قصة قصيرة: نهار قتيل

بقلم: ابراهيم سبتي

النهار طلع باردا..المكان موحش مهجور، البرد يحوم فوق الخرائب.. السماء ملبدة بغيوم سود تنذر بنهار ممطر، كل شيء كان صامتا.. المكان نابت فوق صمت مطبق، المتارب المتناثرة تنتشر حول الخرائب، تلمست خطاي بين نثار الحصى والحجر، ورحت اقترب من مكان التواجد المفترض للرجال الذين رأيتهم أمس، لا ادري ما الذي جعلني انتفض مبكرا واتسلل من البيت دون ان يحس بي احد، لم استطع مقاومة رغبتي في الوصول إلى مكان عملهم.. اتلمس خطاي بمهل وانا انظر إلى البلدة النائمة خلفي، في ساعة كهذه لا احد غيري يسير باتجاه الخرائب، اقترب من اماكن مخيفة لصبي بعمري.. اماكن مهجورة إلى حد ان الغرباء قالوا للناس الواقفين يومها هذه ارض مسكونة لا تقتربوا منها، من يقترب سيجازف بحياته، ستسحبه اياد مجهولة وترميه في الاعماق السحيقة، جفل الناس للتحذير ولم يدن أحد من تلك الاماكن قط.لكني كمن لم يسمع شيئا، لم يدر في خاطري ما الذي سيحدث لي، فقررت ان ارى ما يفعله الرجال في الخرائب، كان احدهم ذا لحية شقراء يضع نظارة دائرية والاخر طويل القامة يعتمر قبعة والاخرون رجالا من البلدة يعملون في الحفر منذ شهر. الرجل ذو اللحية الشقراء سمعت احدهم يناديه بالمستر (تايلر)، سابقت الزمن وحدي في نهار بارد اسير متلفتا للوصول إلى خرائب الموقع، قبل ان ياتي الرجال، سابقتهم جميعا وكنت اعرف باني ساصل قبلهم، ساصل إلى الموقع الذي تركوه امس هائما وحدي في بر شاسع.. الامس طواه اليوم.. اليوم ربما سيصيح المستر (تايلر) بوجه الحفارين الذين غادروا الموقع امس في وقت متأخر من الغروب.. لم يعجبه ذلك، فراح يصرخ بهم: (ابقوا قليلا، ابقوا فالوقت مبكر، لم ننجز شيئا)، ولكنهم عادوا يحملون المعاول والازاميل تحت صرخاته وصمت زميله صاحب القبعة، دنوت من الخرائب، حفر متناثرة، صغيرة هناك وكبيرة هنا، متناثرة امام كتلة صلدة هائلة من اللبن مغلفة بجدران سميكة، عرفت من ابي انها زقورة، وقد سمعها من (تايلر) في اول قدومه للموقع. كنت اشعر دائما بان المستر(تايلر) لا يستطيع منعنا من الاقتراب، ولكنه نجح في ابعاد الكبار بقصصه المرعبة عن حفر الخرائب، فجأة صاح بي صوت خمنته صادر من اسفل احد المتارب، كان الصوت قويا مدويا.. جفلت في مكاني، ارتعبت ووقفت مشدوها انظر إلى المقطع المقابل، فكرت بالهرب لكني لم اقدر على التحرك خطوة واحدة، نظرت بخوف نحو التل الترابي، لم ار شيئا، عندها قفزت فكرة إلى رأسي بالاختباء في احدى الحفر القريبة، لكن الصوت المدوي يجيء سريعا في الفضاء الاخرس فلم استطع إلا ان ابحث وانا متسمر بين الحصى ابحث في التل المنتصب امامي رغم يقيني بوحدتي في هذا الوقت ولا احد غيري، فالبلدة نائمة، والوقت مبكر في حضور الرجال. لكن الصوت عاد راعدا..
-أنت .. هيا، لا مكان لك هنا!
