مسرحية قبطية تثير جدلا طائفيا في مصر

القاهرة - من محمد ج. عرفه
الباب شنودة يحقق في الأمر

تحول الجدل حول مسرحية فنية مسيحية تتهكم على الإسلام، صورها شباب أقباط في كنيسة مارجرجس والأنبا أنطونيوس، بمدينة الإسكندرية المصرية، وطبعت على أقراص كمبيوتر، وزعت على طلاب بالجامعة، إلى جدل انتخابي، بعدما ألمح بيان أصدره المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس بالإسكندرية، التابع للكنيسة الأرثوذكسية المصرية، لوجود "أغراض انتخابية" وراء إثارة الضجة حولها، فيما قال مراقبون إن رد فعل الكنيسة سعى لتوظيف الحدث، والانتقال من الدفاع إلى الهجوم، ربما للتنبيه إلى قضية استبعاد الأقباط من الترشيح على قوائم غالبية القوى السياسية، في انتخابات برلمان 2005.
فقد حرص البيان الذي أصدره المجلس الملي بشأن أحداث الفتنة الطائفية، التي حدثت في الإسكندرية أمام كنيسة مارجرجس، عندما تمجهر مئات المسلمين أمام الكنيسة، يحتجون على إنتاجها وتسويقها لهذه المسرحية، على اتهام صحف مستقلة مصرية بالتحريض ضد الكنيسة، ونفى أن تكون المسرحية تتهكم على الإسلام، وشدد على أنه "لا معنى من إثارة هذه المشكلة الآن، إلا بسبب الانتخابات البرلمانية القادمة".
فيما ألمح مراقبون إلى أن بيان المجلس الملي الذي تطرق أيضا لما اسماه "الموقف الإيجابي الواضح" للكنيسة والأقباط، خلال الانتخابات الرئاسية السابقة، ربما كان يسعى للخروج من أزمة المسرحية محل الجدل، ليشير ضمنا لغضب الأقباط من عدم مكافأتهم على موقفهم في الانتخابات الرئاسية، وترشيح أعداد أكبر منهم في انتخابات البرلمان المقبلة، وهو ما لم يحدث، إذ لم يرشح الحزب الوطني الحاكم سوى قبطي واحد هو وزير الاقتصاد الدكتور يوسف بطرس غالي، كما لم ترشح جماعة الإخوان المسلمين أي قبطي على لوائحها كما كان متوقعا.
وأوضح بيان المجلس الملي، الذي نشرته مواقع أقباط مصر، أن ما نشر من عرض الكنيسة المذكورة لمسرحية تسيء للإسلام، وتسب القرآن هو أمر غير صحيح، وأن جريدة /الأسبوع/ رددت هذا الادعاء أيضا لإثارة فتنة بين المسلمين والأقباط. وقال "إن الكنيسة تحققت من أن المسرحية المنوه عنها عرضت داخل أسوار الكنيسة فقط، وفي مكان مغلق منذ أكثر من عامين، ولمدة يوم واحد في إطار محاربة الإرهاب في ذلك الوقت، ولم تحدث أثرا، ولذلك فإن إثارتها حاليا هو محاولة للبحث عن مشكلة لتفتيت الوحدة الوطنية، في الوقت الذي تعرض فيه وسائل الإعلام ما يتعرض للمسيحيين في عقيدتهم وإيمانهم على الجمهور، ولم يحدث أي ردود فعل لدى المسيحيين لهذا التعرض"، حسب قول البيان.
ووقع على البيان كل من القمص شاروييم الباخومي وكيل عام بطريركية الأقباط الأرثوذكس، والمستشار فؤاد جرجس وكيل المجلس الملي، والدكتور عيسى إبراهيم جرجس سكرتير عام المجلس الملي، والدكتور جورج عبد الشهيد، والدكتور كميل صديق ساويرس، وسامي سوس، وسمير منصور، ونادر مرقص بطرس، أعضاء المجلس الملي.
والمسرحية المسيحية محل الجدل بعنوان "كنت أعمى والآن أبصر"، وأبطالها مسيحيون، وصورت داخل الكنيسة، وتستهدف التهكم على الإسلام، وترغيب المسيحيين في اللجوء إلى الكنيسة، وعدم البعد عنها، وذلك في قالب كوميدي، حتى إنها تستعين ببعض عبارات أفلام الممثل عادل إمام في فيلم "الإرهابي"، من خلال شخصية شاب مسيحي أشهر إسلامه، وانخرط في العمل في صفوف إحدى الجماعات الإسلامية، واكتشف تطرفها، فسعى للهرب إلى الكنيسة، وتستمر مطاردته من جانب المسلمين.
ونفى سكرتير البابا شنودة الأنبا ارميا أن تكون المسرحية المسيحية غرضها تشويه صورة الإسلام، مؤكدا أنها على العكس تدافع عن الإسلام، ولا تسيء إليه، كما تصور من سمعوا عنها، لأنها تتحدث عن التطرف لا عن الإسلام.
إلا أن مسؤول كنسي في المجلس الملي قال البابا شنودة يحقق في الأمر، ومهتم به، وأنه حرص على إبلاغ قيادات أزهرية أن المسرحية مجرد محاولة فنية من شباب أقباط لمحاربة التطرف عموما، وليس التهكم على الإسلام، وألمح إلى احتمال محاسبة من قاموا بهذا العمل الفني، لأنه غير موفق.
