كيف نتحدث عن العلم للجمهور العربي؟

باريس
حضور وتكريم للمرأة العربية العاملة في مجالات العلم البحت

"لا شيء يمكن أن يؤكد أهمية العلم في الإسلام مثل الحقيقة التالية: أنه في مقابل 250 آية تشريعية في القرآن نجد 750 آية – حوالي ثمن الكتاب – تحت المؤمنين على دراسة الطبيعة والتدبر {في خلق الله} وتوظيف العقل بأحسن طريقة." محمد عبد السلام
الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء
في إطار السنة الدولية للفيزياء وبمناسبة العيد الوطني للقراءة، نظم معهد العالم العربي في باريس بالمشاركة مع الجامعة البينمناهجية، وتحت رعاية شبكة البحث حول العلم والدين في الإسلام، تظاهرة عالمية احتفلت بالمنتوج العلمي العربي حول الفيزياء، وفيزياء الفلك،تم خلالها الاحتفال بكتاب خبيري فيزياء الفلك الجزائريين نضال قسوم وجمال ميموني المعنون: "قصة الكون"،الذي صدر حديثا عن دار الملتقى اللبنانية باعتباره يمثل أول نموذج لكتاب علمي متخصص في تاريخ الكسمولوجيا كتب مباشرة باللغة العربية ومن طرف خبراء عرب في علم فيزياء الفلك، وهي التظاهرة التي اعتنت كذلك بالاحتفال بالجهد النسائي العربي في مجال الفيزياء وفيزياء الفلك، حيث تم تكريم البرفسورة إلهام القرضاوي من جامعة قطر، والبرفسورة ريم الطويريقي من جامعة الملك عبد العزيز بجدة على الجهود الملحوظة التي تبذلها الخبيرتان في نشر ثقافة العلوم وعلم الفيزياء بشكل خاص وتفعيل آليات البحث العلمي في الفيزياء في الجامعات التي يشتغلن بها خاصة في الوسط النسائي، بتشجيع الطالبات في قطر والسعودية على التخصص في مجال الفيزياء. وذلك بمشاركة الدكتورة نبيلة أغانم، فزيائية وأستاذة بجامعة باريس 11، والدكتورة إيناس صافي، فيزيائية وأستاذة بجامعة باريس 11. وذلك في إطار جلسة خاصة أدارتها الأستاذة ليلى الّمر، صحافية بجريدة النهار اللبنانية.
وقد أفتتح التظاهرة الأستاذ الطيب ولد العروسي مدير مكتبة المعهد، الذي حرص على توظيف ديكور المكتبة، ورفوف المجلدات العربية التي تناقش الفلسفة وفلسفة العلوم كخلفية أساسية لهذا الحدث الذي يجري في سياق عيد القراءة الوطني في فرنسا، معتبرا أن الاحتفال بالعلم، وخاصة بالفيزياء، بمناسبة السنة الدولية للفيزياء، يشكل مقدمة ضرورية لتقريب العلوم من المواطن العادي، وتعريف الجمهور الفرنسي والأوربي بالجهد العربي في هذا الاتجاه، كما أعتبر أن تكريم البرفسورة إلهام القرضاوي والبرفسورة ريم الطويريقي يشكل بذاته اعترافا عالميا بالجهد النسوي العربي في مجال العلوم والعلوم الفيزيائية.
البرفسور برينو عبد الحق كيدردوني، رئيس شبكة البحث حول العلم والدين في الإسلام، والمسؤول العلمي عن التظاهرة، قدم من جهته لمشروع الاحتفال وإشكاليات المحاور التي سيدور حولها النقاش، بإعتبارها محاولة للإجابة عن الأسباب التي تكمن وراء صعوبة تمرير الثقافة العلمية، أو التعامل مع المعطيات العلمية في سياق الثقافة العامة في العالم العربي والإسلامي؟ وأسباب الدمج أو الخلط بين العلم والدين في هذا المناخ؟ وهل هناك من إمكانية لخلق حوار بين العلم والدين؟ وذلك بالأخذ في الاعتبار في سياق هذا الطموح ذاته بخصوصية المناخ الثقافي العربي الإسلامي، وضرورة توظيف اللغة "المحلية "ذاتها، إي اللغة العربية، وهو ما يميز العمل المحتفى به في هذه التظاهرة.
كما نوه البرفسور كيدردوني بالحضور النسائي في مجال" العلم"، والذي أعتبر لفترة طويلة، بأنه ميدان يخص الرجال، وأن المعارف البحثة إنما هي علوم {فحولية} يصعب على المرأة اقتحام عراكها، غير أنه مع الوقت صارت المرأة تأخذ مكانها في هذا العلم، بل مكان كبير... هذا في أوربا، وماذا عن العالم العربي / الإسلامي؟ وفق هذا التسأول كان منحى الشبكة أن تقدم لدائرة الضوء الجهد النسائي العربي في هذا السياق وأن تقوم بتكريم جهود المرأة العربية التي ساهمت بجدية في ميدان الفيزياء { وذلك بمناسبة السنة الدولية للفيزياء} داخل المناخ العربي الإسلامي ذاته وفي إطار أعلى مؤسساته العلمية، وذلك بتكريم الدكتورة ريم الطويريقي من السعودية والدكتورة إلهام القرضاوي من قطر.بالإضافة إلى نماذج من الجهد النسائي العربي العامل في المؤسسات العلمية الفرنسية.

