إنتهى الإستفتاء ولازال العراق تحت سكين الجزار

بقلم: سمير عبيد

لا نريد الخوض في قضية عدم شرعية مسودة الدستور، كما لا نريد الخوض في قضية عدم شرعية الطريقة التي حدثت بها طريقة الإستفتاء، لأنها عقيمة وأخذت منّا جهدا ووقتا كثيرا، فالقضية مفروضة على سجناء المنطقة الخضراء، وعلى الشعب العراقي بأوامر الإدارة الأميركية التي سلقت الدستور سلقا، وقدمته للشعب العراقي كي يصوت عليه، علما إن النتيجة معروفة سلفا، وهي تمرير هذه المسودة التي تحتوي على صواعق تفتيت العراق، ليبدأ مشوار تطبيق القرارات التي وقعها بول بريمر والتي سترهن العراق الى الشركات الأميركية والغربية، وستجعل المواطن العراقي أجيرا في هذه الشركات، وغارقا في دفع الضرائب لصالح هذه الشركات، وهو المشروع الأميركي الذي يريد تطبيقه النبي الجديد بوش في الأقطار العربية.
فحاجب بوش السابق في العراق ــ بول بريمرــ وقع في آخر أسبوع، و قبل أن يغادر العراق على 100 قرار في غاية الخطورة، ناهيك عن القرارات التي وقعها طيلة فترة مكوثه في بغداد حاكما وآمرا وناهبا.
ولقد كتب عن تلك القرارات رئيس تحرير صحيفة التايمز البريطانية قبل أسابيع بشيء من الإسهاب، مما ولد صدمه عنيفة لمن قرأ ذلك المقال، بحيث تطرق الى فحوى بعض القرارات الخطيرة، وعلى سبيل المثال نذكر أنه أعطى رقم أحدى القرارات التي ستجعل الفلاح العراقي متقيدا بأوامر الشركات الأميركية والغربية، بحيث ليس من حق الفلاح العراقي إختيار ما يزرع، كما ليس له الحق التصرف بالمحصول أو الناتج الزراعي الذي يجنيه، بل الشركات الأميركية هي التي تقرر كيفية التسويق ولمن، وهي التي ستحدد الأسعار حسب مزاجها، أي سيكون الفلاح أجيرا لدى الشركات الأميركية في أرضه، وكذلك ستكون الثروة الحيوانية في العراق ملكا الى الشركات الأميركية هي صاحبة الشأن والتصرف بها، كما تكلم رئيس تحرير التايمز عن خصخصة النفط العراقي، والذي سيكون من حصة الشركات الأميركية والغربية التي ستسمح لها واشنطن بذلك، أي سيكون النفط من حصة الشركات الأميركية وهي صاحبة الشأن به من الألف الى الياء... ومن هذا المنطلق ينادي بوش دوما "لن ننسحب من العراق حتى إكمال المهمة" علما أن هذه المهمة لا يعرفها أحد عدا مجموعة المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية .. ( ربما سنتحدث عن ذلك لا حقا)!
شعور بوش بالنبوّة والذهاب الى السعودية وباكستان وسوريا!
يبدو إن الرئيس الأميركي جورج بوش على عجالة من أمره، وذلك من خلال سلقه للدستور العراقي وتقديمه بالعيوب والألغام التي يحتويها، ولفلفة نتائجه كي يتفرغ للملفات الأخرى داخل العراق وخارجه، خصوصا وهو يشعر إنه النبي الذي يأمره الله بفعل الأشياء (مثلما صرح بذلك رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والوزير نبيل شعث أخيرا، حين قالا إن الرئيس بوش قال لنا ذلك، وبرر حربه على العراق وعلى أفغانستان من خلال هذه الرؤيا، وقال لهما: والرب قال لي سأعمل دولة فلسطينية بجوار إسرائيل).
ومن هذا المنطلق وتحت نفس الشعور الرسالي الذي يعتقده الرئيس بوش يريد التفرغ الى الملف السوري، والذي يعتبره كالملف الكمبودي أثناء الحرب الفيتنامية، اي عندما شعرت أميركا بخسارة حربها في فيتنام تحركت صوب كمبوديا لتغرقها في الدم هي وشرق آسيا كلها، والأمر مشابه تماما الآن بعد حيرتها في العراق، لهذا يريد الرئيس بوش التحرك صوب سوريا وبعدها الى دول المنطقة، وتحت نفس الإحساس بالنبوّة والرؤيا القادمة من السماء،كما سيذهب بعيدا صوب "باكستان + السعودية" وهذا ما كشفته المكالمات الهاتفية بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير والتي نشرتها أخيرا صحيفة نيويورك تايمز والتي قالت أنها حدثت في 30 كانون الثاني 2003 أي قبيل الحرب على العراق، وجعل باكستان والسعودية ضمن محور الشر الذي آمن به النبي بوش بن بوش.
