'مسحراتي' عمّان .. دون المستوى

المسحراتي وطبله فلكلور شرق اوسطي اصيل

عمّان - لمن فاته أن يسمع طبول الحرب تقرع عليه أن يسمع طبل المسحر في ليالي عمّان الرمضانية فبعد أن ينتصف الليل بقليل وقبل أن يأتي موعد السحور بكثير وفي وقت ليس له علاقة بموعد تناول وجبة السحور تبدأ مجموعات من الشبان بالتجول في الأحياء السكنية في العاصمة الأردنية حاملين معهم الطبول يقرعونها بطريقة غير منتظمة ويصرخون بأعلى أصواتهم بكلمات غير مفهومة في محاولة لمحاكاة تجربة "المسحر" في بعض العواصم العربية التي عرفت هذا التقليد منذ سنين بعيدة.
وقد اعتاد معظم الأردنيين السهر حتى بعد منتصف الليل في رمضان. وفي اللحظة التي ينامون فيها يبدأ "المسحرون الشباب" قرع طبولهم العشوائية و"الصراخ" الأمر الذي يسبب الرعب للأطفال والإزعاج للكبار ليختلط بعد ذلك صوت "صراخ المسحر" مع أصوات الغاضبين عليه وبكاء الأطفال الخائفين مشكلين لوحة رمضانية خاصة بليالي عمان.
ويفضل "المسحرون الجدد" التجوّل في شوارع العاصمة الأكثر حظا في الوقت الذي غاب فيه "المسحر" عن المناطق الأقل حظا وذلك رغبة في تحصيل "إكراميات" مجزية مع انتهاء شهر رمضان وحلول عيد الفطر.
وقديما كان للمسحر دور هام في إيقاظ الناس وتنبيههم إلى حلول موعد السحر وتناول طعام السحور لاستقبال يوم صيام جديد في شهر رمضان إلا أنه ومع تطور وسائل جديدة لإيقاظ الناس تراجعت أهمية المسحر لتصبح أحد مظاهر رمضان التراثية وإحدى وسائل الاسترزاق لهؤلاء المسحرين الذين يتقاضون "إكراميات" من سكان الأحياء السكنية التي يتجولون بها بعد انتهاء الشهر الفضيل.
واشتهر المسحرون في عواصم عربية عديدة مثل القاهرة ودمشق وبغداد حيث كانوا يمارسون عملهم وفق أصول وتقاليد متوارثة وكان المسحرون في الأغلب يرثون هذه المهمة عن آبائهم وأجدادهم.
ويعتبر العديد من سكان عمّان أن "المستوى الفني" للمسحرين الذين يجوبون الأحياء السكنية خلال ليالي رمضان "متدن جدا" وأصبحت مهمتهم التي يفترض أنها تشكل جزء من هوية الشهر الفضيل أحد وسائل الإزعاج بالنسبة لهم وكان سكان عدد من الأحياء تقدموا بشكوى لدى مراكز الشرطة في مناطقهم للتدخل لمنع المسحرين من جولاتهم الليلية.
وحذر خبير اجتماعي في عمّان من تراجع عام في الشكل التراثي لبعض عادات وتقاليد المجتمع لصالح عادات جديدة تتسلل بسرعة من بينها العادات الخاصة بشهر رمضان المبارك مشيرا إلى أن تراجع دور المسحر يرجع إلى تراجع مستوى المسحرين من جهة وتغير عادات وتقاليد الأردنيين الذين جنحوا نحو السهر الطويل والنوم المتأخر دون تناول طعام السحور في وقته المتعارف عليه من جهة أخرى.
وتزدحم مقاهي عمّان بعد الإفطار بالآلاف من سكان العاصمة الذين يقضون ساعات طويلة في تدخين "الشيشة" ولعب الورق والنرد وتناول الحلويات والمشروبات. وتنتهي هذه السهرات في العادة بعد منتصف الليل وبانتهائها ينتهي يوم من أيام الشهر الفضيل بالنسبة لهم.
وطالب الدكتور رفعت الأحمد أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية بضرورة أن تتحرك الجهات المعنية بالمحافظة على ثقافة المجتمع وتراثه لكي تعيد ترتيب وتوثيق عادات رمضان التي كان يمارسها الأجداد بما فيها ترتيب مهنة "المسحر" باعتبارها جزء من هذا التراث وجزء من هوية الشهر الفضيل.
وأشار الأحمد إلى أن صلة الرحم والتزاور وجلسات السمر العائلية والبحث عن الفقراء والمساكين في الشهر الفضيل لمساعدتهم تراجع لدى الأردنيين لصالح الجلوس الطويل في المقاهي والخيم الرمضانية التي تنتشر بصورة كبيرة في أحياء العاصمة.
وإلى أن تتحرك المؤسسات المعنية في الحفاظ على الثقافة والتراث أو لا تتحرك ربما ستكون نهاية "المسحراتي" في عمّان في غرف التوقيف بمراكز الشرطة بسبب شكوى الناس من "الإزعاجات التي يمارسونها" والتي تؤدي إلى إيقاظ الأطفال من نومهم خائفين. (قدس برس)