إلا الإسكندرية..!<br>تعليق على ما حدث في محرم بك

بقلم: أحمد فضل شبلول
وليمة اخرى لاعشاب بحر الاسكندرية؟

إلا الإسكندرية ..!
قلتُها على الفور عندما علمت بالأحداث المؤسفة التي جرت في حي محرم بك.
قلتها لأنني أعرف أن الإسكندرية ـ وأنا أحد أبنائها ـ لم تعرف طوال عصورها الحديثة، هذا التعصب الطائفي أو التناحر الديني.
قلتها لأن الإسكندرية من المعروف عنها ـ عالميا وتاريخيا ـ أنها مدينة كوزموبالتينية، منفتحة على كل شعوب العالم، وعاش فيها الكثير من الجاليات الأجنبية والعربية بكل أطيافها السياسية والدينية والعرقية، ولم تكن هناك أية مشكلة. بل معظمهم اختار الإسكندرية للعيش فيها لأنها مؤهلة لذلك. ولا تزال تعيش فيها بقايا هذه الجاليات متمسكين بها بعد قرارات التأميم: قناة السويس 1956، وقوانين يوليو الاشتراكية 1961، وما تبعها من آثار، وأيضا بعد هزيمة يونية 1967، إحساسا منهم بأنها مدينتهم الأثيرة، وخاصة اليونانيين والشوام، وبالأخص المسيحيين منهم، بكل مللهم ومذاهبهم.
وأرى أن الإسكندرية مدينة مثل باريس، تتسع لكل الفنون والآداب والأديان والملل والنحل .. الخ، لأنها مدينة لا تعرف التعصب إلا لكل ما هو إنساني وجميل.
الإسكندرية أيضا لم تعرف إلا التسامح الديني منذ أن دخلها عمرو بن العاص الذي كتب للخليفة عمر بن الخطاب بعد فتح الإسكندرية في 29/9/642م قائلا: "لقد استوليتُ على مدينة يمكن أن أقول إنها تضمُّ 4000 من القصور، و4000 من الحمَّامات، و400 مخزن، وبها 1200 من بائعي الخضراوات، و40.000 من اليهود دافعي الجزية".
وظل الوضع على ما هو عليه، بشرط دفع الجزية ليقوم حكام البلاد بحماية غير المسلمين، ولم يجبر أحد على ترك دينه، ليكون مسلما. هكذا تقول لنا كتب التاريخ.
لذا أخذني الرعب والهلع عندما عرفت بما حدث في حي محرم بك الذي ولدت فيه، وقضيت طفولتي وشبابي به، وأعرفه شارعا شارعا، وحارة حارة، وناصية ناصية، ومحلا محلا.
لقد كان بجوار بيتنا في محرم بك، كنيسة ومدرسة مسيحية إعدادية للبنات، لا يفصلها عنا سوى جدار واحد، وأتذكر أنه بعد عودة الدراسة عقب حرب أكتوبر 1973، كانت هناك بوادر أزمة تموين تلوح في الآفاق، وخاصة في السكر، فإذا بتلميذة من تلميذات هذه المدرسة تقوم بتوزيع أكياس من السكر على البيوت المجاورة للمدرسة، ومنها بيتنا، وعندما قامت بالدق على باب شقتنا ـ في الدور الأرضي ـ فتحت، فوجدتها أمامي تحمل كيس سكر، وتقدمه لي، فترددت في أخذه، وقلت لها سأقول لأمي أولا. كانت أمي تصلي وقتها صلاة الظهر، فانتظرت الفتاة في مدخل البيت (الحوش)، لحين انتهاء أمي من الصلاة، وعندما ختمت أمي صلاتها، خرجت لها، ودعتها للدخول، لتسمع منها قصة توزيع أكياس السكر، وعرفنا أن الكنسية تقوم بتوزيع السكر على منازل الشارع ـ مسلمين ومسيحيين ـ مجانا، واختارت بعض فتيات المدرسة لهذا الغرض، عندها اقتنعت أمي، وقبلنا كيس السكر من الفتاة التي كانت دائما تحضر بعد خروجها من المدرسة للسلام على أمي.
هكذا شعرت بالوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، حتى قبل أن أعرف هذا المصطلح، وما يرمز إليه.