وقد شدد البرفسور كيدردوني في سياق تقديمه لأعمال التظاهرة، على كون المسعى الأساسي الذي تهدف إليه جهود/ وطموحات شبكة البحث حول العلم والدين في الإسلام، هو التأكيد على أن قطاع العلم، على درجة من الأهمية/ والخطورة بحيث لا يجب أن يترك في يد العلماء وحدهم. بل أنه يخص كل الإنسانية، ومستقبل البشر لن يكون مضمونا مع القرن الواحد والعشرين، وفق التسارع المذهل للثورات العلمية الضخمة التي يشهدها، إلا إذا أخذت المجتمعات الإنسانية{ مجتمعة} بزمام الإشكاليات العلمية، وسارعت لاتخاذ القرارات الضرورية التي تقنّنها وتنظمها،بالقياس إلى مردودات جدلية هذه الإشكاليات على الإنسانية بإسرها.
حيث صار ملحا اليوم البحث حول ضرورة تقاسم الثروات على سطح المعمورة، واتخاذ القرارات السياسية الضرورية بشأن إشكاليات المحاصيل الزراعية المعدلة وراثيا،أو سخونة الأرض...وإلى غير ذلك من القضايا التي تعصف بمستقبل الكون.
وقد أدار الجلسة الأولى التي اهتمت بالاحتفال بكتاب "قصة الكون" الصحافي المعروف مالك التريكي، المسؤول عن البرنامج الثقافي بقناة الجزيرة، والذي أفتتح الحوار بالتساؤل عن العلاقة بين العلم والمجتمع المعاصر؟
وكيف يمكن أن يتحدث العلماء "عن هذه العلوم البحتة" للجمهور العادي؟
وكيف يمكن أن يتحدث العلماء العرب بصورة خاصة مع المجتمعات العربية؟
حول السؤال الأخير بالذات يجيب التريكي بأنه ليس ثمة أكثر من طريقة، حيث تتأكد هذه المبادرة التي قام بها البرفسور جمال ميموني والبرفسور نضال قسوم في كتابهما المهم حول" قصة الكون"؛ إي الكتابة باللغة العربية، وبأسلوب مبسط يقترب من ذهنية القارئ غير المتخصص، كأفضل طريقة للحديث عن العلم للجمهور العربي، وكحل أساسي وضروري لمعالجة إشكاليات غياب / أو تغييب المعرفة العلمية عند الجمهور العربي. فأن الكتاب ينجح بامتياز في عرض صيرورة الوجود ونشأة العالم في سياق عذب وممتع،بما يؤسس لتجربة علمية عربية رائدة في هذا المجال تتوجه مباشرة للفضاء الثقافي العام.
البرفسور نضال قسوم، أستاذ الفيزياء بالجامعة الأمريكية بالشارقة في الإمارات العربية يختصر في تقديمه للكتاب، إشكالية المشروع على امتداد أقسامه الثلاث، بدءا من النظريات البدائية التي تعرضت لقصة الكون ومرورا بالتصور الحالي للكون، والذي يتناول بالأحرى التفسيرات العلمية الحديثة لتكون العالم،وحتى القسم الأخير الذي يؤسس لمناقشة فكرية إبستيمولوجية/ دينية حول القضايا الكوسمولوجية (أو الكونية) المطروحة الساعة.
حيث يتناول القسم الأول من الكتاب مختلف التصورات التي عرفها الفكر الإنساني حول الوجود في الحضارات القديمة البابلية، والإغريقية، والصينية، والهندية أو الكتب السماوية؛ التوراة والإنجيل والقرآن. ثم التصورات الكونية عند العلماء المسلمين قديما وحاضرا مرورا بتصورات أخون الصفا، ونظرية ابن سينا، ونظرية البيروني، ووجهة نظر ابن رشد، وأبن عربي ونظرية "وحدة الوجود". كما يتعرض هذا القسم في الفصل الرابع للثورة الفلكية الحديثة وانعكاساتها الكسمولوجية، والتي كانت من ثمار النهضة العلمية في أوربا في القرن السادس عشر. وذلك بالمرور عبر المراحل المختلفة للتطورات الحاسمة في هذا الاتجاه، من نظرية كوبرنيكس إلى إدخال المنظار في الدراسات الفلكية على يد غاليليو، إلى الثورة النيوتينية في فهم الأجرام السماوية. وهو القسم الذي ينتهي بمعالجة التصور الميكانيكي للعالم، الذي كان قد ساد في أوربا طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ووضع النقاط على الحروف بالقياس إلى مختلف مزالقه العلمية والفلسفية.
ويتوقف القسم الثاني من الكتاب للبحث في التطور الهائل للكسمولوجيا خلال القرن العشرين، وتأكدها كعلم "ناضج". وذلك بالنظر في صيرورة الاكتشافات الفيزيائية، والفلكية ذات الطابع الكوني التي عرفها مطلع القرن العشرين. حيث تمت، إلى جانب الفيزياء، إعادة صياغة الميكانيكا النيوتنية، صياغة نسبوية (المبنية على نظرية النسبية لإنشتاين)، وتعميم هذه النظرية الميكانيكية النسبوية في شكل النسبية العامة، التي أسست للإطار النظري العام للنظريات الكوسمولوجية المعاصرة. والتعرف، في مجال علم الفلك، على بنية مجرتنا، والتأكد من كونها ليست أكثر من واحدة من عدد هائل من مجرات هذا الكون، وأن هذا الأخير في حالة توسع مستمر.