لم اجبه، بل ازددت اقترابا منه، ارتجفت وانا ارى الرجل ذا اللحية الشقراء وقد اقعى كلبه بجانبه فيما وقف الرجل الطويل صاحب القبعة في زاوية بعيدة صامتا. كرر الرجل طلبه بحدة، لكني دنوت منه، فتململ في غيظ وهتف واقفا:
-قلت ارحل.. لا مكان لكم هنا، هذه منطقة محظور عليكم الاقتراب منها.
لم يكتف بذلك بل تقدم نحوي ومسكني من ذراعي اليمنى وجرني ثم ألقى بي إلى الارض، نهضت متمايلا ، ابتعدت عنه بخطوات متثاقلة وظل نظري ملتصقا به، عثرت مرتين وانا اسير بين الحصى مترنحا، وقفت ارميه بنظرات غاضبة، تقدم نحوي هائجا وقال محتدا:
-هيا اسرع، غادر المكان ولا تعاود ثانية والا ستلقى ما لا يرضيك!
لملمت دهشتي واجبته متعاليا:
-لم افعل شيئا يغضبك!
رد كالمصعوق وهو ينظر إلى زميله:
-ولد ممل، متعب! يا(هايدل)
اجبته ببرود
-لم افعل شيئا يغضبك!
رد كالمجنون:
-لا تقل ذلك.. اللعنة على هذا الاصرار، لا اريد احد هنا، احس بالقرف عندما ارى احدكم يقتحم علي المكان، ثم اشار باصبعه نحو خرائب الموقع قائلا بهدوء مفتعل:
-علاقتنا بهذا المكان اقوى من علاقتكم به!
قلت ساخرا:
-علاقة الذئب بالفريسة!
واستدرت نحو البلدة التي غطتها خيوط الصبح النازلة رغم ان السماء قاتمة، تحت وابل صرخاته، لكني رأيت رجالا يحملون المعاول والأزاميل يتوجهون نحو الرجل ذي اللحية الشقراء، توقفت انظر اليهم، التأموا به بعد لحظات، شدني المشهد، قررت ان ارقب عملهم.. ساروا بضع خطوات إلى الامام ثم نزلوا إلى احدى الحفر الكبيرة واختفوا في جوفها.. لم اعد ارى أي واحد منهم، قلت لأذهب وارى ما سيفعلوه، تقدمت بحذر، بحذر شديد، وكنت اخشى ان يفاجئني المستر (تايلر) ويطردني، لكني نجحت في تقدمي ولم يشعر بي احد، وصلت إلى مشارف الحفرة، هوة كبيرة واسعة. غاص الرجال في اعماقها.. المستر يوعز للرجال بالحفر قرب جدار بان جزء منه فيما اقعى الكلب خلفهم يصدر هريرا خفيفا وكان الرجل صاحب القبعة يذرع الهوة جيئة وذهابا ينظر بترقب إلى الحفارين.
كان الحفارون مذعنين جدا لما يقوله لهم المستر فراحوا يزيلون التراب عن الجدار الذي بدأ ت تظهر معالمه المندرسة، توقف العمل فجأة، فران صمت موحش في الهوة الواسعة.. المستر أمرهم بذلك.. رجع مع زميله إلى الخلف وقد ارتسمت الدهشة على وجهيهما..لكن المستر (تايلر) كان مذهولا اكثر، خلت ان ثمة شيء قد رأه في الجدار..وجه كلامه إلى زميله:
-(هايدل).. لقد تغير الزمن يا صديقي!
رد (هايدل) الذي ظل يراقب المكان بعينين قلقتين:
-لا تحلق في الخيال.. نحن في اول الطريق!
نظر اليه مستر (تايلر) ذاهلا وقد تلجلج في كلامه:
-بعد قليل.. سيتحول السراب إلى حقيقة!
التفت الى الحفارين وامرهم بازالة التراب الذي يغطي بقية الجدار.. أصوات المعاول والمقاشط تلعلع وسط فضاء الهوة. كنت ارقب كل حركة تصدر منهم.. لكني خشيت ان يراني الكلب فينهار حلم مواصلة النظر.. فالكلب راح يطوف بنظره حول المكان حتى اني خلته قد رآني لكنه لم يفعل شيئا.. أو هكذا قلت في نفسي.. ارتعدت السماء ثانية.. الريح بدأت تشتد، رفع المستر (تايلر) رأسه ضاحكا، ثم التفت إلى صاحبه وسمعته يقول:
-ستظهر معالم هذا الجدار واضحة، مطرة غزيرة واحدة تكفي.. لم اعرف ما الذي قصده، لكني احد الحفارين قال له متعجبا:
-ان المطر سيغرق الهوة.. سنغرق يا مستر.. وربما ستنهار المتارب فوق رؤوسنا، فسيول المطر لا ترحم.
لم يرد المستر بشيء، بل اكتفى بالنظر إلى وجه الرجل وضحك ضحكة هستيرية هزت المكان.. رايته يجلس على التراب وقد كسر بضحكته الصمت الموحش ثم راح يقفز ليهوي على الأرض لاهثا.. الحفارون في ذهول.. السماء ارتعدت بقوة.. زميل المستر صاحب القبعة يقف جانبا.. (تايلر) يطلق ضحكات كالمجنون، نام على التراب وقد مد ذراعيه وساقيه وكأنه جسد بلا حراك.. انتفض من مكانه وسط حيرة وارتباك الرجال .
-سنصل يا (هايدل).
صفير الريح يشتد وحبات المطر بدأت تتساقط.. اقترب الرجال من الجدار وباشروا العمل ثانية، نهض الكلب يبحث عن مكان يحميه من المطر الذي اشتد، المستر (تايلر) المبتسم يقتفي امتداد الجدار من نقطة تواجدهم إلى اليمين قليلا.. الكلب يهز جسده المبلل وهو يسير بمحاذاتهم.. ثيابي المبللة التصقت بجسمي المرتعش ولم افكر قط بمبارحة المكان، فلففت راسي بكوفيتي البالية ورحت ارقب الرجال المتصلبين كالحجارة، غرق المكان كله بالوحل.. فظهرت كسرات الفخار منتشرة في الرمل الذائب.. صرخ صاحب المستر:
-ما هذا؟ ماهذا؟
كان المطر قد ازال التراب العالق في نهاية الجدار فبرزت ملامح فتحة فيه.. صرخ المستر (تايلر) تحت زخات المطر:
-وصلنا.. وصلنا يا (هايدل).. ألم اقل لك مطرة غزيرة تكفي؟
راح (هايدل) يزيل الطين اللاصق بيديه ثم هجمت المعاول فكبرت الفتحة وبان شكلها.. سمعت (هايدل) يصيح بصاحبه:
-فجوة عميقة يا مستر (تايلر) .. ربما نفق، نفق طويل!غير أن المستر جفل قبل ان يضع قدميه في المدخل.. شجعه (هايدل) وفهمت من إشاراته انه يحثه على الدخول لكن المستر اقترح دخول الحفارين أولا ، دلفوا يحملون معاولهم وفانوسا صغيرا.
قفز (تايلر) كالمصعوق في جوف النفق ولحقه صاحبه كالمذهول.. سبعة حفارين هم كل عدة المستر في عمله منذ شهر داخل الهوة.. رجال من البلدة اختارهم بنفسه لقاء اجر متفق عليه.. غصت في رمل السطح المبلل وانا انظر إلى الهوة التي هجرها الرجال.. المطر ما زال يهطل بغزارة مخيفة.. قلت في نفسي:
-لأغادر المكان قبل حدوث طارئ ما.. فكل شيء صار مرعبا في نظري.. لا اعلم ما الذي جعلني أتوجس خيفة في القادم من اللحظات.
المستر مع رجاله داخل النفق.. الوحل ملأ الحفرة الكبيرة.. الكلب يهز جسده المبتل خارج النفق.. لم يدخل معهم.. بل ربض كالخائف امام الفجوة، يصدر هريره متلفتا وكأنه يريد المغادرة وترك صاحبه. لكني فوجئت تماما بخروج (هايدل) صاحب القبعة وحده من النفق.. خرج مترنحا كالمخمور..سحب الكلب الخائف من رقبته.. سحبه بقوة وسط صفير الريح المصحوبة بمطر خفيف، ظل الرجل يسحبه،لكن الحيوان المسكين يقاوم بعناد.. سمعت المستر يصرخ من الداخل:
-اسرع يا (هايدل) احضره.. لا تتركه وحده..
