطقة الشرق الأوسط بما فيها الوطن العربي إلى "بحيرة" مستباحة تتحكم فيها الأنياب الإسرائيلية، وتعمل على خدمة الأمن الأميركي ـ الإسرائيلي المشترك.
الرئيس الأميركي بيل كلينتون استجاب جزئياً لتلك الخطة عندما شن عدوانه الجوي الوحشي على العراق في عام 1997، أي بعد عام واحد فقط من إقرار الوثيقة، لكنه تجنب مجرد التفكير في مغامرة غزوه واحتلاله متعظاً مما حل بالأميركيين من نازلات وكوارث نتيجة غزو فيتنام الشمالية ومحاولة احتلالها، الأمر الذي أضر بتلك الخطة وفرض على أصحابها طي طموحاتهم التوسعية الجهنمية وتأجيل العمل على تحقيقها إلى الوقت المناسب!
مع وصول الرئيس جورج بوش الإبن إلى البيت الأبيض في عام 2000 وتعرض الولايات المتحدة لزلزال الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول قبل مرور عام على بدء ولايته الأولى، كان للمحافظين الجدد بزعامة ديك تشيني الذي كان قد أصبح نائباً للرئيس ما أرادوا، فنجحوا في إقناع الرئيس بغزو واحتلال أفغانستان بذريعة إيواء نظام طالبان لـ "القاعدة" وزعيمها أسامة بن لادن، ومن ثم غزو واحتلال العراق بذرائع شتى واهية ما لبثت أن تهاوت جميعها الواحدة بعد الأخرى.
ومع سقوط إدارة الرئيس بوش في جحيم المستنقع العراقي وبلوغ شرره كل بيت أميركي، وجدت واشنطن نفسها مضطرة لإحداث انقلاب في المعادلات السياسية الإقليمية، استهدف بشكل أساسي الدور السوري في منطقة الشرق الأوسط وبالأخص في لبنان وفلسطين في محاولة منها لثني سوريا عن مواقفها القومية، التي تمثلت بمعارضة احتلال العراق، ودعم المقاومتين الفلسطينية واللبنانية. وكان بديهياً أن يجيء ذلك الإنقلاب متناغماً تماماً مع خطة المحافظين الجدد، إن لم يكونوا هم الذين وقفوا وراءه لغاية تنفيذ الشق الخاص بسوريا في الوثيقة ـ الخطة....وهو المرجح!
صحيح أن سوريا تعاملت مع ذلك الانقلاب بالحكمة التي افترضتها المستجدات الدولية والإقليمية التي أفرزتها حربا أفغانستان والعراق ودعاوى الحرب على "الإرهاب" والتي استوجبها الموقف الرسمي العربي المتخاذل والمتواطىء أحياناً، دونما تفريط في ثوابتها، إلا أن إدارة الرئيس بوش ظلت تصر على "لي عنقها"، مدفوعة بالمحافظين الجدد وزعيمهم داخل الإدارة ديك تشيني.
وبعدما فشلت واشنطن في فرض قائمة إملاءاتها على القيادة السورية من خلال "قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان"، لجأت إلى مجلس الأمن لإضفاء صبغة دولية على معركتها المفتعلة مع دمشق فأصدرت بدعم فرنسي كان الأول من نوعه خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة القرار رقم 1559، الذي جعلت منه منصةً سياسيةً للعمل على تقليص نفوذ سوريا الإقليمي والمضي في ممارسة الضغط عليها، وبالأخص عبر لجنة التحقيق الدولية التي شُكلت برئاسة المحقق الدولي الألماني الأصل ديتليف ميليس لغرض التحقيق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، التي زلزلت لبنان ومنطقة الشرق الأوسط بعد حدوثها في 14 مارس/ آذار الماضي.
ما ظهر من خلال التقرير الذي قدمه ميليس إلى مجلس الأمن في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي وما أحيط به آنذاك من لغط وجدل حادين على المستويين الدولي والإقليمي وما تبع ذلك من تداعيات سلبية كان آخرها الطعن السوري بما تضمنه ذلك التقرير على ضوء اعتقال الشاهد محمد زهير الصديق في فرنسا بتهمة التضليل ومن ثم سحب الشاهد المقنع حسام طاهر حسام شهادته التي أدلى بها تحت الضغط وإغراء المال، يطرح مليون علامة استفهام وتعجب حول مهمة ديتليف ميليس ولجنته.