وتقول مصادر سياسية مصرية إن توقيت تسريب أقراص المسرحية إلى طلاب الجامعات، وإثارتها على هذا النحو إعلاميا، من جانب المجلس الملي، ربما استهدف التضييق على مرشحي التيار الإسلامي المرشح لحصد عدة مقاعد أكثر من أي دورة انتخابية سابقة، وربما يستهدف أيضا فتح باب الجدل والنقاش حول تضرر أقباط مصر من عدم ترشيحهم على قائم الأحزاب المصرية، بشكل مناسب، خصوصا وأن الجدل تزامن مع إفطار الوحدة الوطنية، الذي تقيمه الكنيسة كل عام للمسؤولين الدينيين والسياسيين المصريين، كما واكب مؤتمرا لأقباط المهجر في الخارج، يناقش واقعهم في مصر.
وكانت جريدة "الميدان" المصرية قد نشرت بتاريخ 6 و13 تشرين أول (أكتوبر) الجاري أنباء عن أن كنيسة مارجرجس، والأنبا أنطونيوس بمحرم بك، صورت مسرحية تسب القرآن الكريم. وقالت تحت عنوان "بلاغ إلى قداسة البابا شنودة" إن "كل هذه المغالطات التي ذكرتها المسرحية إنما تدل على كره شديد من جانب القائمين عليها للإسلام والمسلمين". وتساءلت عن الهدف من هذه المسرحية، مشيرة إلى بداية لافتعال أزمة وفتيل جديد في مسلسل الفتن الطائفية.
كذلك نشرت صحيفة "الأسبوع" تقريرا حول ذات المسرحية، واعتبرتها معادية للإسلام والمسلمين، وحذرت من الفتنة الطائفية، التي يسعى البعض لإغراق مصر فيها. وقد أثارت هذه الأخبار غضب مئات من المسلمين، الذين تجمعوا حول كنيسة مارجرجس، عقب صلاة الجمعة الماضية، وعقب صلاة العشاء من اليوم نفسه. وردد المتظاهرون هتافات تندد بالمسرحية، وتطالب بوقف توزيعها، وتدعو في الوقت نفسه رجال الدين المسيحي إلى توضيح الموقف. وأبعدت قوات الأمن المصرية المتظاهرين إلى الشوارع المحيطة بالكنيسة، ومنعت مرور السيارات، خوفا من تفاقم الموقف، واندلاع مواجهات طائفية.
إلا أن أقباط المهجر نشروا عبر شبكة الإنترنت بيانات تحت عنوان "المسلمون يعتدون على الأقباط داخل كنيسة مارجرجس والأنبا أنطونيوس"، زعموا فيها أنه قد تم محاصرة الكنيسة من بعد صلاة العصر بواسطة جموع غفيرة من المسلمين المهددين بهدمها وإحراقها.
وزعم الخبر أن الكنيسة تعرضت لأضرار جسيمة، وأن بعض القساوسة الذين كانوا في الكنيسة قد تعرضوا لاعتداء، وهو ما نفته أجهزة الأمن المصرية، حيث لم يتعرض المسلمون للكنيسة سوي بالهتافات، كما حاصرتها قوات الأمن لمنع الاقتراب منها، فيما تدخل شيوخ وبرلمانيون لإنهاء مظاهرات المسلمين، على أمل تدخل الكنيسة لعقاب من صوروا هذه المسرحية وروجوا للفتنة.
وكان مئات المصليين بمسجد أولاد الشيخ، المجاور للكنيسة بمنطقة محرم بك، قد تجمعوا أمام الكنيسة بعد صلاة التراويح من يوم السبت الماضي، على مدار عدة أيام، رافعين شعارات تندد بالعمل المسرحي، ومرددين هتافات لا الله إلا الله محمد رسول الله، وأخذ بعضهم يتلو آيات من سورة الإخلاص.
وردد المتظاهرون المسلمون هتافات تدعو لمحاسبة قساوسة كنيسة الإسكندرية، الذين سمحوا بالتهجم على الإسلام في المسرحية، وطالبوا بضرورة وقف تداولها، وإتلاف آلاف الأقراص المدمجة المسجلة عليه المسرحية، وكذلك مناشدة رجال الدين المسيحي التدخل لمنع تصاعد التوتر، ووضع حد لهذه المشكلة. إفطار الوحدة الوطنية وجدير بالذكر أن هذه الحادثة جاءت متزامنة مع حفل إفطار الوحدة الوطنية الذي أقامته وزارة الأوقاف المصرية وحضره البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية، والدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر وأكدا فيه على أهمية تماسك الشعب المصري بقطبيه المسلم والمسيحي، رافضين أية محاولة لزعزعة الاستقرار والأمن في مصر، أو النيل من الوحدة الوطنية في البلاد.
كما جاءت قبل حفل الإفطار الذي دعا إليه البابا شنودة في الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، والمقرر أن يقام في 22 تشرين أول (أكتوبر) الجاري، وجاءت على شاكلة سلسلة مظاهرات نظمها مئات المسيحيين في القاهرة في تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي، وذلك بعد إشهار سيدة مسيحية إسلامها، حيث اتهموا المسلمين بخطفها وإجبارها على الدخول في الإسلام.(قدس برس)