في مصادر الأزمة السياسية الفلسطينية الراهنة

بقلم: ماجد كيالي

لا يمكن التعاطي مع الأزمة السياسية الفلسطينية الراهنة باعتبارها نتاج معطيات داخلية، فقط، أي باعتبارها نتاجا لتخبّط السلطة، كما للخلافات الداخلية الفلسطينية، مثلا. فعلى رغم ما لهذه المعطيات من أهمية حاسمة، فإن هذه الأزمة تستمد مفاعيلها، أيضا، من مصادر خارجية: إسرائيلية وإقليمية ودولية، بحكم التداخل الكبير وربما العضوي بين العاملين الداخلي والخارجي في الساحة الفلسطينية.
ويمكن الجزم عموما بأن هذه الأزمة هي نتاج الفجوة في موازين القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مثلما أنها نتاج الإجحاف الكبير في المعطيات السياسية الدولية والإقليمية، لصالح إسرائيل.
مع كل ذلك فإن الأزمة الفلسطينية الراهنة، بشكل خاص، هي بمثابة انعكاس طبيعي للاستعصاء الحاصل في عملية التسوية، وللإخفاق في خيار المفاوضة، بعد مرور أكثر من عشرة أعوام على انخراط الفلسطينيين به، وهي أيضا نتاج عدم قدرة الفلسطينيين على فرض أجندتهم تماما على إسرائيل، بعد سلوكهم خيار الانتفاضة والمقاومة، وبما يتناسب مع التضحيات والبطولات التي بذلوها خلال الأعوام الخمسة الماضية.
ويمكن الاستنتاج بأن الوضع العربي السائد يتحمل قسطا من المسؤولية في مفاقمة شعور الفلسطينيين بالعزلة وربما بالعجز، أيضا، في مواجهتهم الحصارات والضغوطات المفروضة عليهم، طوال ما يقارب خمسة أعوام، من قبل الحكومة الإسرائيلية.
أيضا ثمة قسط من المسؤولية يقع على عاتق المجتمع الدولي الذي لم يستطع أن يوفر الحماية للفلسطينيين، بوضع حد لإجراءات الحصار والتقتيل والتدمير التي تنتهجها إسرائيل ضدهم (ناهيك عن إجبارها على الاستجابة لحقوقهم)، برغم التقدم الكبير في مستوى التعاطف الذي باتت حكومات وشعوب العالم تبديه تجاه قضيتهم.
وعلى المستوى الدولي فإن مواقف إدارة بوش المتفهمة للموقف الإسرائيلي، إلى درجة التساوق السياسي معه، أدت إلى عزل الفلسطينيين وإضعافهم وسد أفق التسوية أمام خياراتهم التفاوضية والانتفاضية؛ بدءا من عزل الرئيس الفلسطيني الراحل (ياسر عرفات) على أساس أنه لم يعد شريكا في التسوية، وصولا لقلب أولويات المتطلبات السياسية، من مطالبة إسرائيل بالانسحاب إلى مطالبة الفلسطينيين بإصلاح أحوالهم، مرورا بالسكوت عن تقويض حكومة شارون لاتفاقات أوسلو وعن معاودتها احتلال المدن الفلسطينية وتجاوز خطة خريطة الطريق، إلى مجرد الانسحاب الأحادي من قطاع غزة.
ولم تكتف إسرائيل في ظل حكومة شارون بمحاربة السلطة وتقويض دورها وتدمير مؤسساتها، بل إنها قامت أيضا بشن حرب مدمرة ضد الفلسطينيين بفرض الحصار المشدد عليهم، وإقامة عشرات الحواجز للتضييق على حركتهم وتصعيب عيشهم، وقد توّجت ذلك كله بإقامة جدار الفصل العنصري، مكرسة في ذلك واقع انسداد الآفاق السياسية أمامهم.
إضافة إلى كل ما تقدم فقد لعبت إسرائيل بدأب كبير على تسعير وتيرة التناقضات الداخلية للفلسطينيين، مستغلة مصاعبهم ومعاناتهم والخلل المؤسسي في نظامهم وعدم قدرتهم على التوصل إلى توافقات مناسبة، بشأن رسالتهم السياسية ووسائل كفاحهم.
وفي هذا السياق فقد استمرأت إسرائيل تأجيج الصراع بين السلطة والمعارضة، وذلك بإمعانها في عمليات التصفية ضد الكوادر القيادية في التنظيمات الفلسطينية، ونقضها لمحاولات الهدنة والتهدئة، واستفزازها المستمر لهذه التنظيمات لاستدراجها إلى دائرة المواجهات المسلحة، التي تتيح لها التهرب من المسار السياسي.
وكان شارون يتوخّى من كل هذه المواقف والممارسات، في حقيقة الأمر، التملص من استحقاقات عملية التسوية ومن ثم العمل على تقويضها أو تبديدها نهائيا، للخروج بإسرائيل من مسار أوسلو الذي ظل يعتبره كارثة على إسرائيل وخطرا على الصهيونية.
