ديمقراطية صنعاء على مقياس كراجيسكي الشهري

بقلم: فيصل جلول

لا بأس من استرجاع تصريحات أدلى بها سفراء الولايات المتحدة والناطقون باسمها عن بلدان عربية معينة خلال أسبوع واحد: الاستفتاء الجزائري حول ميثاق السلم والمصالحة غير ديمقراطي.لا ديمقراطية في لبنان من دون نزع سلاح حزب الله والمخيمات الفلسطينية. لا ديمقراطية في فلسطين من دون ضرب المقاومة الفلسطينية.يتوجب البحث عن بديل للنظام السوري ولا بأس من أن يكون عسكريا “ديمقراطيا”. توقفت الديمقراطية في اليمن. على النظام في موريتانيا أن يعيد الديمقراطية سليمة كما استلمها. بالمقابل: العراق هو الديمقراطية العربية الوحيدة في المنطقة. لا يتحدث سفراء الولايات المتحدة عن الصومال الذي صار خارج التاريخ بعد الضغوط “الديمقراطية” الأمريكية على نظام الرئيس الراحل محمد سياد بري، ولا ذكر للديمقراطية في جيبوتي فهي تقع في نطاق التقييم الفرنسي للديمقراطية.أما الديمقراطية في عدد من الدول العربية المتحالفة مع واشنطن فهي بخير. هذا مختصر مفيد للمشهد الديمقراطي في العالم العربي منظورا إليه بعيون امريكية.
يتحول سفراء واشنطن في ضوء هذا المشهد شئنا، أم أبينا، إلى مفوضين ساميين يقولون ما ينبغي عمله وما لا ينبغي للدول العربية ومعارضيها فإذا ما أنصت هذا الزعيم أو ذاك لما “هو مطلوب منه” على حد تعبير الرئيس جورج بوش فلا بأس من الضغط على معارضيه لصالح “الديمقراطية” التدرجية وإن لم ينصت فلا بد من تطبيق “الديمقراطية” فورا وبالتالي إطلاق أصوات وأحزاب وأقلام بالجملة تنهش بالدولة والوطن “المارق” وتلعن الاستبداد والتحكم برقاب العباد والتلويح لحاكمه بتقارير الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن وبتحريض جيرانه عليه و... الخ.
موقع المفوض السامي يجعلنا نتخيل سفيراً أمريكياً في هذه العاصمة العربية أو تلك يستدرج حسد زميل له في أمريكا الوسطى ودول الموز كونه يملي إرادته على دولة عربية عريقة في تاريخها وليس على دولة مفبركة لا قيمة تاريخية لها. ويمكن للخيال أن يذهب إلى أبعد من ذلك إذا ما التأم اجتماع مفترض بين سفراء واشنطن في العالم العربي تروى خلاله طرائف ونوادر وعبارات عن خبايا الحكام ومعارضيهم وتستخلص خلاله دروس وعبر عن أفضل السبل والأدوات الكفيلة بإدارة مسار الحكم والمعارضة في هذه الدولة أو تلك.
وحتى لا نتجنى على سفراء بوش بحديث افتراضي يحتمل التأويل فلنقترب من الواقع عبر الضجة التي أثارها تصريح السفير الأمريكي توماس كراجيسكي في عدن الأسبوع الماضي إذ قضى في مقابلة مع صحيفة “الأيام” اليمنية أن الديمقراطية توقفت في اليمن.لماذا يا سعادة السفير؟ لا جواب.قبل شهور كان السفير نفسه قد طلب من المعارضين ومن الصحافة التخفيف من اندفاعهم في انتقاد الحكم: لماذا يا سعادة السفير؟ لا جواب. هل يعقل للديمقراطية اليمنية أن تكون “عال العال” في شهر مايو/ أيار وأن تتوقف في شهر أكتوبر/ تشرين الأول ثم تعود للانطلاق في شهر ديسمبر/ كانون الأول؟ لا يحتاج السفير إلى الإدلاء بجواب فهو يدرك والحكم اليمني والمعارضة تدرك أن الجواب يكمن في مكان آخر ويتصل بقضايا أخرى لا صلة لها بالديمقراطية والحرية والتعبير... الخ.