بعد ساعة توقف المطر تماما، نهضت واقفا وشعرت بان رعشة جسمي تحولت إلى آلام ، فكل الوقت ظل المطر يوجعه بشدة. التمعت في رأسي فكرة النزول إلى الهوة لكني خشيت انهيار سفح الكثيب الرملي من تحتي.. تحركت قليلا إلى امام ابحث عن موضع اصلب، فلم اعد أثق بالكثيب الذي اقف اسفله، فعبرت أخدودين صغيرين احدثهما المطر الغزير. غاصت قدميّ في الارض الهشة وخفت ان يطيح بي الوحل واسقط في عمق الهوة.. حاولت جهدي ان انتزع قدميّ ولكني وقعت فاصطدم راسي بصخرة ناتئة جاثمة فوق الطين، لم ابال اول الامر.. فالبرد تغلغل بين ضلوعي ورحت ارتجف كسعفة في ريح. ثيابي المبللة تلتصق بجسمي الضامر وانا احاول الانتقال إلى موضع اقوى.. انتزعت قدمي اليمنى بعناء ولحقتها الاخرى في حين لم تفارق عيناي النفق..النهار بلون الغيوم الجاثمة في صفحة السماء الملبدة بالقلق والرهبة.. ذهلت بمنظر الكلب الذي افلت من يدي (هايدل) ورجع إلى الخلف ثم انطلق مسرعا يريد التسلق على مشارف الهوة لكن سيول الطين تمنعه فيحاول ثانية وسط حيرة وخوف الرجل.. صوت المستر (تايلر) انطلق مدويا:
-هيا يا (هايدل) اين الكلب؟
لم يجبه صاحبه الذي لم ينتظر هدأة الكلب فدخل النفق مسرعا تاركا الحيوان يحاول التسلق فيخر كمغشي عليه. صفير الريح يشتد مع توقف المطر. كنت واقفا كالمتجمد ارقب ما يحدث تحتي.. بعد ساعة خرج المستر (تايلر) وصاحبه وثلاثة عمال من النفق.. لم يبال المستر بكلبه اللاهث ولم ينظر اليه ابدا.. كانت اساريره متهللة واطلق ضحكة قوية فاهتاج نباح الكلب الذي صمت بسرعة.. المستر يحمل قطعة مربعة من الحجر كانت بحجم كلبه تماما.. قال لصاحبه بصوت عال..
-لوح من حجر البازلت يا (هايدل) كما ترى، خدم يسيرون في موكب.. أترى يا (هايدل)، صف طويل من سنابل الشعير وفسائل النخيل نابتة فوق صفحة ماء جار.. رائع يا (هايدل) رائع.. امراة تنتظر قدوم الموكب تحت سقيفة من سعف النخيل.. اترى الذي اراه؟
التف العمال حول المستر وصاحبه ينظرون إلى اللوح فيما صدر صوت لاحد الحفارين الاربعة من الداخل..
-مستر.. مستر.. عظام.. عظام.