وبانتظار ما ستؤول إليه الأمور في العاصمة النمساوية في الأيام القادمة وما قد يتخللها من مفاجآت، فإن علامات الاستفهام والتعجب التي تواردت حتى الآن تجعل من السذاجة الاعتقاد أنه قد تم تخصيص الفترة الممتدة بين تاريخ تقديم التقرير السابق إلى مجلس الأمن في أكتوبر/ تشرين الثاني وموعد انتهاء مهمة اللجنة في 15 الجاري، وفق ما جاء في القرار الدولي 1636، لمنح المحقق الألماني الوقت اللازم للعمل على كشف ملابسات جريمة اغتيال رفيق الحريري والجناة الذين وقفوا وراءها، بقدر ما خُصصت لتمكين المجلس من إصدار قرار جديد يكون توطئة لشن عدوان أميركي محتمل على سوريا...في حال سارت الرياح في العراق وفق ما تشتهي السفن الأميركية في المستقبل، لا قدر الله.
ويدلل على ذلك أن جميع المؤشرات التي صدرت من العاصمتين الأميركية واللبنانية بما في ذلك الـ "مونتيفيردي" حيث مقر اللجنة الدولية، توحي بأن ديتليف ميليس لا يتحرك بالنزاهة التي تفترضها المهمة الموكلة إليه بقدر ما يتحرك مدفوعاً بنوايا أميركية عدوانية واضحة تجاه سوريا وقيادتها بكل ما تمثلانه على الصعيد القومي العربي. وإلا فكيف نفسر كل هذا التشكيك الأميركي بالنوايا السورية الصادقة ورفض إدارة الرئيس جورج بوش القاطع لطلب سوريا وضع أسس محددة وواضحة لتنظيم علاقتها بلجنة التحقيق ورئيسها ورفض منحها الضمانات الخطية المطلوبة لحماية المسؤولين السوريين الذين بدأت عملية استجوابهم في فيينا؟ ولماذا كل هذا الصد الأميركي تجاه رغبة سوريا في التعاون مع اللجنة ورئيسها للكشف عن الجريمة، والذي عكسته تصريحات العديد من المسؤولين في الإدارة الأميركية بمن فيهم الرئيس جورج بوش نفسه ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس، في وقتٍ ما برح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان يشيد بهذه الرغبة؟ وماذا يعني كل هذا التهديد الأميركي المتواصل لسوريا، والذي علت نبرته كثيراً مع تصدي "حزب الله" للإعتداءات الإسرائيلية على لبنان؟
ترى هل ينفذ ديتليف ميليس تعليمات وأوامر أميركية عليا تقضي بـ "قتل الناطور، لا أكل العنب" فيما يختص بالعلاقات الأميركية ـ السورية ومسألة التحقيق في جريمة اغتيال الراحل رفيق الحريري، أم أن ذلك مجرد توافق بين واشنطن وميليس حصل بالمصادفة وتطابق النوايا المبطنة تجاه سوريا؟!
فيما يتعلق بواشنطن، فالأمر واضح وقد أكدته وثيقة المحافظين الجدد التي بدأت كلامي بالإشارة إليها والتي وضعت سوريا على قائمة الدول المستهدفة بعد العراق، وزادته الممارسة الأميركية اليومية تجاه سوريا تأكيداً. أما بالنسبة لديتليف ميليس، فإذا صح ما ورد في الفيلم الوثائقي الذي حمل عنوان "عدالة ميليس من برلين إلى بيروت" من أنه اعتاد في حياته المهنية على إبرام صفقات مشبوهة مع شهود طيعين لتركيب الأدلة في قضاياه بهدف إدانة من يريد أو من تريد الجهة الدولية التي تكلفه وتؤمن الدعم له، وإذا صح ما قيل أيضاً عن موت والدته اليهودية التي غادرت بلدها إلى "أرض الميعاد" برفقة رضيعها على الجبهة السورية ـ الإسرائيلية أثناء عدوان الخامس من يونيو/ حزيران 1967، فإن ما يمكن أن ننتظره من لجنة التحقيق الدولية ورئيسها بعد أقل من أسبوعين لن يعدو عن كونه "السبب المباشر" الذي تنتظره واشنطن بفارغ الصبر لتنفيذ الشق الخاص بسوريا على أجندة المحافظين الجدد وفق الوثيقة ـ الخطة.
وباعتبار أن ديتليف ميليس الألماني اختير ليكون مطيةً للإدارة الأميركية في أزمتها المفتعلة مع سوريا تماماً مثلما كان هانس بليكس السويدي أثناء أزمتها مع العراق، لكم من الآن أن تتخيلوا الأول جالساً واجماً في مجلس الأمن الدولي يقرأ تقريره في "حضرة" كونداليزا رايس تماماً كما فعل الثاني عندما قرأ قبل أقل من ثلاثة أعوام تقريره في "حضرة" كولن باول! ولكم أن تتخيلوا أيضاً كيف أن الموقف الرسمي العربي لن يكون في المشهد القادم أفضل حالاً مما كان عليه في المشهد الماضي!

محمود كعوش
كاتب فلسطيني مقيم في الدانمرك kawashmahmoud@yahoo.co.uk