عن مصادر العنف الداخلي في الساحة الفلسطينية

بقلم: ماجد كيالي

ليس ثمة شكّ في أن سياسات إسرائيل وممارساتها القمعية والقهرية هي المسؤولة عن تكريس انتهاج الفلسطينيين للعنف، ومع ذلك ينبغي الاعتراف أيضا بأنه ثمة مصادر أخرى لهذا العنف، تنبع من المجتمع الفلسطيني ذاته، من نمط بناه وعصبياته التقليدية/القبلية (العائلية والعشائرية والمناطقية)، وعلاقاته الداخلية/الأبوية، وخلفياته الفكرية والتربوية.
وبشكل عام فإن مجتمعات بلدان العالم الثالث (وضمنها المجتمع الفلسطيني)، مازالت أقرب إلى مجتمعات ريفية، كونها لم تتعرف إلا بوقت متأخّر ومشوه وعبر الاصطدام بالخارج على قيم الحداثة والعلاقات المدنية؛ المتأسسة على احترام الرأي الآخر والاحتكام للقانون واعتبار دور المؤسسات وإعلاء شأن الفرد والحريات. والإجماع في مجتمعات كهذه لا يصدر عن مجموع الأفراد، الذين يؤلفون الذات المجتمعية، في مؤسسات دولانية شرعية، بقدر ما يصدر عن أولي الأمر (وجهاء العائلات والعشائر وكبار رجال الدين وأصحاب النفوذ)، الذين يشكلون نوعا من سلطة معنوية ووصائية (موازية)، تتمتّع بسلطات مادية ايضا. وهذه المجتمعات تولي العصبيات القبلية مكانة المرجعية، على حساب الدولة، حيث الغلبة لمن يملك مصادر القوة، المباشرة والمداورة. وهذا الواقع يشكل أحد أهم مصادر تشريع العنف والإكراه في تلك المجتمعات، التي تبدو في حالة تهميش واغتراب إزاء الدولة التي أقيمت بوسائل قهرية بعيدا عن الاجماعات الوطنية.
وتبيّن التجربة بأن المجتمعات التي تخوض الكفاح العنيف ضد الاحتلال، لاسيما في بلدان العالم الثالث، تصاب بتشوهات سيكولوجية وأخلاقية، أو بمعنى أخر تصاب بلوثة العنف حتى في إدارة أوضاعها وعلاقاتها الداخلية، بقدر العنف الذي يواجهها به الاحتلال أو الذي تواجه هي الاحتلال به؛ بحكم ضعف اندماجها الاجتماعي وتطورها المؤسّسي. وثمة أمثلة تبين أن الجماعات المسلحة التي وصلت إلى السلطة بالعنف، قامت (فيما بعد) بتوجيه شحنة العنف التي تتملّكها نحو الداخل، لحل خلافاتها الداخلية ولإحكام سيطرتها على المجتمع. وقد شهدنا كيف أن تجربة العنف الجزائري ضد الاحتلال انعكست أيضا على سيكولوجية الجزائريين، وأدّت إلى استشراء العنف لديهم، في حل خلافاتهم الداخلية.
الآن يبدو أن الفلسطينيين يتعرضون، بشكل أو بأخر لنفس الأعراض المرضية العنفيّة، إذ بات العنف الموجّه ضد الاحتلال ينعكس سلبا (بشكل أو بآخر) على الفلسطينيين ذاتهم؛ خصوصا أن عنفهم هذا بات، على الأغلب، وكأنه غاية في ذاته، غير مقنّن ولا مسيس، وغير مسيطر عليه بطريقة صحيحة؛ وهذا يتبع لتدني مستوى تطور المجتمع الفلسطيني وضعف علاقات الديمقراطية والمشاركة في حركته السياسية. والواقع فإن تفشي روح العسكرة في بنية الحركة الفلسطينية، وتغييب مؤسسات الإجماع الوطني يساهم في تغليب لغة القوة والعنف كوسيلة لحل الخلافات الداخلية، ولإحكام السيطرة، لفرض أغراض أو أهواء سلطوية أو فصائلية بمعزل عن ملاءمة ذلك لحاجات ومصالح الشعب الفلسطيني.
جدير بالذكر أن مشهد العنف الداخلي، الذي برز في الساحة الفلسطينية مؤخرا، لحل الخلافات البينية ليس جديدا، فهو غير معزول عن التجربة السياسية الفلسطينية السابقة، إبان الكفاح ضد الانتداب البريطاني لفلسطين. ففي تلك المرحلة انقسم الفلسطينيون بين تيارين: المجالسية، بزعامة الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى (وهو مفتي فلسطين) والمعارضة بزعامة راغب النشاشيبي، رئيس بلدية القدس. وقد اتّسم الصراع بين هذين الطرفين، الذين استقطبا الوطنية الفلسطينية، بالتوتّر والعنف وبتخوين كل طرف للآخر. وعندما اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى (1936ـ1939) قامت فصائل المقاومة المسلحة باغتيال عديد من الشخصيات المحسوبة على المعارضة، بدعوى بيوع الأراضي وغير ذلك، في حين شكلت المعارضة ما سمي "فصائل السلام"، التي أخذت على عاتقها مهمة ضرب فصائل المقاومين وتصفية قياداتهم بالتعاون مع الجيش البريطاني. والواقع فإن هذه القوى لم تتوجه نحو الوحدة إلا بنتيجة ضغوط خارجية، فقط، ولكن ذلك لم يمنعها من الاستمرار في التنابذ رغم تعاظم خطر ضياع الوطن الفلسطيني لصالح المشروع الصهيوني!