ولج المستر إلى النفق ولم يبال قط بكلبه الذي اقعى على الطين..ولحقه الاخرون. تحسست راسي الملفوف بكوفيتي العتيقة بيديّ الملطخة بالوحل ودهشت لمرآى الدم الممتزج بالطين. لكني لم افكر بمغادرة المكان ورحت ارقب الكلب الذي ضاع لونه وصار قطعة من الطين. لم اعد اسمع اية كلمة تصدر من النفق.. الوقت يمر ببطء، الريح تداعب الكثيب الرملي الذي اقف قربه، كثيب عال، اعلى من قامتي قليلا.. لم استطع الاتكاء عليه وإراحة جسدي المرتجف، فرطوبته قد تزيد من آلامي.. الوقت يمر.. لا احد خرج من فتحة النفق، قلت سوف يخرج المستر وصاحبه ويرقصان مسرورين بصيد ثمين اخر..لكنهما ظلا في الداخل ولم اعد اسمع شيئا البته.. الكلب ضاع لون تماما وبان عليه الوهن والعجز من محاولات تسلق الحائط.. طالت غيبتي عن البيت، لم افكر بالرجوع، اعلم ان امي المسكينة قد غرقت بدموعها، وملأ أبي البيت صخبا.. لم اخبرهم بشيء عندما تسللت خلسة في الفجر.. ربما ستكون البلدة مستنفرة تبحث عني، لكني لم أفكر بالعودة مطلقا فاللعبة لم تنته بعد.. الرجال مازالوا في النفق والكلب يقعى في زاوية مليئة بالوحل ينظر إلى السفح مادا لسانه لاهثا وأنا انظر إلى المدخل أرقب ما سيحدث.. النهار لملم خيوطه تحت السماء الداكنة التي تنذر بمطر اكثر غزارة ورهبة وقد يكون مطرا مروعا فيخرج (المستر) من النفق ليبحث تحته عن جدار آخر.. ربما.. الظلمة بدأت تقترب، لا أرى الكلب في زاويته رغم ان نظراتي لم تفارقه لحظة.. الهوة صارت مظلمة تماما، الريح تشتد وتلسع جسمي المرتعش، رأسي يؤلمني حد التأوه، رغم أني تحسسته اكثر من مرة فلم أجد أثرا لدم خارج كوفيتي، بطني الخاوية منذ أول اليوم كفــّت عن صياحها وضجرها وصمتت. الليل يبعث السأم والخوف وصفير ريح تنذر بلحظات طويلة مرعبة، تململت في جلستي وانا ارى البلدة من بعيد واظنها نائمة في هذا الليل، من يدري؟ لكني فوجئت تماما، فوجئت بأضواء بعيدة تتحرك.. ربما مشاعل قادمة نحوي في هذا الفضاء البارد المظلم.. تتحرك ملتوية كأفعى قادمة باتجاه الخرائب.. قلت إنها ستدنو مني، بل أنها دنت فعلا. المشاعل اقتربت فتراقصت ظلال المتارب في الظلام الخرائب. خمنت انهم يبحثون عن شيء ما، لكني استدركت وقلت في نفسي نحن ثمانية مفقودين منذ أول الصباح.. سبعة حفارين داخل النفق وانا.. ربما يبحثون عنا في هذه الساعة من الليل، المشاعل توقفت عند الهوة واستطعت أن احصي الرجال المتقدمين.. عشرة ملثمين، لم يروني فقد حجبهم عني كثيب الرمل. وقفوا ينظرون إلى القاع الذي ملأه الضوء.. الريح تعبث بالمشاعل حتى كادت تنطفئ.. قال أحد الملثمين مخاطبا جماعته:
-لا اثر لهم.. هنا!
رد عليه آخر:
-ربما سنجدهم في مكان آخر!
رد الأول بصرامة:
-لا مكان آخر.. المستر وصاحبه جاءا إلى هنا أمس..!
صاح آخر:
-منذ شهر وهم هنا وليس أمس فقط يا رجل.
صمت الجميع ولكني سمعت صوت أبي اخترق السكون قائلا:
-ربما انهار عليهم تراب التلال بفعل المطر.. يا الهي حتى الصبي لا اثر له.
عندما سمعت كلام أبي شعرت بدوار عنيف وارتجفت بقوة وخفت أن يجدوني مختبئا ويأخذونني واحرم من متابعة المشهد.لم يرد أحد على أبي فعاد الصمت ثانية لكني خفت اكثر عندما انسحب الضوء من الحفرة تماما، نهضت أرى ما يجري، الملثمون قد عادوا إلى البلدة، لا اعرف ما الذي حدث لي، فشعرت برغبة الصراخ بأثرهم، وقتها لم اصدق بان صبي بعمري يخترق المجاهيل الموحشة بجسم ضامر واهن ورأس متألم.. توارت المشاعل واختفت في أحشاء البلدة فعاد خوفي وحذري.. تحركت من مكاني ابحث عن ملاذ آخر فالريح ربما تطيح بهذا الكثيب وافقد ساترا احتمي به من ساعات الليل والرعب الذي دب في نفسي.. فكرت بالانتقال إلى الجهة المقابلة.. جهة المتارب المشرفة على الهوة، تذكرت بان الوحل سيأخذ مني وقتا وربما سأقع في فخ لا أستطيع الخروج منه أبدا.. درت أتأمل الظلمة المليئة بصفير الريح القارصة التي تلسعني كالمسامير، شعرت بان قطرة من المطر قد ضربت انفي، لحقتها أخرى وأخرى.. وهكذا تراشقت القطرات وسمعت الزخات المخيفة في ليلة لا اعلم كيف سأمضيها لوحدي.. المطر يشتد ضراوة ، احتميت بالكثيب، اتكأت عليه ولم استطع ان احمي راسي المتوجع فتبللت كوفيتي العتيقة ثانية وشعرت بوخزات الالم الذي عاد حاميا.. فجأة سمعت دوي ارتطام عنيف وسط الهوة، خفت وصرخت وقررت الفرار من الخرائب، لكن ارتطاما اخرا كان اشد من الاول شلّ تفكيري وجعلني ابحث عن ملاذ في المحيط القريب.. المطر ينزل بعنف لم اره من قبل، فالصقت جسمي بالرمل وترقرق الدمع في عينيّ . غاصت قدميّ في الوحل ولم اعد استطيع الحركة وكأني مغروس في الأرض. المأزق يدهمني ويثقل حركتي لكن الهلع اصابني عندما دوى ارتطام ثالث هزني فذعرت، وحاولت الافلات من قبضة الوحل.. حينها قلت:
-لقد أصابتني لوثة في عقلي، من يصدق انني أتوارى، ارقب بضع مجانين اختفوا منذ النهار؟
دوي الارتطام الأخير احدث انقباضا في نفسي فتشظت افكاري وذعرت حد الصراخ.شعرت اني اسمع خطوات تتحرك بعناء تحت مطارق المطر العنيف.. تتحرك نحوي، ارتعدت والتصقت اكثر بالرمل وكدت ادخل في جوفه.. خيمت لحظة صمت، خلت انها اوهام فاقنعت نفسي بها، لكني بقيت ارقب الظلمة الدائرة حولي بريبة، وشعرت بدوار رهيب جعلني امسك رأسي وافترش الرمل المبلل، فيما ظل المطر ينهمر بكل قوة.. لاخطوات تتحرك نحوي بل رعب المطر والليل.. بعد ساعة وفي قاع الليل المروع توقف المطر وبقي صفير الريح شعرت وانا افترش الارض اللزجة بلكزة في بطني، انتفضت رغم تأوهاتي وخوفي، رايت ابي يقف مع مجموعة من الرجال، طفت بنظري في الارجاء التي تخللتها خيوط الفجر النازلة بعناد من السماء القاتمة.. قرأت في وجوههم اسئلة اعرفها.. فاشرت باصبعي نحو الهوة. غضب رهيب تفجر في وجه ابي، نهرني بشدة، راح يكيل لي الشتائم ثم ضربني بكفه على وجهي المتصلب فسقطت متألما واحسست ان خيطا من الدم قد خرج من انفي.. تقدم رجل ذو وجه شاحب وشعر مبعثر وكانت نظراته زائغة متهالكة، سألني حانقا:
-اين الاخرون؟
نهضت بصعوبة، تلجلجت وكدت اجهش بالبكاء واجبته ذاهلا وكأني احدث نفسي:
-في الهوة!
رد الرجل ضاحكا:
-في الهوة؟
استداروا ينظرون إلى الهوة التي طمر بعضها واختفت فتحة الجدار.. تذكرت دوي الارتطامات ليلة البارحة، ونقلت نظري إلى المتارب المجاورة التي تقيأت رملها داخل الحفرة، سحبني أبي بعنف.. استدرنا نحو البلدة، كنت اشعر بالآلام تمزق جسدي المرتجف، فيما رأيت الرجال قد نزلوا إلى الحفرة يجتازون سيول الوحل التي أغرقت المكان برمته.

ابراهيم سبتي
العراق