لهذا نعتقد إن هناك كثير من الهزات العنيفة التي تنتظر المنطقة العربية، وخصوصا منطقة الهلال الخصيب وما المناوشات المستمرة قرب الحدود بين القوات الأميركية والسورية ما هي إلا رأس الحربة في خطة كاملة تُضاف لها وتُحذف منها بعض التعديلات يوميا وحسب المتغيرات السياسية والدولية.
ومن هنا جاءت الشروط الأميركية الأربعة صوب دمشق، والتي نشرتها صحيفة التايمز البريطانية في 15/10/2005، والتي إعتبرتها واشنطن فرصة على وحي مبادرة القذافي وعلى دمشق الأخذ بها والعمل عليها، وإلا ستنال دمشق العقاب الصارم، فأن قبلتها سوف تكون هناك علاقات ودية بين دمشق وواشنطن، ومن ثم ستُفتح الإستثمارات الأجنبية في سوريا ــ حسب أقوال إدارة بوش ــ وهي طبعا إغراءات بسيطة جدا، وقد لا تحدث وإن حدثت ربما ستعود وتتعطّل، خصوصا وإن الشروط الأربعة التي وضعتها واشنطن هي بمثابة إلتفاف على القرار الدولي رقم 1559، فبعد أن تم إيقاف تطبيق القرار في لبنان بفضل صمود المقاومة وحزب الله، وبفضل صمود أنصار لبنان والمقاومة من الأطياف اللبنانية المختلفة، جاءوا هذه المرة ليطبقوا القرار المذكور من دمشق لتكون نتائجه في لبنان بشكل أتوماتيكي، ولكن من يعرف السياسة الأميركية يعرف أنها لن تكتف عند حد، وخصوصا عندما يقبل الطرف المقصود بإعطاء القلم من جيب القميص، فبعدها ستطالب واشنطن بالقميص نفسه، ثم البنطلون ثم الملابس الداخلية وهكذا.
فما هي الخطة التي توقف طلبات واشنطن لحد القلم؟... إنها حقا معضلة....!
شروط واشنطن الباطلة وتحركها المحموم صوب دمشق...! إشترطت واشنطن بعض الشروط على دمشق وهي:
أولا: تعاون دمشق التام مع محققي الأمم المتحدة، والذين يحققون في قضية إغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ثانيا: السماح بإستجواب مسؤولين سوريين مشتبه بهم في قضية إغتيال رفيق الحريري.
ثالثا: تتوقف سوريا عن التدخل في الشؤون اللبنانية تماما.
رابعا: الكف عن تجنيد متطوعين وتحويلهم ليشاركوا في أعمال العنف في العراق.
ولكن لو نظر كل منصف، وكل متابع يمتلك ضمير حي الى الشروط الأربعة، فسيجدها كلها واهية، ولا تختلف عن التهم التي وجهتها واشنطن ضد نظام صدام حسين في السابق، والمتعلقة بأسلحة الدمار الشامل العراقية، والتي إستنكرها وإعتذر عنها أخيرا وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول لأنها مسرحية كاذبه رتبها البيت الأبيض ومقر توني بلير .
بحيث تعاونت سوريا مع لجنة التحقيق الدولية والتي يقودها القاضي ــ ميلس ــ بل قال الرئيس الأسد قبل أيام قليلة الى شبكة التلفزيون الأميركية سي أن أن إننا نتعاون مع اللجنة، وسوف يعاقب أي سوري متورط في عملية أغتيال الحريري، بل أنها خيانة عظمى، وسوف يحاكم في سوريا وفي المحاكم الدولية، وهذا يفند النقطة الأولى.