ثم يتعرض الكتاب لنظرية الانفجار العظيم من الناحية الهندسية بشكل أساسي، كذلك مختلف النظريات الكسمولوجية الحديثة. بينما يناقش في فصل منفرد الجانب الفيزيائي لنظرية الانفجار العظيم، مما يسمح بفهم المراحل التاريخية التي مر بها الكون ابتداء من الجسيمات والأنوية الأولية التي تم فيما بعد تركيبها في شكل ذرات، والتي تتكاثف بعد فترة في شكل سحب مجرية. بعد ذلك يتعرض الكتاب لنظرية التضخم الكوني،التي تعتبر السيناريو الأحدث الذي يحاول شرح ما حدث في المرحلة المبكرة جدا من نشأة الكون.
أما القسم الأخير من الكتاب فينحو بالأحرى لمناقشة الإشكاليات الإبستمولوجية المتعلقة بالتفكير على الوجود أو الكون، والتي من بينها الخلفيات الإيديولوجية للتردد في قبول نظرية الانفجار العظيم، أو رفض العلماء لإمكانية بداية الكون من عدم، أو إشكاليات المبدأ الأنثروبي، الذي يرى أن الوجود البشري في الكون يحتم تكونه وفق تركيبة بذاتها، وأنه قد مرّ بتحولات كانت ضرورية لتمكين ظهور الإنسان، بما يستلزم وجود قوانين فيزيائية وبيولوجية خاصة. الأمر الذي يفترض أن الكون كان مهيأ منذ البداية لاستقبال الوجود البشري. والذي يعني أن هذا المبدأ يتعارض كليا مع المبدأ الكوبرنيكي التقليدي الذي كان يرى "أن ليس للإنسان أية مكانة جوهرية في الكون، كما أن وجوده لا يحمل أية دلالة بشأن خصائص هذا الكون".
كما يتسأل الكتاب في هذا الجزء عن المشروع الكسمولوجي ومعقوليته، إي إلى أي مدى يجوز للإنسان، وهو عقل صغير محدود أن يحاول فهم كون شاسع من حوله..... وينتهي الكتاب، بمبحث يتطرق إلى الاعتبارات الإنتولوجية، بشأن استنتاجات علم الكونيات: هل للكون مغزى؟
أما لماذا الكتاب؟ ولماذا هو باللغة العربية؟ فالبرفسور قسوم يحاول أن يبلور للإجابة عن ذلك الإشكالية الأساسية للمشروع، حيث ينحو لرصد أكثر من زاوية يمكن أن يتم من خلالها تصور المسألة.
أول هذه الزوايا أن الحديث عن العلم للعرب، لابد أن يتم في إطار الثقافة العربية وباللغة العربية ومن خلال الفكر العربي ذاته. لذلك فأن التفكير في ترجمة بعض الكتب المهمة التي تناولت مسألة قصة الكون بلغات أخرى ما كانت لتتمكن من البلوغ إلى هذا الهدف الأساسي بذاته إي التفكير على العلم بمنطق عربي ووفق منهجية عقلية ولغوية عربية وبالاستناد إلى صيرورة الإرث العربي في هذا السياق.
وكان يجب الأخذ في الاعتبار بالقياس إلى هذا المشروع نفسه جملة من المعطيات تخص المناخ العربي بما هو عليه الآن، إي بالأخذ في الاعتبار مسافة التخلف والتأخر العلمي، والهوة التي تفصل العرب عن مستوى التطور العلمي والتكنولوجي الذي شهدته نهايات القرن الماضي وبدايات هذا القرن، وبالتالي كان يجب أخذ العرب أو العقلية العربية نحو هذه الكميات الهائلة من المعرفة العلمية التي تراكمت بعيدا عن وعيهم؛ بهدوء وبتدريج يفيد في توصيلهم لها أو إيصالها إليهم، دون المغامرة بخلق صدمة مربكة أن لم تكن مدمرة في حالة تجاهل ذلك.
من ناحية أخرى، نجد أن الفضاء الثقافي العربي، بالقياس لمبحث الكسمولوجيا بالذات، وتطورات النظريات العلمية التي تفسر الكون وفق الصيرورة العلمية المتسارعة في هذا الاتجاه، يقابلها بغياب أو تغييب كامل لكل النقاشات الدائرة بهذا الخصوص، ويغيب عن الوسط العربي إي معلومة "علمية" تتحدث عن هذا المبحث، بل أن المقالات المترجمة نفسها غير موجودة، فلا نجد اليوم إي مقال عن "المادة المعتمة أو المادة الظلماء" أو عن "التسارع في الكون"..... وغيرها من المواضيع العلمية التي تهز بنية الفكر العلمي في الغرب. لذلك كان هناك شعور عميق بالواجب بضرورة إيصال هذه المعلومات إلى القاري العربي،وذلك باللغة التي يفهمها.
الأشكال الآخر الذي يتعرض له البرفسور قسوم في هذا السياق، هو أن العقلية العربية، وفق الواقع الثقافي الراهن، لا تفرق بين العلم/المعرفة /والثقافة والدين، وهو الأشكال الذي يشكل بذاته موضوع واسع للبحث.
حيث عادة ما يلجأ العقل العربي للبحث من خلال الآيات القرآنية لتفسير الكون، أو ما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن أو الأقوال المشهورة عن علماء المسلمين ومحاولة ربطها بما يتم من اكتشافات علمية حديثة. لذلك وفي محاولة لتطوير مفاهيم علمية جديدة تتصل مباشرة بالإرث العلمي المعاصر، حاول الكتاب، في مغامرة أشبه بالرقص على الحبال، بدون أي سند محيط، وفق غياب إي مرجعية علمية باللغة العربية في سياق هذا المبحث، أن يؤسس لمقدمة ضرورية باتجاه علم معاصر، أو خطاب علمي معاصر، خاصة في مجال الفيزياء وفيزياء الفلك، مكتوب باللغة العربية.