أردت الذهاب إلى حينا الذي انتقلت منه بعد زواجي، لأشاهد ما يحدث هناك على الطبيعة، وأحاول بشكل ما التحدث إلى أي شخص مشارك في المظاهرات السكندرية، واقترب من كنيسة ماري جرجس، التي لم تكن بهذه الضخامة في سنوات طفولتنا وشبابنا، لأهمس في إذن أي مواطن مسلم ومسيحي بأن هذا لا يليق بالإسكندرية، لا يليق بمصر، لا يليق بالوطن، في هذه الآونة بالذات، فاتصلت تليفونيا مساء الجمعة بأحد الأصدقاء القاطنين بشارع محرم بك، لأطمئن عليه أولا، وأبلغه بأنني في الطريق إليه، فأخبرني أن هناك ما يشبه حظر التجول لإمكانية السيطرة الأمنية على الموقف، قبل أن يمتد إلى أحياء أخرى مجاورة مثل: كرموز وغيط العنب ولامبروزو والحضرة، وأنه لا توجد وسائل مواصلات تدخل الشارع الرئيسي أو الشوارع الجانبية المتفرعة منه.
والأمر كله من وجهة نظري لم يكن يستأهل كل ما حدث.
فمن المعروف أن العزف على وتر الشعور الديني أو العاطفة الدينية، من أخطر ما يكون، لأننا شعب متدين بطبعه، حتى وإن لم يقم البعض بأداء الطقوس الشكلية للدين في بعض الأحيان، ولكننا شعب في أعماقه متدين، لذا فمن السهل إثارته دينيا، مثلما يمكن أيضا إثارته عاطفيا، وقد تسللت أصابع خفية للعزف على هذا الوتر الحساس، وضرب المسلمين بالمسيحيين، في ظل أجواء رمضانية، وظروف انتخابية برلمانية، عن طريق عمل مسرحي فاشل، شاهدته للأسف، في القرص المدمج، بعد أن أشارت إليه أصابع الاتهام، بأنه سبب ما حدث من احتكاكات تسببت في اندلاع المظاهرات، وساندتها بعض العناصر الإجرامية التي لا يهمها الحفاظ على الروح المصرية الأصيلة، ولا على وحدة الشعب المصري، ولكن كل ما يهمها السلب والنهب والإغارة على ممتلكات الناس.
وفي رأيي أن هذا العمل المسرحي المباشر الفاشل، المطعَّم بالمشاهد السينمائية ولقطات الفيديو، وصور كثيرة ومختلفة للسيد المسيح (عليه السلام) والسيدة مريم العذراء، كان يجب تقويمه، أو تقييمه، نقديا، سواء من ناحية شكل العرض، أو مضمونه.
لذا أقول إن كسل الحركة الثقافية والنقدية مسئول بطريقة أو أخرى عما جرى.
فما دام العمل قد خرج إلى الجمهور، فكان لابد من نقده فنيا وموضوعيا، دون إثارة أي نعرات طائفية، كأن يقال: إن العمل ضعيف لأنه يحاول أن يقتفي آثار أعمال فنية أخرى كان الهدف منها كذا وكذا، أما هذا العمل المعروض الذي يهدف إلى كذا وكذا، فهو غير موفق للأسباب التالية، ويبدأ الناقد الخبير المطلع العارف بتقنيات المسرح والسينما وسيكولوجية الجماهير في التحليل الموضوعي للعمل، فيصل المتفرج ـ وخاصة الشباب ـ إلى قناعة تامة، بعدم صلاحية العمل للعرض، وبالتالي عدم التأثر بالأفكار المزروعة فيه التي تهدف في المقام الأول إلى زرع بذور الفرقة والشقاق والانقسام والتطاحن بين أبناء الوطن الواحد.
أما أن يتولى التعليق على العمل الفني غير المتخصصين، من الفريقين، ويحاول التقاط كلمات أو مواقف معينة يبني عليها ما يود إثارته من أفكار، فهو أمر غير مقبول من الناحية النقدية، بل يشوه العمل نفسه، إذا كان عملا جيدا، ويقلب موازين العمل غير الجيد، فيجعله عملا جيدا، وهكذا، حتى نصل إلى التضليل النقدي والثقافي في حياتنا.
وهو ما حدث أيضا من قبل مع رواية "وليمة لأعشاب البحر" التي أخرجت المظاهرات في جامعة الأزهر، نتيجة عدم قراءة العمل، وفهم طبيعته، على الرغم من أنها رواية ليست من أفضل الروايات العربية، بل هناك مآخذ فنية عليها، ولولا المظاهرات ما سمع بها، أو بمؤلفها، أحد.
أيا كان الأمر، فيجب أخذ العبرة والعظة مما حدث، حتى لا يتكرر حدوثه، خاصة في الإسكندرية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية