التخطيط الاميركي لانجاح عملية الاستفتاء على الدستور في العراق: ماذا بعد ذلك؟

بقلم: خالد عيسى طه

المقاومة مفهوم يدخل ويقتحم كل المفردات الانسانية، فمنها المقاومة السياسية عندما يقع شعب ما تحت وطأة الاحتلال الاجنبي الذي يحاول مصادرة حقوق الشعب ونهب ثرواته وتحويله شيئا فشيئا الى تابع لمعادلة السيد الاقوى سياسيا وعسكريا. اما المقاومة الفكرية فهي عندما يتعرض الشعب الى محاولة تغييب وتغريب فكري وثقافي وتراثي ونفسي وروحي تستهدف أنسلاخ هذه الامة من واقعها الفكري والثقافي او العقائدي. اذا لكل مقاومة مد وجزر وهكذا حال المقاومة العراقية والمقاومة الجزائرية والفرنسية والايرلندية، الذين عانوا من وطأة الظلم السياسي والفكري والثقافي، وهذا ما حدث بالمقاومة العراقية التي تؤمن بالوطن وتناضل من أجله ضد أقوى قوة في العالم، بل امام امبراطورية تملك قوة السلاح والتكنولوجيا والتقنية العالية المتقدمة تدعمها قوة الموارد المادية والتي فاقت الامبراطورية الرومانية والبيزنطية وروسيا القيصرية. بهذه القوى العملاقة حشدت امريكا جميع طاقاتها لاحتلال العراق وذلك بقرار من الرئيس بوش الذي يعتقد ان العناية الالهية هي التي أرسلته لتحرير العراق من نظام صدام حسين، أي ان الله أعطاه الحق ليجرد الشعب العراقي من حقوقه ويعيده الى القرون الوسطى لتسود الفوضى والفلتان الامني وتدمير كافة البنى التحتية لمؤسسات المجتمع المدني وبهذا حطمت الانسان العراقي ذو الحضارة الممتدة الى 7000 سنة بحجة تغير النظام وتطبيق الحريات والديمقراطية، هذا هو قدر العراق ليدفع بوش ارسال 180 الف جندي ثم الحقه بـ 60 الف من المرتزقة ثم التحاق جيوش التحالف معها، ليحمل بوش مفاتيح العراق، وبهذا العمل وعند اجتياح الجيوش الامريكية العراق فان بوش بذلك قد نقض جميع الاتفاقيات والاعراف الدولية.
دخل العراق من أول يوم الاحتلال معركة التحرير وتبنت أهداف التحرير المقاومة الوطنية وكانت تتصاعد اعمالها ومقاومتها باستمرار وجود الاحتلال، وحضت المقاومة باقبال الجماهير وحرارة احتضانهم لها، رغم استغلال الارهاب لأهداف المقاومة الوطنية وأدعى الارهاب باطلاً بانه يحارب الامريكان بتفخيخ السيارات ولكن الضرر كان يقع على العراقين أكثر بكثير من الضرر الذي يقع على الامريكان، وهكذا بات الناس حيارى في التفرقة والتميز بين المقاومة والارهاب.
أمريكا وراء حق المقاومة خاصة عند عند استخدامها للعنف. وقد أقر "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" أربعة حقوق طبيعية للإنسان لا يجوز المس بها: حق الملكية، حق الحرية، الحق في الأمن، الحق في مقاومة الظلم والاستبداد. وقد اعتبرت المادة 33 من النص الثاني لإعلان حقوق الإنسان والمواطن، أن حق مقاومة الظلم هو النتيجة الطبيعية لحقوق الإنسان الأخرى. أما "إعلان حقوق وواجبات الإنسان الاجتماعي" الذي أقرته أمة جنيف، فقد أقر في المادة العاشرة حقوقا ستة هي المساواة والحرية والأمن والملكية والضمان الاجتماعي ومقاومة الظلم. واعتبرت المادة 44 أن لكل مواطن الحق في مقاومة الظلم ويحدد شكل المقاومة في الدستور.