البرفسور جمال ميموني، أستاذ الفيزياء بجامعة قسنطينة بالجزائر، يشدد على من طرفه على حقيقة كون الفضاء العربي العلمي المعاصر أشبه بصحراء قاحلة، وفق الغياب الكامل لأي مرجع ذو دلالة في هذا الاتجاه مكتوب باللغة العربية، أو حتى مترجم إلى العربية بتوظيف لغة واضحة لهذا الجمهور المنفصل عن هذه الصيرورة العلمية التي تعم العالم.
ورغم أن الحديث عن العلم للعرب باللغة العربية يبدو بذاته مهمة شاقة وصعبة، إن لم تكن معركة ذات أبعاد لا متناهية التعقيد.إلا أن الإحساس بضرورة توصيل هذه المعرفة إلى هذا الجيل العربي الذي لا يتقن إلا اللغة العربية بدأت للمؤلفين كواجب ملح وعاجل. ففي الجزائر على سبيل المثال، حيث صدرت الطبعة الأولى من "قصة الكون"، يوجد جيل كامل قد درس ونشأ في إطار سياسية التعريب التي لجأت إليها الدولة الوطنية الجزائرية كسياسية مقاومة للاستعمار، وبقايا الاستعمار الفرنسي في البلد، لذلك فلو أن نفس الكتاب كان قد صدر باللغة الفرنسية أو اللغة الإنجليزية، لما وجد نفس الصدى عند هذا الجيل، وكان الأمر طبيعيا أن تنفد الطبعة الأولى من الكتاب ويصدر الناشر الطبعة الثانية بسرعة كبيرة لأن الكتاب قد جاء ليسد حاجة ملحة في هذا الفضاء. لذلك عندما أقترح الناشر على المؤلفين ترجمته الكتاب للغة الفرنسية على سبيل المثال، لم يجدا الأمر يمثل إي أهمية، فعدد الكتب الموجودة حول نفس الموضوع في هذه اللغات مما يفوق العد، لكن الغياب هو في المادة العربية، وقد جاءت هذه الطبعة الثالثة في بيروت عن دار الملتقى اللبنانية لكي يأخذ الكتاب طريقه إلى القارئ العربي في كافة المناطق العربية.
ويتطرق البروفسور ميموني إلى إشكالية أخرى بالقياس إلى الحديث عن العلوم للجمهور العربي الواسع، وهي أن ما يتم منه باتجاه المواطن العربي، من طرف العلماء العرب، يتم في العادة بصورة سيئة فالذين يخرجون في بعض البرامج التلفزيونية يصّرون على الحديث بلغة صعبة وبمفردات غير مترجمة بحيث تباعد الجمهور بالأحرى عن العلم أو أنها تخلق مسافة بينه وبين العلوم البحتة. ويخلو الفضاء العربي بصورة مقلقة من البرامج أو الآليات الإعلامية سواء الصحف والمجلات أو البرامج التلفزيونية والإعلامية التي يمكن أن تأخذ على عاتقها مهمة تبسيط العلوم للجمهور الواسع. بحيث تأكد الشعور عند المواطن العادي بأن العلم مسألة تخص النخبة وأنها لا تهمه في سياق مبحثه عن المعرفة العامة،أو في سياق حياته العادية. الأمر الذي خلق هذا الفصل التعسفي بين مفهوم الثقافة بمعناه الواسع ومفهوم العلم. وصار الحديث عن العلم باعتباره أمرا متخصصا شديد الدقة، يخص طائفة بعينها ولا علاقة للمواطن العادي به. كما أن أغلب الذين يكتبون عن العلوم من العرب يفضّلون الكتابة بلغات أجنبية ويقصدون التواصل مع المؤسسات الأوربية أو الغربية بشكل عام، بما أسهم في تأصيل المسافة بين المواطن العربي العادي والمعرفة العلمية.
وفق هذا المعنى كان مشروع الكتاب نفسه يسعى باتجاه طموحين أساسيين: الحديث للعرب، أو الجمهور العربي عن العلوم وعن أحدث النظريات العلمية، خاصة في مجالات دقيقة كالفيزياء وفيزياء الفلك، باللغة العربية التي هي قادرة على أن تكون لغة علوم، كما كانت لغة أساسية لتمرير العلوم نحو الإنسانية بأسرها في فترة مهمة من تاريخ الفكر والحضارة العربية، في العصر الذهبي للحضارة والعلوم العربية، ثم من ناحية أخرى تمرير ثقافة العلم والمعرفة العلمية في سياق مبسط يصل إلى القارئ غير المتخصص في يسر، ويساهم للتأسيس لآلية نشر الثقافة العلمية حتى تتأكد كثقافة طبيعية وأساسية في حياة الإنسان، بالقياس إلى أهمية هذه المعارف لتقريب المسافة بين الإنسان والوجود وبين الإنسان وخالق الوجود.
محمد طالب، مدير الشبكة العربية عبرالمناهجية "بيت الحكمة"، يشدد من طرفه على هذه الإشكالية بالذات، إي القطيعة بين الجمهور الواسع والمعرفة العلمية، أو مفهوم العلوم بشكل عام.
بحيث يسعى في هذا السياق لتحديد ملامح الإشكالية الأساسية التي ترتكز إليها هذه القطيعة بصورة خاصة، وهي أن العقلية العربية تتعامل مع العلم وكأنه "مفهوم محايد"،لا تتدخل بشأنه إي مؤثرات خارجة عنه بما هو "علم"، سواء كان ذلك من الناحية الثقافية أم الاجتماعية أو الأخلاقية، وسواء كان في هذا المكان أو ذاك؛ في الصين كان أو اليابان أو في الهند أو في أوربا أو في البلاد العربية، سيظل هو ذاته، بما هو علم "محايد" في ذاته.