قبل أكثر من عامين أعجب كثيرون بعبارة أطلقها الرئيس علي عبدالله صالح إذ قال: “قبل أن يحلق لنا الآخرون فلنحلق لأنفسنا بأنفسنا”، كان الأمر يتعلق حينذاك بمكافحة الإرهاب وليس بالانبطاح أمام الآخرين وتسليمهم مفاتيح المنازل اليمنية والاستقالة من الدنيا والآخرة. والحق أن مبرر “الحلاقة الذاتية” مفهوم بمقياس القانون الدولي: ينطلق مواطن من بلدك ليدمر منشأة في بلد آخر. يسألك رئيس الدولة المتضرر من الانفجار أن تتحمل مسؤولية ما فعله مواطنك وأن تردع آخرين عن القيام بأعمال مشابهة وإن لم تفعل أي “لا تحلق لنفسك بنفسك” فهو قد “يحلق لك” بأساطيله وبوارجه وترسانته العسكرية مفترضا عن حق أنك تتبنى عبر مواطنيك فعلا حربيا ضده.
انحصرت “الحلاقة الذاتية” اليمنية بالانكباب على ظاهرة المسلحين المتنقلين على جبهات القتال في أنحاء العالم. واعتمد الحكم في مواجهتها خطين، الأول يقضي بإحالة المسؤولين عن تفجيرات كول وليمبورغ إلى القضاء وقد صدرت أحكام ضدهم، والثاني ينص على إعادة دمج غير المتورطين بأعمال إرهابية في الحياة المدنية والسياسية اليمنية عبر الحوار وهو ما تم بقدر كبير من النجاح، وحين لا يفلح الخياران لم تتردد الحكومة في استخدام القوة ضد المتمردين أو في التعاون مع الولايات المتحدة عسكريا في مجابهتهم كما حصل في قضية “أبو علي الحارثي”.
الظن الغالب أن السفير كراجيسكي في صنعاء يريد أكثر من ذلك فلربما أوقف الديمقراطية اليمنية على الإشارة الحمراء لأن صنعاء رفضت الخوض في تصفية حسابات أمريكية سابقة مع الشيخ عبد المجيد الزنداني والتيار الإسلامي اليمني.فهي لا تعتقد أن الإسلاميين اليمنيين يريدون احتلال مدريد وروما على ما يزعم الرئيس جورج بوش في آخر خطبه “الجليلة”.لا بل ثمة من يرى أن غرقه في المستنقع العراقي يحمله على المزيد من الهروب إلى الأمام وبالتالي الضغط على الدول العربية لخوض مجابهات مسلحة مع تيارات الإسلام السياسي سواء تورطت هذه التيارات أم لم تتورط في الإرهاب.
من الطبيعي أن تثير الممانعة اليمنية حفيظة السفير الأمريكي في صنعاء فهو يمثل مصالح بلاده وإذا كانت هذه المصالح تقتضي حربا أهلية يمنية عبر التصدي للإسلاميين فهو لا يرى حرجا بالضغط في اتجاهها، في حين يعرف اليمنيون أنهم خرجوا لتوهم من حروب أهلية مدمرة وأنهم يدفعون وسيدفعون إلى حين كلفتها الباهظة ويدركون أن ديمقراطية السفير الأمريكي الشهرية تبدو سخيفة أمام وحدتهم الوطنية.
من حق السفير الأمريكي في هذا البلد أو ذاك أن يتصرف كمفوض سام وأن يفعل ما يحلو له ومن حقنا على حكامنا ومعارضينا أن يتمتعوا بالحد الأدنى من الكرامة واحترام الذات والقول لسعادة السفير: كن مؤدبا والتزم حدودك الدبلوماسية فنحن لسنا هنودا حمرا ولا ننتمي لجمهوريات الموز. فيصل جلول