سنتان من الاحتلال وسنتان من المقاومة، ولكن المقاومة لم تطور نفسها في الشكل الذي تستطيع ان ترضي الشعب العراقي الذي ما كره شعباً الاحتلال مثله، والاحتلال اصاب مسيرة المقاومة بالوهن والضعف فأخذت المقاومة تترنح بين ضربات الجيش المحتل وقلة احتضان الشعب اليها، والسبب في ذلك هو اختلاط المقاومة بالارهاب وتسلل الارهابين من الخارج، أدى الى أضعاف المقاومة ولم تبق على زخمها السابق وأرجح هذا التباطئ الى الاسباب التالية:
1. نجحت الجهات التي لا تريد الخير والاستقرار للعراق بزج اناسها وعملائها متسللين من دول الجوار وأمعنوا في قتل العراقين قبل ان يستطيعوا ان ينالوا من الامريكان في أهداف تحركاتهم. فأصبح القتل العشوائي عن طريق السيارات المفخخة أو تفجير القنابل الموقوتة التي تؤدي الى اضرار بالشعب العراقي وأصبح ضحايا الشعب المراد تخليصه من الظلم والارهاب أكثر من الاحتلال وظلمه وأرهابه، وان اذى الارهابين لجنود الاحتلال الذين هم في الاصل مستهدفين من أعمال العنف الثوري أقل مما يقدمه الشعب من ضحايا هذا الذي دفع الناس وحتى المتحمسين ضد الاحتلال حائرين بين ما هو مطلوب من المقاومة وما هو واقع ومستمر في عمق الضمير العراقي، ضجر الناس من استنزاف دماء الابرياء بل استاء كلما زاد عدد الضحايا وقد بلغ عدد ضحايا أكثر من 4000 ضحية عراقية في فترة ثلاثة أشهر مقابل بضع عشرات من جنود الاحتلال، وهذا أكثر من الكثير مما يجب ان يقدمه الشعب في مقاومة الجنود المحتلين قياساً على مقاومات الشعوب ضد الاحتلال. قد يبلع الشعب مصيبته مما يقوم به الاحتلال ولكنه يصعب عليه ذلك اذا كان القتل بأسم الشعب وبأسم المقاومة.
2. نجح الاحتلال مع جوقة أزلامه الخبيثة في ان يغرر في الناس البسطاء مدعين ان المقاومة الوطنية فيها مخاطر القتل المتزايد بواسطة الانتحاريين سيما وان الشعب العراقي لا يعرف من هم هؤلاء. هل هم عجم صفويون؟ أم هم موساد صهاينة؟ أم هم مرتزقة مدفوعو الأجر والثمن؟ هل هم متسللون من الجوار السلفي؟ هل هم وطنيون؟ حالهم حال رجال المقاومة الايرلندين والباسك في اسبانيا..!! هم هم ماذا..!!، فعلاً نجح دعاة الطائفية الذين أتخذوا منها وسيلة لكرسي الرئاسة، وفعلاً نجح الاحتلال ونجح الموساد الاسرائلي بخلط الاوراق حتى على المثقفين الواعين فكيف على عامة الشعب الذين لايجدون الماء لغسل موتاهم ولا قماش لتكفين قتلاهم يومياً، يذهب هؤلاء الشهداء بأكثر من عمل انتحاري في اليوم الواحد والشهداء هم عراقيون ويبقى الجندي المحتل يتبختر وراء دبابته. وكلما أمعن الانتحاريون في اعمالهم كلما أرتفعت علامة الاستفهام متسائلين أهم فعلاً جزء من المقاومة الوطنية وماذا يريدون؟!، لقد اخطأت المقاومة برائي بانها لم تعلن موقفها ضد الارهاب وتصطف مع الشعب ضد العمليات الانتحارية خاصة بعد ان فشلت في حصد هجماتها على جنود الاحتلال فقط، فجنود الاحتلال هم الهدف من المقاومة وحماية الشعب العراقي هو الاساس وأي خلل في هذه النظرية يؤدي الى ابتعاد الشعب عن المقاومة العراقية الصحيحة. كان على الوطنين ان يتراصفوا ويقفوا بحزم وعلانية للتنديد بالاحتلال وتحت شعار طرد الاحتلال.
3. المقاومة بشقيها السلمي والمسلح لم تعطي الاهمية المطلوبة لخلق الوعي والتعريف بثقافة المقاومة بين الناس واسباب ظهور المقاومة الوطنية وما هي أهداف هذه المقاومة ؟ وماذا تريد وما هي شعاراتها؟ الوسيلة الوحيدة المعبرة عن المقاومة هي الفضائيات العربية في الوقت الذي يؤمنون بالمقاومة سواء اكانوا داخل العراق أو خارجه هؤلاء المتعاطفين مع المقاومة كثيرين جداً ولكن ينقصهم التنظيم. كان على المقاومة الوطنية تشكيل جبهة ديمقراطية وطنية تضم كل الفئات وتعمل على تثبيت الشعارات الوطنية المتبناة من المقاومة الشريفة، اخفاقها في ذلك مع شراسة رجال التفخيخ والتفجير الانتحاري أدت الى طوفان سمة العنف الاجرامي وأصبح موجة تعلو على موجة المقاومة الوطنية في التعامل وأحسن مثال للمقاومة الوطنية ما جرى من مصادمات مسلحة ضد الاحتلال في الصالحية جانب الكرخ وكذلك عملية دخول معسكر الغزلاني في الموصل وكيف استطاعت المقاومة ان تعمل فيه تدميراً، ان طريقة التغافل وعدم الاحتجاج الواضح والصريح على اعمال العنف لاعداء العراق جعل الاحتلال واتباعه يتبجحون في اغراق نظرة الشعب العراقي عن المقاومة وقلة اهتمامه برجال المقاومة الوطنية.
