حول نعم للدستور.. رغم تحفظات سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي

بقلم: بيان صالح

ضمن سلسلة الحملات الدعائية المستمرة من قبل الأحزاب والكتل السياسية للاستفتاء على مسودة الدستور المقرر إجرائه في 15 الشهر الجاري أدلى سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد موسى في مقابلات صحفية موضحا وجه نظر الحزب حول مشاركة الشعب العراقي بنعم للدستور وتوضيح المبررات المخزية في اختيار النعم للدستور. الغريب إن حزبا حامل اسم الشيوعية وشعار كبير وبارز باللون الأحمر (يا عمال العالم اتحدوا) أن يناشد الشعب بنعم لمسودة دستور رجعي وطائفي وغير إنساني ومشروع أميركي بحت وبعيد كل البعد عن أمال وطموحات الشعب العراقي بكل ما تحتويه بنوده المصاغة من قبل مجموعة منتخبة من قبل الإدارة الأميركية وغير شرعية وكتل سياسية متصارعة حول مقاعد الحكومة القادمة واستمرار خلافات تلك الكتل على إجراء تعديلات تتناسب مع مصالحهم.
والأمر الغائب والمفقود تماما هو مشاركة الشعب في صياغة هذا الدستور بل قيام تلك الزمر والكتل باشغال الشعب بصراعاتهم وتهميشه وإبعاده عن المشاركة الفعلية في العملية السياسية وحتى عدم توفير الفرصة الكافية لتوعية الشعب بأهمية ودور الدستور في رسم مستقبلهم.
يقول سكرتير اللجنة المركزية بكل جرأة "الدستور هو محصلة لصراع، وتوافق المصالح وهو بالتالي، شئنا أم أبينا، رأي الأغلبية الفائزة. لنا على هذا الدستور تحفظات لما ينطوي عليه من نواقص وثغرات" حيث يبرر الموافقة بنعم للدستور لأنه رأي الأغلبية الفائزة. ولكن أي معيار للفوز يقصد السيد سكرتير اللجنة المركزية؟ هل تم اختيار الأغلبية الفائزة عن طريق انتخابات نزيهة ومشروعة من قبل الشعب أو تمت عن طريق التقاسم الطائفي والمذهبي والقومي كمقترح أميركي تحت غطاء من الانتخابات المشوهة؟ وهنا يطلب من الشعب القبول وعدم رفض الدستور لأنه شئنا أو أبينا هو مسودة الأغلبية الفائزة. هل هذا هو موقف حزب شيوعي؟ إن يتستر على جرائم الأحزاب الدينية والقومية ومشاريع الدول الرأسمالية الكبيرة ويبرر برامجها ويحث الشعب على القبول بالواقع القائم وعدم خوض صراعات سياسية واجتماعية من اجل مصالحه ومتطلباته الآنية والمستقبلية.
يناشد الحزب الشيوعي العراقي وعلى لسان سكرتيره، الشعب العراقي للتصويت بنعم لدستور يعيد عجلة المجتمع إلى القرون الحجرية وإلى دستور يمحي الهوية الإنسانية للفرد العراقي ويبدأ بتقسيمه على أساس الطائفية والمذهبية والقومية. يحث الحزب الاستفتاء بنعم لدستور إسلامي ورجعي وطائفي ويطلب من الشعب الاستسلام للواقع المرير المفروض عليه والذي عانى كثيرا تحت ظلم اشد الحكومات ديكتاتورية ولأكثر من ثلاثة عقود.
أن من أهم تحفظات سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي هو الجانب التنظيمي وآلية عرض الدستور وعدم التحفظ على محتوى مسودة الدستور الخالي من أبسط السمات والمميزات المدنية والحضارية التي تليق بتوقعات الإنسان في القرن الحادي والعشرين. يناشد الحزب الشعب بنعم للدستور وإبعاد الشعب في الدفاع عن حقوقه السياسية والاقتصادية والمدنية، لان ذلك كفيل كما يأمل السيد سكرتير اللجنة المركزية بتغيير توازن القوى في الجمعية الوطنية، لا ندري هل يتم تغيير توازن القوى على الساحة السياسية عن طريق الأمل والحلم؟ ما هذا التناقض كيف يتم تغيير توازن القوى لصالح مجتمع مدني وحضاري بعد ترسيخ وإعطاء الشرعية لدستور مصاغ من قبل كتل سياسية طائفية وقومية رجعية ومناشدة الشعب بعدم رفض هذا الدستور اللاانساني واللاحضاري، إلا في حالة حصول "معجزة ألاهية وسماوية" بعيدة عن ارض الواقع يمكنها تغيير توازن القوى! في العراق.