ولم تسلم التجربة الفلسطينية المعاصرة من هذه الأعراض المرضية، فلطالما شهدت الساحة الفلسطينية نوعا من الاقتتال الداخلي والاحتكام للسلاح بين رفاق الخندق الواحد، إن داخل كل فصيل على حدة أو بين هذا الفصيل وغيره؛ حدث ذلك في الأردن مثلا لدى انقسام الجبهة الشعبية وخروج الجبهة الديمقراطية (1968) كما حدث ذلك في لبنان مرارا بين العديد من الفصائل. وكانت أبرز محطات الاقتتال والاحتكام للسلاح، حصلت في العام 1983، في مرحلة انشقاق مجموعة من فتح (عرفت باسم فتح الانتفاضة) التي شنّت نوعا من الحرب ضد حركة فتح الأم في بيروت والبقاع وطرابلس، في محاولة منها لإجراء حسم انقلابي/عسكرتاري في الحركة لصالحها؛ وهو ما لم توفّق به، لأسباب داخلية وخارجية. وقد استعيد مظهر الاقتتال الفلسطيني في لبنان في ما سمي حرب المخيمات (في النصف الثاني من الثمانينات). ومؤخّرا شهدت بعض مخيمات لبنان بعض مظاهر الاقتتال العنيف بين المجموعات الفلسطينية المسلحة. كذلك فإن الانتفاضة الفلسطينية الأولى شهدت نوعا من القتل غير الشرعي، الذي لجأت إليه بعض مجموعات المقاومة المسلحة بحق بعض المتعاونين مع إسرائيل، إذ تبين فيما بعد أن العديد من التصفيات تمت عن غير تحقيق وعن غير وجه حق. وعند قيامها، بنتيجة اتفاقات اوسلو (1993) حاولت السلطة حسم الأمور لصالحها، في مواجهة الفصائل المعارضة، فلجأت إلى المبالغة بتعزيز دور الأجهزة الأمنية، على حساب البني الأخرى، كما لجأت إلى استخدام لغة الزجر والتهميش والقمع مع المعارضة، بدلا من استخدام لغة الحوار والمشاركة والاحتكام للشعب ومؤسساته الشرعية.
هكذا وصل الوضع الفلسطيني راهنا إلى نوع من الاحتراب الداخلي إن داخل مراكز القوى في السلطة وحركة فتح ذاتها، أو بين هذه الحركة ومعها السلطة من جانب وحركة حماس من جانب أخر، بحث بات عدد القتلى الفلسطينيين بالنيران الإسرائيلية، في هذا العام، يساوي عددهم بالنيران الفلسطينية (219/218)!
وكما قدمنا فإن واقع غلبة البنية العسكرتارية على الفصائل، على حساب البنية التنظيمية، ونوع الثقافة السياسية السائدة، وحرمان المجتمع من المشاركة السياسية، أسهم في تغذية العنف كشكل لحل الخلافات الداخلية. فالسلطة والمعارضة (سيان) تفرضان نوعا من وصاية على المجتمع، وتمتلكان سلطة لا تستمد شرعيتها تماما من الشعب ذاته، ولا من المؤسسات التمثيلية المنبثقة عنه.
عموما ينبغي عدم المبالغة باعتبار الاقتتال الجانبي نوعا من الحرب الأهلية. فالاقتتال يبقى منحصرا بين مجموعات مسلحة، ويتبع غايات سلطوية ضيقة، ولو تغلفت بشعارات براقة، في حين تجري الحرب الأهلية بين كتل مجتمعية، لدى كل منها قيم وأهداف متمايزة، وهذا غير موجود في الحالة الفلسطينية، التي يبدو فيها الشعب متوحدا إزاء أهدافه الوطنية، رغم نزاعات فصائله! وبرغم هذه الحقيقة فإن الاقتتال الداخلي مدمر للحركة الوطنية الفلسطينية، فهو يعوق تطورها ويستنزف إمكاناتها وربما يبدد إنجازاتها، وفوق ذلك فهو جريمة تعبر عن استهتار الطبقة السياسية بمعاناة وتضحيات الفلسطينيين؛ الذين قد يجدون أنفسهم يوما بعد يوم أكثر بعدا عن حركتهم الوطنية؛ وهذا ما ينبغي الانتباه إليه جيدا. ماجد كيالي