هذه النبذة الاستقرائية التي يراد منها التفرقة بين عمليات الارهاب وعملية المقاومة الوطنية وكما أكد الميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب لإقرار مبدأ حق تقرير المصير في المادة الأولى من العهدين الخاصين للحقوق المدنية والسياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتعبيرا عن آلام الامم، نال حق المقاومة وتقرير المصير حيزا هاما في هذا الميثاق حيث جاء في المادة 20:
1- لكل شعب الحق في الوجود ولكل شعب حق مطلق وثابت في تقرير مصيره وله أن يحدد بحرية وضعه السياسي وأن يكفل تنميته الاقتصادية والاجتماعية على النحو الذي يختاره بمحض إرادته.
2- للشعوب المستعمرة المقهورة الحق في أن تحرر نفسها من أغلال السيطرة واللجوء إلى كافة الوسائل التي يعترف بها المجتمع.
3- لجميع الشعوب الحق في الحصول على المساعدات من الدول الأطراف في هذا الميثاق في نضالها التحرري ضد السيطرة الأجنبية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم ثقافية.
ان المحتل الامريكي للعراق له أجندته الخاصة ويريد ان يطبقها بأي ثمن كان ويريد لهذا التطبيق بعض الشرعية القانونية ان لم تكن كاملة وهكذا كانت الامور من زمن الحاكم الامريكي بول بريمر وتشكيل المجلس الوطني المؤقت الانتقالي ثم اجراء الانتخابات وحصول هذا المجلس على مسودة دستور دائم يرسم طريق النظام القادم لخمسة عقود هذه فقرات تشبه حبات السبحة تكُر على بعضها بايقاع ونغم منتظم أخرها هي الاستفتاء على الدستور، الشعب العراقي في معظمه يعلم ان ليس هناك أي خطوة مما تقدم هي كاملة وتعبر عن كل فئات الشعب العراقي ويعلم أيضاً ان الاحتلال طرح على الساحة السياسية مفاهيم لا تنسجم مع الوعي العراقي ولا تنسجم مع نسيجه الاجتماعي أو هرمية تكوين شرائح طبقاته المختلفة.
نحن الان بانتظار نتائج الاستفتاء، المفوضية العليا للانتخابات هي نفسها يعلو حاجبيها عجباً بان تظهر نتائج الاستفتاء في كل من السليمانية وأربيل والموصل وبعض المناطق الاخرى هي نسبة 99% وقد قررت هذه المفوضية اجراء التحقيق بمثل هذه النسبة والتي تشابه التصويت على رئاسة صدام الاخيرة التي كانت هي ايضاً 99.9%، فما أشبه اليوم بالامس، ومتى يستفيق الحكام وأصحاب القرار وحاملو مفاتيح مهزلة نتائج 99% قد انتهت، وهذا دليل برائي على وجود التزوير أكثر من الواقعية، بكل أسف ان قادتنا لا يتعظون لا بالتأريخ ولا بالواقع ومع ذلك فان الامريكان المحتلين سيجدون طريقة في تبرير هذه النتائج وسيؤخذ الاستفتاء وستفرض نتائجه على الشعب العراقي ولكن هل هذا الاستفتاء سيؤدي الى الاستقرار.
برائي لا استقرار في البلاد إلا بتطبيق الديمقراطية الصحيحة، لو اجرينا الف الف انتخاب وكتبنا الف الف دستور واستفتينا على الدستور والانتخابات وحصلنا على نسبة 99% لا نصل الى الامن والاستقرار، فالاستقرار لا يأتي بالالفاظ ولا بالشكليات ولكن بالواقع الديمقراطي، وهذا الواقع الديمقراطي الذي يؤمن باشتراك الكل لا اقفاء ولا تهميش لأي فئة في ادارة البلاد دفعاً لأي تقسيم وابعاد لأي عنصرية أو طائفية أو محاصصة وستثبت الايام القادمة كم نحن قريبون للواقع والحقيقة. المستشار القانوني خالد عيسى طه