ولقد سمحت سوريا بإستجواب القادة السوريين الذين طلبهم القاضي ــ ميلس ــ ومنهم المرحوم اللواء غازي كنعان وهذا يفند النقطة الثانية، أما النقطة الثالثة فلقد فندتها الامم المتحدة، حيث قال الأمين العام كوفي عنان إن سوريا إنسحبت من لبنان، و لقد صدرت بيانات من الأمم المتحدة قالت ــ إن سوريا والجيش السوري والمخابرات السورية قد إنسحبت من لبنان ــ، اما النقطة الرابعة فلا زالت سوريا تطالب بتقديم الدليل، ولا زالت تطالب بمساعدتها في ضبط الحدود، ولكن الجانب الأميركي لا يسمع ولا يرد، إذن القضية هي تهم باطلة، وأميركا تريد رأس دمشق وستكذب من أجل هذا الهدف، مثلما كذبت وكذبت من أجل الوصول الى رأس بغداد ووصلت، ومن هذا المنطلق تتحرك واشنطن وبنفس الإتجاه التي تحركت به ضد بغداد من خلال إيجاد الحلفاء وكسب ود الدول الكبرى بالحملة ضد دمشق.
رايس وجولة حد السيوف الباطلة ضد دمشق
وتتويجا لهذا التحرك طارت وزيرة الخارجية الأميركية رايس من أجل جولة على الدول الكبرى كي تكون معها ضد دمشق، وقبل أيام قليلة من إصدار تقرير لجنة التحقيق الدولية برئاسة ميلس، والتي حتما ستتهم دمشق ومسؤولين هناك بالتخطيط لعملية أغتيال الحريري، والقضية لا تختلف عن تقارير "أكيوس + بتلر" حول أتهام بغداد بأنها تمتلك أسلحة دمار شامل، كي يتبرر التدخل، وتتبرر الحرب على دمشق.
ومن هنا جاء حديث الوزيرة رايس للصحفيين الذين كانوا على متن الطائرة التي تقلها الى لندن في 15/10/2005 حيث قالت "سيكون على المجلس أن يكون مستعدا للتحرك بطريقة... تسمح بأن ينال كل ما تستحقه" وكانت تتكلم عن عملية أغتيال الرئيس الحريري وتقرير ميلس المرتقب، أي هي رسالة لمجلس الأمن أن يشد الأعضاء به أحزمتهم لمرحلة جديدة، ولقرار جديد يحمل في جوفه قرارات كثيرة في حالة رفض دمشق، وعلى الطريقة نفسها التي تم إستعمالها ضد بغداد ونظام صدام حسين، وستستمر اللعبة نفسها حتى الوصول الى إختيار دولة أوربية كي تكون فندقا دائما لإستقبال الشخصيات السورية لأجل التحقيق معها، مثلما فعلوا مع الخبراء والمهندسين العراقيين، وهناك سيتم التجنيد وتتم توزيع الواجبات وأخذ المعلومات وتحت ضغط القرارات الدولية المجحفة حتما، وعلى الطريقة العراقية، كما سيتمادون حتما للوصول الى شخصيات عليا في سوريا بحجة التحقيق، وسوف يفتحوا ملفات التسليح السوري وأمور أخرى وأخرى!
لا ينفع التفرّج... ولا ينفع النفاق يا عرب
وكعادتهم فالقادة العرب في حالة إنقسام وتشرذم حول الملف السوري، مثلما كانوا إتجاه الملف العراقي، ولهذا هناك فريقا منهم ركب موجة النفاق ضد دمشق، واللعب على الحبال، ومنهم من تطوع في مهنة "البوسطجي" ينقل الرسائل بين واشطن ودمشق بشكل سري، ولكنه منغمس بالمخطط الأميركي حتى أذنيه بل أحيانا يوزع رسائل سرية لزرع العيون داخل سوريا، وهناك من يساوم على المنافع والمكاسب في حالة الوقوف مع واشنطن ضد دمشق مثلما فعل عندما وقف مع واشنطن ضد العراق وكان الثمن تثبيت حكمه.
وهناك الذين يدفعون بالأمور ومع أميركا صوب دمشق ظنا منهم سينجون من المخطط الأميركي، وظنا منهم سيتم حذفهم من قائمة النبي الجديد بوش، لهذا يراهن هذا الطرف على الزمن والوقت، أي يظن هذا الطرف عندما تتوغل أميركا في دمشق ستطول مدة التفاتها لهم، وبهذا سيكسبون الوقت لترتيب البيت الداخلي، عسى ينجيهم هذا الترتيب من طغيان الرئيس بوش وإدارته الخطرة.
ولكن هذا الطيف والذي يفكر بهذه الطريقة هو الطرف الذي أصابه داء عمى الألوان وغياب المتابعة والتحليل، وغض النظر عن المخططات الأميركية ضده، لهذا يحاول هذا الطرف في بعض الأحيان حتى رشوة الإدارة الأميركية من خلال صفقات الأسلحة العملاقة والتي يكدسها لتلتهمها الرمال والصدأ، ويقال أغلبها وهمية أي لم تصل الى تلك الدول مع العلم تصل الملايين من هؤلاء العرب الى معامل واشنطن، ونفس هؤلاء جاءتهم الكوارث الطبيعية في أميركا هدية من السماء كي يبالغوا في التبرعات لصالح الولايات المتحدة.
كما هناك أطراف عربية خطيرة تعمل ضد العرب و العالم والمنطقة لصالح الإدارة الأميركية، لهذا أصبح هذا الطرف يتلاعب حتى بإنتاج النفط وحسب الأوامر التي تصدر له من البيت الأبيض، ويتجاوز بذلك حتى على تعليمات وإتفاقيات منظمة الأوبك التي هو عضوا بها، وهو نوعا من النفاق والتدليس.
ولكن الحقيقة المرة إن هذا النفاق والإنبطاح لا ينفع هذا الطرف، لأن الإدارة الأميركية تحمل مشروعا صهيونيا قديما يؤمن بتفتيت الجغرافية والمجتمعات العربية، وتكوين الإقطاعيات والدويلات على أسس عرقية ومذهبية وإثنية، وتحت ذرائع شتى وأغلبها مفبرك من قبل الدوائر الخاصة في الولايات المتحدة.
هل هناك فرصة لعقد قمة عربية طارئة تكون بمثابة بوصلة التغيير؟
لذا لا نجاة للعرب والشعوب العربية إلا بالوحدة، والإتفاق على عدم الدخول في حروب أميركا في المنطقة، وتحديدا ضد الدول العربية، لهذا فالعرب بحاجة الى قمة عربية طارئة تكون بمثابة القمة المنقذه للشرف العربي، ولمستقبل الأجيال العربية، وتكون منقذه لتراث ولأديان وتاريخ العرب، ولابد أن تكون قمة جريئة في قراراتها، وجريئة في التشخيص ضد العرب أنفسهم قبل الأغراب، كي يُرسم تاريخ جديد للعرب والمسلمين.... فكفى تميعا وإستهتارا يا جامعة الدول العربية، وكفى تكسيحا لأطرافك، فعار على العرب التفريط بدمشق وبعدها الرياض مثلما فرطوا ببغداد!
وعلى الجامعة العربية أن تضع حدا للمبادرات التي هي من أجل جيوب مسؤوليها لا أكثر ولا أقل، فالشعوب العربية على درجة عالية من الذكاء، فالأفضل الحد من إنغماس الجامعة العربية في الروتين والبيروقراطية وإستجداء المال لبعض الجيوب بها ....فعلى سبيل المثال إن الشعب العراقي والشعوب العربية عرفت غاية التدخل الأخير في العراق وبشكل مفاجىء، كي تشترك مع أميركا في عملية تمرير الدستور المسخ، وكي ترطب الأجواء زورا لدى الرافضين من العراقيين، ومن ثم تشترك في عملية خلط الأوراق، والثمن هو رضا أميركا عن بعض المسؤولين في الجامعة العربية، ولا ندري هل ثقلت الجيوب أم لا؟
لذا هي فرصة للشعوب العربية أن تثأر لتاريخها وتراثها وأديانها وثقافتها ومستقبل أجيالها، وتقول للزعماء العرب كفى "بوسطجية" وكفى أهانة لنا بأوامر أميركية، فأما أن ترحلوا بعيدا وتترجلوا دون صِدام لتفسحوا المجال للدفاع عن الأوطان والشعوب العربية، أو تعودوا لرشدكم وشعوبكم وتقولوا "لا" لأميركا ولو مرة واحده في حياتكم وتاريخ أنظمتكم، وبهذا ستحميكم الشعوب، وستضحي من أجلكم، فالشعوب تواقه لترى رمزا عربيا واحدا يفتح طريق الشجاعة والثبات من خلال قول "لا" بقوة الى واشنطن والمخططات التي تريد تطبيقها في منطقتنا العربية.
وأخيرا نتمنى نقل الجامعة العربية من مصر وبسرعة، كي تتخلص من الإملاءات المصرية، وتتحرر من سطوة المؤسسات المصرية الخاصة، وهي الخطوة الأولى نحو إحياء الجامعة العربية، وقبل أن تفتح مصر قناة السويس للبارجات الأميركية نحو دمشق مثلما فعلتها ضد بغداد. سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي samiroff@hotmail.com