إلى ذلك يمكن الاستنتاج بأن مأزق النظام السياسي الفلسطيني، إضافة لعوامله الداخلية، هو إلى حدّ كبير امتداد لمأزق عملية التسوية على الجانب الإسرائيلي. وكل ما في الأمر، حاليا، أن إسرائيل استطاعت تصدير مأزقها إلى الجانب الفلسطيني، بحكم تمتّعها بميّزات متعددة، أهمها:
أولاً، قدرتها العالية على السيطرة على الأوضاع لديها ولدى الفلسطينيين، في حين أن الجانب الفلسطيني يفتقد للقدرة على السيطرة، حتى على أوضاعه.
ثانياً، امتلاكها خبرة في إدارة تناقضاتها الداخلية، باحتكامها لقاعدة من المؤسسات والعلاقات الديمقراطية والوعي المجتمعي، بضرورة تغليب التناقضات الخارجية.
ثالثاً، التأييد الذي تحظى به لدى الإدارة الأميركية، والتي باتت تتبنى تماما الطروحات الإسرائيلية ولاسيما الليكودية بشأن متطلبات عملية التسوية مع الفلسطينيين.
وباختصار فإن أزمة السلطة تتمثل اليوم بأنها مطالبة، من قبل الشعب الفلسطيني، بالكثير من الاستحقاقات، تتعلق بتحقيق إنجازات في خيار التسوية، وبإعادة بناء الكيان الفلسطيني على قاعدة مؤسسية وقانونية وديمقراطية، وبتعزيز الوحدة الوطنية على قاعدة التعددية والمشاركة السياسية، فضلا عن تحقيق تقدم في مجال التنمية الاقتصادية لترميم الخراب الذي لحق بالقطاعات الاقتصادية الفلسطينية خلال الفترة الماضية.
ومشكلة السلطة أنها فوق كل هذه التحديات مطالبة من قبل القوى المعارضة (وتحديدا من حماس) بالاستمرار بخيار الانتفاضة والمقاومة، واعتبار قطاع غزة قاعدة لحركة المقاومة، وبالقبول بنوع من ازدواجية السلطة، الذي تفرضه مواقف وسلوكيات حركة حماس؛ بغض النظر عن حاجات وإمكانيات الفلسطينيين.
والمشكلة أيضا أن هذه السلطة التي قامت بنتيجة عملية التسوية، وفق شروط دولية وإقليمية، مطالبة من قبل إسرائيل، والولايات المتحدة معها، بوقف كافة مظاهر المقاومة المسلحة، وهي مطالبة من قبل إسرائيل تحديدا باستحقاقات تصل حد تفتيت الصف الفلسطيني وتسعير الخلافات الداخلية، مثل ضرب البنية التحتية للمقاومة ومنع حماس من المشاركة في الانتخابات التشريعية، وكل ذلك في مقابل مجرد إثبات جدارتها لثقة إسرائيل وأهليتها للتسوية معها؛ أي في مقابل "لا شيء"!
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن إسرائيل والولايات المتحدة تتحملان قسطا كبيرا من المسؤولية عن تدهور الأحوال في الساحة الفلسطينية، من النواحي السياسية والأمنية والمعيشية، كما بالنسبة لانهيار مسار عملية التسوية وتدهور الكيان الفلسطيني الناشئ عنها.
ودليل ذلك قيام إسرائيل بالانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة، ورفضها تسليم الفلسطينيين المعابر مع مصر، وفتح ممر آمن بين الضفة وغزة، وعدم انسحابها من المدن الفلسطينية، ورفضها الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين لديها، وصولا لرفضها تنفيذ المرحلة الثانية من خطة خريطة الطريق، وكل ذلك على رغم التهدئة ووجود قيادة فلسطينية جديدة.
عموما ليس القصد من هذا الحديث إلقاء مسؤولية الأزمة السياسية الفلسطينية على عاتق إسرائيل، ومعها الإدارة الأميركية، للتهرب من مسؤولية الفلسطينيين عن هذه الأزمة. فالمقصود هنا وضع هذه الأزمة في إطارها الموضوعي الصحيح، باعتبارها أزمة عملية تاريخية، تتعلق بانسداد خيارات الفلسطينيين، سواء بالانتفاضة أو بالمفاوضة، فهي أزمة تتعلق بمآلات عملية التسوية، وبتحولات العلاقة السلمية أو الصراعية، بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.
وطبيعي في هذا السياق أن القيادة الفلسطينية، في السلطة والمعارضة، تتحمّل قسطا كبيرا من المسؤولية عن هذه الأزمة، لاسيما في جوانبها الذاتية، المتعلقة بتخلف إدارة الوضع الداخلي، وتغييب الأطر التمثيلية ودور المؤسسات، وعدم الاحتكام للقانون وللعلاقات الديمقراطية في إدارة العلاقات الداخلية. وأيضا فهم يتحملون المسؤولية عن نجاح إسرائيل في تصدير أزمتها إليهم؛ الأمر الذي ينبغي تدارك مخاطره قبل فوات الأوان. ماجد كيالي