هذه النظرة للعلم، والتي تحمل في أعماقها أكثر من إشكالية في واقع الأمر، مرتبطة بالنظرة للعلم التي سادت في القرن التاسع عشر، إي في التاريخ الذي حدث فيه الصدمة (أثناء عصر الاستعمار) بين الشرق والغرب، حيث ذهب بعض المفكرين المسلمين الذين حاولوا التفكير حول أسباب التخلف والهوة التي تفصل المستوى الذي فيه العرب عن المستوى المتقدم الذي وصل إليه الغرب، (منهم رفاعة الطهطاوي الذي أقام في فرنسا،عام 1830)، إلى ردّ ذلك إلى التقدم العلمي/التكنولوجي الموجود في الغرب، ودون الأخذ بالاعتبار جملة المعطيات الثقافية الأخرى منها نظرة الأوربيين للعالم، أو وحيوية المجتمع المدني بكل فعالياته الأساسية. وأخذوا يبشروا بضرورة الأخذ بهذا العلم، أو استعارة آليات التكنولوجيا المتطورة في الغرب، لتفعيل حيوية المجتمع العربي ومساعدته من أجل اللحاق بركب التقدم. وهي النظرة التي سينهض لنقدها بشكل أساسي المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، خاصة في كتابيه "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية"، بما أسس لأهم محاولة نقدية عربية في هذا الاتجاه.
على أن التعامل مع العلم وفق هذا المفهوم المحايد، كان في واقع الأمر مغلوطا، لأن العلم ليس مجرد تراكمية معرفية محايدة، بل هو صيرورة معقدة يتدخل في سياقها أكثر من عامل، وعلى درجات مختلفة من التأثير والأهمية، بما في ذلك العامل الثقافي والجغرافي أو تأثيرات اللغة ذاتها. إي أن "مفهوم العلم" يتحدد تاريخيا، وفق هذه الصيرورة التاريخية ذاتها. من أهم العلماء الذين تعرضوا لمناقشة هذا المبحث هو الأمريكي توماس كوهين، الذي كان وراء نحت مفهوم البارديجم (الترسيمة) في سياق تحليله لتركيبة ما نتصوره معرفة علمية. وهو يشرح بأن العلم لا يتقدم في "خط أفقي" ثابت من نقطة بذاتها إلى نقطة أخيرة بشكل تراكمي، كما يذهب إليه المفهوم التطوري الذي أرتبط بالمفهوم العلماوي والبوزيتيفي للعلم الذي ساد القرن التاسع عشر.
بل أن العلم في حقيقة الأمر يخضع لجملة من البارديجم، أو من الأطر الثقافية، والتصورات التأملية للعالم، وللفلسفة،وللمناخ الأيديولوجي الذي يؤسس لطبيعة "اللحظة "التي يتم فيها التفكير.
وهو يشدد في كتابه "الثورة العلمية"، على أنه لا يجب النظر إلى "تاريخ العلم" كمجرد تراكم للمعرفة، بل بالأحرى كقصة للثورات العلمية. حيث أن حدوث كل ثورة علمية، يؤدي بشكل فوري إلى قلب البارديجم السابق وتغّير أساساته، وعندما يتم تجاوز بارديجم سابق، فأن جملة ما كان قائما على أساسه، يصبح محل نظر. فثورة غاليلو على سبيل المثال أو نيوتن خلال القرن 17، كانتا قد أطاحت بسلطة البارديجم السابقة التي كانت قد سادة لما يفوق 400 سنة.
ويشدد محمد طالب على أنه من جديد، قادت الثورات العلمية الكبرى التي عرفها القرن العشرين، ومطلع الواحد والعشرين، سواء في فيزياء الفضاء أو علم الفلك، أوفي الفيزياء، أو علم الأحياء والعلوم الرياضية.... إلى التأسيس لجملة من البارديجم الجديدة، والتي فرضت إعادة النظر بصورة حاسمة في طريقة التفكير العلماونية التي سادت خلال القرن 19، للبحث أو النظر في الكون والوجود.
والإشكالية الأساسية التي تواجه التحليل حول علاقة المجتمعات العربية بالعم وفق هذا المعنى، هي بالنسبة لمحمد طالب أن العقلية العربية حتى الآن، تكتفي باختصار، أو رد العلم إلى البعد التقني بحيث تخرج به من نطاق العلم،لتدخل أو تقتصر على مجال التكنوسينس أو التكنو-علم. حيث أن الكثير من العلماء العرب أنفسهم، ما زالوا يتجاهلون إبعاد الرهانات الأخلاقية والفلسفية في سياق ما يقومون بممارسته هم أنفسهم من علوم.
من بين هذه الرهانات المهمة، في اتجاه تبسيط العلوم للمواطن العربي العادي، وشرح ما هو العلم الحديث.
أن يكون في نفس الوقت ملتزم بشأن شرط وصف الطبيعة،بتوظيف المعارف التكنو-علمية ذاتها، حيث نحن هنا في إطار الأزمة العربية الراهنة بحاجة إلى كل ذلك، ...ولكن أن يقوم هؤلاء العلماء أنفسهم الذين توكل إليهم هذه المهمة الأولى بالبحث والتفكير فلسفيا حول معارفهم ذاتها، والدخول وفق هذا المعنى في معترك العلم بالمعنى المعاصر للكلمة. وكتاب "قصة الكون" الذي نحتفل به اليوم، يؤكد في واقع الأمر على هذين البعدين، حيث لا يؤسس لمجرد عرض رياضي لمعارف الإنسان عن تركيبة السماء والكون، بل أنه ينحو لتأسيس "لمقدمة" ضرورية لحركية نقاش فلسفي ضروري في هذا الاتجاه.
إن إعطاء أهمية بذاتها لهذا البعد بصورة خاصة، بالنسبة لمحمد طالب، سيسمح بفهم أو "تحديد" المكان أو "المساحة" التي يمكن للعلم أن يتقاطع فيها مع الثقافة.
حيث يغلب على الفضاء الثقافي في العالم العربي نوع من الاستمرارية، أن لم نقل الدمج/أو الخلط بين الثقافي والروحاني/ الديني. بحيث أنه لا يمكن بحال تجاوز البعد الإسلامي في الثقافة العربية في سياق إي نقاش ممكن باتجاه إي تغيير أو بارديجم ممكن. الأمر الذي يجعلنا في هذا السياق، وبشكل مباشر في إطار النقاش أو الحوار بين العلم والدين.
ومن بين أهم الأبعاد لهذا الخطاب ذاته، هو أن يتم تحديد "المكان" أو المسافة التي يجب أن يتم فيها التقاطع أو اللقاء بين العلم والدين. ففي الوقت الذي نجد أن واقع الأمر في الغرب هو الفصل التام بين الدين والعلم، وأنه ليس هناك ما يقوله إي من الطرفين للآخر، نجد بالمقابل أن ما هو سائد في المناخ العربي الإسلامي حتى الآن هو بالأحرى دمج أو خلط العلم والدين، وذلك من خلال خطاب المتطرفين الذين يقولون بأن كلا العلمين هما شيء واحد.
ويطرح محمد طالب الإشكالية الأساسية في هذا الاتجاه، وهي البحث عن إمكانية تقاطع صحي وضروري بين العلمين، وكيف أن أهم الرهانات في العالم العربي / الإسلامي اليوم عي البحث عن "ذلك المكان" الذي يمكن لهذا التقاطع أن يتم فيه.
وذلك من خلال تطوير صيغة للنقاش أو الحوار علم/دين، في الإسلام. من خلال وضع السؤال الفلسفي: ما الذي يحتوي عليه العلم (أو ذلك الذي داخل العلم)، والذي يمكن أن يؤسس لنقاش أو حوار مع الدين؟ هل هو الوصف الرياضي للوجود؟ هل هو بالأحرى فلسفة العلوم؟
ثم، ما هو الذي يحتوي عليه الدين (أو ذلك الذي داخل الدين) ويمكن أن يسمح بالحوار مع العلم؟
وهنا يعود الأمر إلى فلسفة الاعتقاد أو فلسفة الدين (إي الثيلوجي). وفي الوقت الذي قطعت فيه فضاءات أخرى في الهند أو الصين أو أوربا مسافة كبيرة باتجاه الحوار وفق هذه الجدلية ذاتها، نجد أن هذا الحوار جد جديد على الساحة العربية / الإسلامية،الأمر الذي يمثل جوهر الإشكالية في هذا السياق.
للحفر باتجاه هذا المبحث الصعب حول إشكاليات الحداثة/والثقافة العلمية التي تقاومها العقلية العربية، يعود مالك التريكي للتساؤل حول العلاقة بين العلم والثقافة كما تتبلور في الخطاب العربي /الإسلامي المعاصر؟ ويذّكر التريكي حول هذا المعنى بمقولة مشهورة لأحد مستشاري الأمم المتحدة تؤكد على أن "أن التطور، أو ما يمكن وصفه بالنهضة الحضارية، إنما يتحقق عندما يتحول العلم إلى ثقافة".
على أن السؤال الذي يطرح نفسه وفق هذا التصور،هو إذا ما كان نسيج الثورة العلمية يعتمد بالأحرى على القطيعة مع ما كان، وفق إلغاء أو تجاوز البارديجم الجديد لما قبله، كيف يمكن أن نفهم ذلك أو نقبل بذلك في سياق ثقافة عربية /إسلامية ترتكز بالأحرى إلى الاستمرارية والاعتزاز بالموروث الحضاري السابق؟
بحيث تبدو الإشكالية القائمة في الفضاء العربي/الإسلامي ترتكز على هذه الجدلية: أننا نبحث على التطور، أو أن يحدث لدينا تقدم/ ونهضة علمية، ولكن بدون إحداث إي تغيير في ثقافتنا؟
من ناحية أخرى، يتعرض مالك التريكي في سؤال مهم عن طبيعة هذه الإشكالية من زاوية أخرى في المجتمعات المباعد دينية، كما يمكن أن توصف به المجتمعات الأوربية، والتي على العكس لا تطرح إي إشكالية أساسية بالقياس إلى تقبل العلم وفهمه بمعناه التطوري "الثوري"،بكل ما تقود إليه التغيرات الجذرية في البارديجم من ثورات وتحولات راديكالية. وهي المجتمعات التي نجد في رحابها رجال العلم أنفسهم يعاملون كنجوم، أو كرموز لامعة في المجتمع، حيث تلمع أسماء لعلماء كبار مثل ستيفن هوكين أو ريتشارد دوكينز أو ستيفن جي جولد والتي تتقدم كتبهم على كتب الثقافة العامة أو الرويات في أوائل المبيعات، مع ذلك فأن استطلاعات الرأي العام الحديثة، في بريطانيا أو أمريكيا على سبيل المثال، تكشف على أن أكثر من 50 في المائة من أفراد المجتمع، والذين وأن هم يعترفون بأهمية العلوم وضرورتها لتقدم المجتمع، هم لا يعرفون شيئا يذكر عن المفاهيم الأساسية في العلم، مثل سرعة الضوء؟ أو إذا ما كانت الشمس تدور حول الأرض أو أن الأرض هي من يدور حول الشمس، أو هل الإلكترون أكبر من الذرة أم أن الذرة أكبر من الإلكترون؟...... وبالتالي فأن السؤال الذي يطرح نفسه وفق هذه الإشكالية هل أن العلاقة (أو علاقة الوعي العام بالعلم) وفق هذا النحو المرتكز بالأحرى للقطيعة هي حالة "إنسانية" أكثر منها ثقافية، أم أنها ثقافية تستند إلى أسباب أخرى؟
يعيد البرفسور قسوم هذه الإشكالية التي طرحها ماللك التريكي إلى تقصير النظام التربوي في العالم، وفي العالم العربي بالذات، والذي كان من المفترض أن يسمح بتحويل ثقافة العلم إلى ثقافة أساسية، تتأكد بالقياس إلى تحول ما يمكن أن نتعلمه في المدارس والجامعات إلى محصلة ثقافية نهائية، يكون من ضمنها المعارف العلمية القاعدية، والتي تشرح المفاهيم الأساسية للعلم مثل هل الصوت أسرع أو الضوء؟ أو إذا ما كانت الأرض تدور حول الشمس أم أنها الشمس من يدور حول الأرض؟ ففي الوقت الذي كان العلماء العرب في العصر الذهبي لحضارتنا هم من وضعوا الكثير من أسس وقواعد هذه العلوم نجد أن المواطن العادي اليوم في هذه الفضاءات لا يعرف عن هذه العلوم إي شيء . حيث نجد بالكاد من يستطيع أن يؤكد لك، ليس طبيعة الضوء ولكن حتى مجرد إذا ما كان الضوء أسرع من الصوت؟
كما يربط نضال قسوم ضآلة الصلة بين الوعي الثقافي القاعدي والمعارف العلمية، بتقصير وسائل الأعلام التي تتجاهل المعرفة العلمية، وتحاول أن تصنع منها مادة غير قابلة للتداول في السوق العام، بما يؤسس لقطيعة بين الشارع/ والمعامل أو بين المعارف العلمية الدقيقة ومعرفة الجمهور الواسع بأسسها الأولية، بكل ما يترتب عن ذلك من إشكاليات خطيرة تتعلق بمستقبل البشرية بأسره.
لأن القطيعة مع هذه المعارف الأساسية ستخلق عند هذا الجمهور نقصا فادحا في إي إمكانية لمناقشة القضايا الكبرى الأخلاقية والسياسية المتعلقة باستخدامات هذه المعارف العلمية ذاتها. ويشرح البروفسور قسوم بأنه عندما يخبر طلابه بأن المنظار الفضائي هوبل الذي كان قد رصد لأحد أهم الظواهر الكونية في عصرنا، بأن صنعه كان قد كلف مليار ونصف من الدولارات، وأن إرساله كلف نصف مليار، وأن الآليات المتعلقة بتوظيفه قد كلفت خلال السنوات 1990 إلى 2005 حوالي خمسة مليار، كانت إجابتهم بأن ذلك جنون، وأن في ذلك تبذير لمبالغ هائلة من الأموال على مجرد مشروع فضائي؟
على أنه عند سؤالهم على سبيل المثال عن حجم المبالغ التي تصرف سنويا في العالم العربي على "البوب كورن أو الذرة المسكرة" التي تباع في صالات السينما بهدف تسلية المشاهدين، دون الحديث عن بطاقة دخول السينما، لأنها تدخل في سياق الثقافة، والاكتفاء فقط بالسؤال عن تكاليف "البوب كورن" الذي يستهلك لمجرد التسلية؟ نجد أنهم يجهلون تماما الإجابة، رغم أن حجم ما ينفق على ذلك يصل إلى المليارات من الدولارات، وبما يقارب ما يحتاجه مشروع فلكي ضخم مثل هوبل؟! والسؤال الذي يطرح نفسه بناء على هذه النتيجة هو هل سنستمر في النقاش عن لماذا يمكن أن نبذر المال على مثل هذه المشاريع العلمية (مثل هوبل) التي ستقود الإنسانية والمعرفة البشرية نحو اكتشافات جديدة، ومعرفة أكبر وأوسع بالكون؟ والتأسيس بالتالي لبارديجم جديدة قد تقلب رأسا على عقب كل معارفنا السابقة حول الوجود؟ أم أنه بالأحرى لابد أن نّروج لهذه السياسيات وهذه الثقافة التي تضع العلم في قلب الاستثمار الأساسي للأمم والشعوب، باعتباره ما يؤسس بحق لمستقبل الأرض ومستقبل الكون ومستقبل الإنسانية؟؟
ويلفت البروفسور قسوم في سياق تحليله لهذا الإشكال النظر إلى إشكالية أخرى تتدخل بثقل في عرقلة نشر ثقافة المعرفة في الفضاء العربي الإسلامي بالذات، وهي الخلط (في ثقافتنا العربية) بين العلم/والثقافة/ والدين؟ بحيث يتصور بعض الفقهاء بأنه يكفي توظيف سورة قرآنية لشرح كافة ظواهر الكون؟ وأن ما يحتاج العقل العربي هو الاكتفاء بما جاء به كتاب الله لفهم كل المعارف العلمية؟ الأمر الذي يبعد الدين والعلم على السواء من معاييرهما المعرفية، ويؤسس لحالة من الخلط التي تعصف على السواء بمصداقية الوعي الديني أو جدية الوعي العلمي.

ولعل هذا الخلط التعسفي (كما الفصل التعسفي) بين الدين والعلم في الفضاء الثقافي العربي الإسلامي، بالنسبة للبروفسور عبد الحق برينو كيدردوني، هو ما يؤسس للبّ الإشكالية التي تباعد الوعي العربي/الإسلامي في هذه الفضاءات عن قبول أسس وطبيعة المعرفة العلمية كما آلت إليه في هذا العصر.رغم أن هذا الفضاء ذاته يملك الكثير من الإجابات الكونية لحيرة العلم المعاصر، وأن الوصول إلى نقطة وسط، هي ما يسعي إليها مبحث الحوار بين العلم والدين في الإسلام،قد يؤسس إلى مخارج ذات دلالة نوعية.
ويؤكد البروفسور كيدردوني أن الغرب اليوم (أو علماء الغرب بكل أطيافهم التخصصية) صار يعود للبحث عن المصالحة بين العلمين (إي العلم والدين)، بعد طلاق دام لأكثر من قرن. وذلك بالقياس إلى أكثر من سبب، من ذلك أن العلم " بالمعنى المعاصر للكلمة" قد فقد تلك الثقة النهائية في أساساته، ولم يعد للعلماونية التي سادت خلال القرن التاسع عشر تلك السلطة النهائية،نتيجة لجملة الاكتشافات والبارديجم الجديدة التي أنتجتها الثورات العلمية الأخيرة، بحيث أن مفهوم العلم القادر على تفسير كل معطيات الظاهرة العلمية لم يعد له إي مصداقية. فالبارديجم الجديدة صارت تؤكد أن ثمة جزء من المعرفة هو خارج العلم، وأن العلم جد محدود بالقياس إلى فهم الظاهرة، أو وضع اليد على سر السر.
وهذا قد قاد العلماء الذين يتعاملون مع هذه البارديجم، سواء في مجال الفيزياء أو فيزياء الفلك، أو الأحياء أو الرياضيات،..... إلى اللجوء إلى الروحانيات أو الفلسفة أو العلوم الإنسانية والثيولوجي، بهدف البحث عن "سرّ المعنى" أو كنه الأمور؟. وهو الأمر الذي ولدّ في هذه الفضاءات ذاتها مناخا خصبا من الحوار "العميق" بين العلم والدين أو العلم والروحانيات.
ويلفت البروفسور عبد الحق كيدردوني إلى زاوية مهمة من القضية، والتي تتعلق بمبحث "حوار الحضارات" أو محاولة القفز على مختلف دعاوي صدام الثقافات أو الأديان، بأن هذا البعد الخاص للحوار داخل مساحة العلم تفيد، بشكل حضاري بالغ الخصوصية والرقي، كآلية مهمة للحوار عن الروحانيات والدين، في تكامل حضاري خلاق، وبدون الحاجة لأي تصادم. لأن الذي سيجمع بين المتحاورين في هذه الحالة هو ساحة العلم، والبحث عن مخارج كونية لحيرة العلم المعاصر، بحيث قد يكون خبير الفيزياء أو فيزياء الفلك أو خبير الرياضيات على دين المسيح أو اليهودية أو البوذية أو الإسلام، دون أن يتدخل ذلك في طبيعة نقاشه للإشكاليات العلمية كما تطرح على نقاش البحث. وحيث سيكنون جميعهم وبالدرجة الأولى علماء، والبحث سيكون باتجاه تفعيل الحوار بين العلم بكل القلق الذي يعصف به اليوم وفق معطيات البارديجم الأساسي الذي يحتكم إليه اليوم، باتجاه مخارج روحانية كونية لهذه الحيرة ذاتها.
وفق هذا المعنى يتأكد العلم كوسيلة رائعة للحوار بين الأديان والثقافات من جهة، ويتأكد كآلية مهمة لشرح العالم الذي نعيش فيه ونتشارك فيه جميعا ونحمل تجاهه نفس المسؤولية. بحيث تتكاثف كل جهود علماء الأرض، بكل أطيافهم وأديانهم، في بوتقة الحوار العلمي، للبحث حول مستقبل الأرض، ومستقبل الوجود وبالتالي مستقبل العلم/والعالم ذاته.
وأكد البروفسور كيدردوني في ختام الجلسة الاحتفالية بالمنتوج الفيزيائي المكتوب باللغة العربية، وقبل الانتقال إلى جلسة تكريم البروفسورة إلهام القرضاوي، والبروفسورة ريم الطويريقي، على أن كتاب "قصة الكون" قد جاء في هذا السياق مقدمة للبحث في هذا الاتجاه والتفكير على مختلف هذه القضايا داخل المناخ العربي وباللغة العربية، وهو الجهد الذي يؤسس بذاته لبادرة جديرة بالتقدير، حيث أن ما يجب أن يتأكد منه الجمهور العربي أن الدين لا يشكل إي عقبة أمام التطور والتقدم العلمي أو أمام البحث العلمي بكل ما يمكن أن يقود إليه من تسأولات وبارديجم. مذكرا بأن التاريخ العربي الإسلامي قد أستند بكل فخر إلى أرث خصب في هذا الاتجاه،حيث تأكد البحث العلمي كشكل من أشكال العبادة،دعت إليه آيات القرآن الكريم بوضوح، وإجلال، والذي ربطه تعالى بالطريق إلى معرفة الله جل وعلى ذاته. م. قنّون
جامعة السوربون
بانثيون