وبخصوص المبررات الذي استنتجتها اللجنة المركزية في التصويت بنعم للدستور يقول سكرتير اللجنة المركزية "نحن ندعو كوننا حزباً سياسياً وعلينا مسؤولية أخلاقية وأدبية ان نساعد المواطنين على الاختيار ونعرض لهم واقع الحال بحلوه ومره وبحصيلته النهائية وفي اطار ما نطمح له من استكمال للعملية السياسية وفتح آفاق لتطور البلد وانهاء للفترة الانتقالية". أي عملية سياسية يقصد السيد السكرتير استكمالها؟ هل يقصد عملية النهب والسرقة والفساد الإداري والإرهاب والقتل اليومي في المدن العراقية؟ لقد سمعنا كثيرا الادعاءات والوعود الكاذبة من قبل الأحزاب السياسية والقوات الأميركية قبل الانتخابات السابقة بتغيير الأوضاع نحو الأحسن بعد انتخاب الجمعية الوطنية ولكن العكس كان واقعا. تدهورت الأوضاع نحو الاسوأ، تزايدت العمليات الانتحارية وتصاعدت الحرب الطائفية في الشوارع، والانفلات الأمني المتصاعد وقتل الأبرياء يوميا، والفساد الإداري ونهب الدولة، وانعدام الخدمات الصحية والاجتماعية.
اما في مسألة مساواة المرأة العراقية فيقول حميد مجيد "وتتلخص في اننا نتحفظ على كل الفقرات التي تخل بالطابع المدني – الديمقراطي للدستور وبكل ما يقيد او يعرقل مساواة المرأة بأخيها الرجل."
لقد كان تحرير المراة العراقية ومساواتها الكاملة احد الميادين النضالية للشيوعيين والتحررين في العراق وقدموا تضحيات غالية بالوف من المناضلات والمناضلين، واثمر ذلك في تشريع العديد من القوانين التقدمية والتي كانت بحاجة ماسة الى تطويرها لكي تضمن المساواة الكاملة للمرأة ولكن النظام البعثي الغى الكثير منها، واكملت الهجمة الرجعية على حقوق المراة ومساواتها بالقوانين البائدة التي طرحت في مسودة الدستور الذكوري. كيف يقبل الالوف من الشيوعيين والنساء التحرريات التصويت بنعم على الغاء كل مكتسبات المرأة العراقية لعشرات السنين وتهميش دورها؟ المصوتون بنعم يشاركون في تعزيز اضطهاد المرأة العراقية وترسيخ علاقات اقتصادية واجتماعية تعزز دونيتها وتهمشيها ومن الممكن ملاحظة ذلك بوضوح في المحافظات الجنوبية التي تسيطر عليها الاحزاب الاسلامية والتي لها دور كبير في الحكومة وتشريع الدستور.
يشير أيضا سكرتير اللجنة المركزية بقوله "الدستور فيما يحتويه يعبر إلى حد غير قليل عن رغبات وأماني المواطنين".
أين تكمن تلك البنود التي تعبر إلى حد غير قليل عن رغبات وأماني المواطنين؟ ربما يتكلم السيد سكرتير اللجنة المركزية عن مسودة دستور أخر غير تلك التي بين أيدينا!
هل يقصد هذا الدستور المرجعيات القرووسطي مما يعزز انتهاك حقوق الإنسان ويستند الى أحكام وبنود غير متلائمة مع روح العصر بل أحكام عفا عليها الزمن؟ أم يقصد دستور ينتهك بشكل سافر حرية العقيدة والمذاهب الأخرى غير المسلمة؟ أم دستور يلغي الاعتراف بجميع المواثيق العالمية لحماية حقوق الإنسان وحقوق المرأة واللائحة العالمية التي تحترم الفرد على أساس إنسانته وليس مذهبه ودينه أو قوميته؟ ربما يقصد الدستور الذي يقوم بإعادة تطبيق أبشع القوانين الاستبدادية، التمييز والروح الطائفية، الاضطهاد والتفرقة، السجون وعقوبة الإعدام، شرعنة الاحتلال، واعطاء الاسلاميين والقوميين الشرعية الكاملة وترسيخ سلطاتهم وقمع الحركات اليسارية، الانسانية والتقدمية في المستقبل؟ بيان صالح bgubrail@yahoo.dk