ملامح التجربة الإبداعية عند بدر بدير: كتاب لم تكتمل أركانه

بقلم: أحمد فضل شبلول
حين تلج عالم بدر بدير الفني، فعليك أن تتطهر

بدر بدير أحد الشعراء المظاليم في الحركة الشعرية المعاصرة، واسمه لا يكاد يعرف خارج نطاق مجموعة أصدقائه من الشعراء والأدباء، وهو لم يسع كثيرا للنشر والانتشار، حتى عضوية اتحاد كتاب مصر لم يسع إليها إلا مؤخرا نتيجة إلحاح بعض الأصدقاء، وجل وقته يقضيه في العكوف على القراءة والكتابة وتجويد أدواته الشعرية، وهو أحد مستشاري سلسلة "أصوات معاصرة" التي تصدر في محافظة الشرقية، وأسسها الشاعر د. حسين علي محمد عام 1980.
عرفتُه منذ سنوات بعيدة عن طريق الشعراء: د. صابر عبد الدايم، ود. حسين علي محمد، ومحمد سعد بيومي، والراحل عبد الله السيد شرف، واستمعت واستمتعت بقصائده وطريقة إلقائه، وتمسكه بعمود الشعر في أغلب قصائده التي ينسجها على هذا المنوال، ولكن من بوجهة نظر معاصرة، فضلا عن قصائده التفعلية.
لذا عندما قرأت كتاب "ملامح التجرية الإبداعية عند بدر بدير ـ دراسة موضوعية" لصاحبه ثروت مكايد عبد الموجود، الصادر عن سلسلة "أصوات معاصرة" العدد 149، أحسست أن الكاتب لم يوف الشاعر حقه من الدراسة والبحث والتحليل. وإنما الكتاب (68 صفحة) عبارة عن شرح لبعض قصائد بدر بدير، مع أنها في غير حاجة إلى هذا الشرح، دون الوقوف على الجوانب الفنية واللغوية والأسلوبية، أو حتى الصورة الشعرية، في تلك الأعمال. وإنما توقف مكايد فقط عند الدراسة الموضوعية، ويقصد بها إبراز ملامح الموضوع الذي يتحدث فيه الشاعر، فكانت هناك ثلاثة موضوعات، وقعت في ثلاثة فصول، هي: الجانب الصوفي في شعر بدر بدير، والجانب السياسي في شعره، والجانب الوجداني، ثم فصل أخير عن رؤية الشاعر للمشهد الثقافي الراهن.
يقول بدر بدير في إحدى قصائده التي في غير حاجة إلى شرح: يا سادتي لمن أقدم العزاء؟
والراحل العظيم ما خلَّف من أبناء
غير العبيد والخصيان والإماء
فهل يجوز أن يُقدم العزاء
لمثل هؤلاء؟
في مقدمته يقرر مكايد أن الشعر لم يعد ديوان العرب، ولم يعد الشاعر مؤرخا لقبيلته أو أمته، وإنما الشاعر يجوب أقطار النفس البشرية ويسجل آلامها وآمالها وأشواقها، يسجل عالمها، وما تحلم به من عوالم شتى، مما يجعل الشعر بحق ديوانا للنفس البشرية. وهو محق في ذلك.
ثم يتحدث عن الجانب الصوفي في شعر بدر بدير، وفي هذا الفصل يقرر أن شاعرنا "يبتعد عن خرافات العقل الصوفي الذي غرق في مستنقع الحلول والاتحاد، وهلم جرا من هاتيك الخرافات التي تبرز بجلاء مدى الخلط والوهم والحمق الذي أصاب ذلكم العقل في مقتل". وهي آراء في حاجة إلى مناقشة، خاصة أن هذا العقل الصوفي أنتج تراثا أدبيا جميلا منه أعمال محيى الدين بن عربي، وفريد الدين العطار، والنفري، والحلاج، والسهروردي، وابن الفارض، وسعدي الشيرازي، وغيرهم من أقطاب المتصوفة المسلمين. وإذا أخذنا كتاباتهم على أنها كتابات أدبية، لا تناقش قضايا فقهية أو دينية، لأحسسنا بمدى حلاوتها، وأهميتها في تراث الأدب العربي والأدب الإسلامي بعامة.
واعترف أن قصائد بدر بدير في هذا الاتجاه، لا تقارن بقصائد أو أعمال بعض من سبق ذكرهم، وإنما في الوقت نفسه لا يصح أن نسفه هؤلاء الأقطاب ونرميهم بالحمق ونصف أعمالهم بالخرافة".
ونعطي مثلا لما يقوله بدر بدير في هذا الاتجاه، ومثلا آخر من ابن الفارض:
يقول بدر بدير (من البسيط): يا قابل التوب يا غفار خذ بيدي
كي لا يضل ظلام الدرب خطواتي
هذي ذنوبي على الخدين تلطمني
فمن يخلصني من ذل لطماتي
وذاك قبحي في المرآة ألحظه
يا ذل نفسي إن لم تصف مرآتي"
ويقول ابن الفارض (من الكامل) على سبيل المثال: مـا لي سوى روحي ، وباذل نفسه
فـي حب من يهواه ، ليس بمسرفِ
فـلئن رضـيتَ بها ، فقد أسعفتني
يـا خيبة المسعى ، إذا لم تسعفِ !
يـا مانعي طـيب المنام ، ومانحي
ثـوب الـسقام بـه ووجدي المتلف
فـالوجد بـاقٍ ، والوصال مما طلي
والـصبر فـانٍ ، والـلقاء مسوفي
واسأل نجوم الليل: هل زار الكرى
جـفني ، وكيف يزور من لم يعرفِ
لا غـرو إن شحت بغمضِ جفونها
عـيني ، وسـحت بالدموع الذرَّف
***
وفي الجانب السياسي في شعر بدر بدير، يرى الكاتب أن القوم في إسرائيل يفخرون بعبريتهم، بينما نسخر نحن من لغتنا الحية العبقرية، وما حديث "الشوباشي" عنا ببعيد.
وهو قول فيه من التعميم ما فيه، لأننا لا يجوز أن نعمم حالة فردية مثل "الشوباشي" في كتابه الذي لاقى كثيرا من الاعتراض والانتقاد، فلماذا نضرب به مثلا، ولا نضرب مثلا بكتاب فاروق شوشة عن جمال العربية، ولا نضرب مثلا بكتاب العقاد عن اللغة الشاعرة، وعشرات الكتب الحديثة التي تدافع عن اللغة العربية، وهي ليست في حاجة إلى الدفاع عنها.
ولعل حرارة شعر بدير، وإسقاط تجربته الشعرية على الجميع، أو عتابه على الجميع، وصلت إلى مكايد، فلاحقه التعميم في شرحه، وفي حكمه، يقول بدير في قصيدته "ضمير عاتب": في زمان نطلق اللحية فيه
مثلما كان الجدود العظماء يطلقون
واكتفينا بلحانا
ووقفنا خارج التاريخ نلهو
وسوانا
يصنع الأحداث صنعا
وانشغلنا
بجلابيب خفيفة
تبرز الأرداف كالنسوان
لا أدري لماذا
يا بني يعرب للأثداء والأرداف
صرتم تبرزون؟
وأضعتم عمركم في ثرثرات وأحاديث هزيلة
وأنا أبكي على الأم العليلة
التي كم دللتكم
ففسدتم .. وانقسمتم
وأنا كم أسعدتني .. هدهدتني
ليتها قد وأدتكم
ليتها قد وأدتني.
***
أما عن الجانب الوجداني في شعر بدير، فليس لنا تعليق عليه سوى العبارة التي قال فيها مكايد عن قصيدة السيارة المتهالكة إنها قصيدة رائعة سنتناولها فنيا في دراستي الفنية، وينتهي الكتاب دون تلك الدراسة الفنية التي وعدنا بها الكاتب.
ويبدو أنه يجهز لكتاب ثان يتناول فيه الدراسة الفنية، وكان من الأفضل ـ من وجهة نظري ـ التأني حتى ينتهي من تلك الدراسة الفنية لأعمال الشاعر، فتصدر الدراسة الموضوعية والدراسة الفنية في كتاب واحد.
***
أما الفصل الرابع والأخير، والخاص برؤية الشاعر للمشهد الثقافي الراهن، فبه جملة من الأحكام التعميمية، التي لا أراها مناسبة في سياق الحديث عن دراسة موضوعية في شعر الشاعر.
من هذه الأحكام قول مكايد "لا شك أن ما ينشر هو لأصحاب الحظوة (جاءت الخطوة خطأ) وحملة المباخر ممن لا يملكون عقلا ولا فكرا، ولا رؤية واضحة لحياتهم هم أنفسهم، وليس للحياة بوجه عام، لكنهم يملكون القدرة على الاختراق .. اختراق الصفوف بالتملق والنفاق.
وإذا كان الشاعر يرى ذلك في شعره، في لحظة ضيق أو غضب من موقف ما، أو تصرف ما من إحدى الجهات النشر الحكومية، فلا يعطي ذلك الحق للكاتب / الناقد، أن يعمم تلك اللحظة وهذا التصرف على من تنشر أعمالهم في تلك الجهات، وأنهم لا يملكون عقلا و لا فكرا ولا رؤية، وما إلى ذلك من اتهامات وإهانات، كنت أرى أن ينأى مكايد بنفسه عنها، وكان من الأفضل اللجوء إلى التحليل الفني أو التحليل النفسي على الأقل، بدلا من شرح ما أوحى به الشاعر، وبدا مفهوما لقارئ أو مستمع قصيدته التي يقول فيها: ماذا يفيد على الأيام تغريدُ
والدوح أغربةٌ تحتله سودُ
والروض مهجورة أفنانه وعلى
ضفافه الضفدع المغرور والدودُ
لمن أغني وصوتي في تفرده
بين النقيق وبين النوح مفقودُ
وجوقة الشعر في أيامنا مسخت
أنغامه فقضى المزمار والعودُ
وانفض سامره وانقض عامره
لم يبق إلا اسمه والجسم مهدودُ
وكما نرى هذا موقف فني للشاعر بدر بدير من بعض شعراء عصره، وكان على مكايد أن يلجأ إلى تحليل مثل هذا الموقف فنيا، وليس شرحه، بنفس طريقته التعميمية.
***
أيضا مما يؤخذ على الكاتب أنه لم يذكر في قائمة مراجعه سوى ديوان واحد للشاعر هو "ألوان من الحب"، وهو مصدر وليس مرجعا، وبقية قائمة المراجع ـ والمفروض أنها مصادره ـ على مدار الفصول الأربعة: السابق ص كذا، والسابق ص كذا، وهكذا، وكان الأمر يحتاج إلى تدعيم قائمة المراجع ببعض الأعمال النقدية التي يتكئ عليها الكاتب، أو تؤيد وجهة نظره على الأقل، ولعل مكايد في غير حاجة إلى أن أذكره بأصول البحث العلمي، هذا إذا اعتبرنا أن كتابه الصغير الحجم يدخل ضمن البحث العلمي أو البحث الأدبي.
***
أخيرا أرى تناقضا بين ما ذهب إليه مكايد في حديثه عن خرافات العقل الصوفي، وما أصاب ذلك العقل في مقتل، وقوله ـ مخاطبا القارئ ـ في خاتمة الكتاب: "ها قد عدت من رحلتك في عالم شاعرنا ـ بدر بدير ـ وعلى وجهك بسمة وفي عينيك عبرة، وكأنك تبكي الإنسانية المشردة التائهة عن طريق الحق، وتنادي هلموا، ادخلوا ذلك العالم الرحب، لكن .. قبل أن تلجوا عالم شاعرنا بدر، اخلعوا نعالكم، وتطهروا، فستمرون ثمة على جنة عدن، وربما طفتم من حول العرش".
أو قوله على غلاف الكتاب الخلفي ـ مخاطبا أيضا القارئ ـ: "حين تلج عالم بدر بدير الفني، فعليك أن تتطهر، ولتخلع نعليك، فسترد "أنهارا من عسل"، وسترى "أنهارا من لبن لم يتغير طعمه"، وسترى "مالا رأت الأعين"، وستقابل "حورا عينا"، "النظرة في عينيها تسكر". لذا حين تلج عالم بدر بدير الفني، فعليك أن تتطهر ولتخلع نعليك". أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية