المجر، دولة صغيرة وطموحات كبيرة

بقلم: د. سامر جمال زعين
بودا.. بست الخلابة

جمهورية المجر (او "هنغاريا" كما يطلق عليها البعض) هي دولة عمرها يتعدى الألف عام بقليل وتقع في وسط أوروبا. أما مساحتها فتصل إلى 93 ألف كم2، وعدد سكانها حوالي 10 مليون نسمة تقريبا.
من بين الدول العشر التي التحقت في عام 2004 إلى الإتحاد الأوروبي نالت جمهورية المجر التصنيف الأفضل فيما يخص النمو الإقتصادي والإستقرار السياسي، بالإضافة إلى الوضع الأمني فيها. وهي تعتبر ان الفضل في كل ذلك يعود إلى كونها باتت تملك العضوية الكاملة في كل من منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والإتحاد الأوروبي.
بالرغم من كونها أصغر دولة في مجموعة دول المنظومة الإشتراكية السابقة إلا أنها وبعد تفكك هذه المنظومة في عام 1989 وإنتقالها من الدولة الإشتراكية ذات الحزب الواحد إلى دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب، نجحت وبسرعة فائقة في بناء إقتصاد السوق. التغيير السياسي المسالم الذي حدث فيها، بالإضافة إلى عملية الخصخصة السريعة والمتكاملة، كل ذلك ساعد في جذب رؤوس الأموال الأجنبية إليها بشكل متعاظم، وهو ما جعلها في النهاية على رأس قائمة الدول الجاذبة للمستثمرين الأجانب في المنطقة. اليوم اصبح عدد الشركات الأجنبية العاملة في المجر يتعدى الـ 30 ألفا، ويشكل إنتاجها 40 % من مجمل الإنتاج الوطني، وتصدر 80 % من مجمل المواد المصنعة في المجر. وبهذا فقد حصلت طفرة كبيرة في منظومـة التجـارة الخارجية المجرية، فالجزء الأعظم من الصادرات المجرية بات موجه نحو أعضاء الإتحاد الأوروبي. وهـذا يـعني بأن 80% من صادراتها تتجه نحو دول صناعية متقدمة. وبات معدل نمو المجر في أهـم المجالات ( مجال الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام ) يتعدى المعدل الأوروبي.

التنافس مع من كانوا هم الأسياد

جمهورية المجر كانت في يوم من الأيام تابعة لإمبراطورية "هابسبورج" النمساوية، وكان النمساويون آنذاك يعتبرون أنفسهم هم الأسياد، لأنهم كانوا يملكون الثروة والتمدن. بينما المجريون فكانوا في نظر النمساويين هم الرعاة والفلاحون.
اليوم النمسا لازالت تملك الثروة، والمجر لازالت دولة بسيطة ولا أقول فقيرة ولكنها في نفس الوقت أصبحت دولة مستقلة وتملك عقولا وطاقات عمل كبيرة. وكما هو معروف فالمجر تاريخيا كانت ولازالت تعتبر دولة متقدمة في الصناعات النفطية وذلك بالرغم من أنها تفتقر إلى وجود النفط والغاز على أراضيها. ويوجد فيها إحدى أهم الجامعات التكنولوجية في العالم المتخصصة في هندسة النفط والجيولوجيا النفطية. وشاءت الأقدار أن تصبح الشركة المجرية الوطنية للنفط والغاز (MOL) إحدى، إن لم تكن أهم، شركة نفطية في أوروبا الوسطى والمنافسة رقم واحد للشركة النمساوية للنفط (OMV)، والتنافس بينهما على أوجه في مجال التوسع الإقليمي، بل والدولي أيضا إن كان في مجال التنقيب عن النفط والغاز أو في المجال التجاري. وعدا ذلك فالشركة الوطنية المجرية للنفط باتت تنافس أيضا أهم الشركات الإقليمية ومنها على وجه الخصوص الشركات الروسية، وبدأ توسعها يشمل شراء الشركات الوطنية في الدول المجاورة، كشراء الحصة الكاملة لشركة النفط السلوفاكية، وحصة كبيرة من شركة النفط الكرواتية، وشراء جميع محطات الوقود التي كانت تملكها شركة شل في رومانيا. وبهذا باتت حقا تنافس من كانوا أسيادها.
ويبقى أن أشير إلى أن جمهورية المجر وعاصمتها الخلابة بودابست الـذي يقسمها نهر الدانوب "الأزرق" كما يسمونه إلى قسمين "بودا" و"بست" تسحر كل من يزورها لأنها خليط عجيب من مدن كبرى، فهناك من يشبهها بباريس، وهناك من يشبهها بفيينا، ولكنها لا تعتز سوى بنفسها. د. سامر جمال زعين
أستاذ علوم العلاقات الدولية
بودابست