حرب العبور: الصدمة والترويع

بقلم: فرانسوا باسيلي

حرب اكتوبر 1973 المعروفة بحرب العبور، التي شنتها مصر وسورية معا ضد القوات الاسرائيلية المحتلة لاراضيهما ما تزال عالية التوهج قادرة على بعث اعلى درجات الاستغراب والاعجاب والزهو خاصة بما حققه المصريون قادة وجنودا، على الجبهة المصرية، حتى انه يمكننا اليوم ان نقرر ان هذه الحرب المدهشة هي التي تستحق بجدارة ان توصف بانها حرب الصدمة والترويع and awe Shock وليست الهجمة الامريكية باسلحة اقوى دولة في العالم ضد دولة من العالم الثالث كالعراق.
ومن المفيد ان نراجع اليوم العلامات الاساسية لحرب العبور لنستخلص بعض دروسها، وايضا لكي نجدد بعض الثقة المفقودة في الارادة والقدرة المصرية القابعة في اعماق الانسان المصري، الذي يصبر طويلا وطويلا، ثم يفاجئ نفسه والعالم من حوله بانجازات مدهشة شاهقة لا يعرف احد من اين جاءت ولا كيف تفجرت. اهمية حرب الاستنزاف لم يصبح الجيش المصري قادرا على عبور اعظم مانع عسكري في التاريخ فجأة صباح يوم العبور، وانما استطاع ان يصبح قادرا على هذا بسبب ما حدث قبل ذلك اليوم وبشكل مستمر منذ مطلع عام 1969، عندما قرر جمال عبد الناصر شن حرب الاستنزاف على قوات العدو الاسرائيلي الشرقية لقناة السويس. ولم يكن هذا قرارا سهلا، فهو يأتي بعد عام ونصف فقط من اكبر هزيمة عسكرية عرفتها جيوش ثلاث دول عربية مجتمعة امام اسرائيل وحدها، فيما عرف بحرب الايام الستة، والتي لم تستغرق في الواقع سوى ست ساعات فقط وليس ستة ايام، وهي الساعات التي استطاع فيها الطيران الاسرائيلي تحطيم القوات الجوية المصرية بأكملها وهي قابعة في مهاجعها على الارض، وبذلك اصبحت القوات المصرية مكشوفة على رمال سيناء الشاسعة بلا غطاء، وقد راحت تهرول في فرار مخز بعد ان صدر لها قرار الانسحاب، وكان انسحابا غير منظم، عاد منه الجيش المصري الى قراه ومدنه واهله ليتعرض الى حملة هائلة القسوة والمرارة والنقد والسخرية، حتى انه لم يكن لدى المصريين على مدى عام كامل او يزيد بعدها سوى اطلاق وتبادل النكات اللاذعة التي تتوغل كل نكتة منها في فؤاد كل مصري كالسكين الحاد الذي يتقلب في الداخل، وراح المصريون يضحكون على انفسهم ضحكا كالبكاء وكالدواء في آن واحد. وكانت هذه النكات اليومية تفعل في جسد الارادة المصرية فعل مشرط الجراح الذي يتوغل في الجسد المريض قاطعا اجزاءه الميتة وخلاياه المريضة المتعبة، ومسيلا منه الكثير من الدم الفاسد، ولك ان تتخيل مشاعر القيادة السياسية والعسكرية المصرية وهي تعمل في هذا المناخ بالغ القسوة والمرارة، وهم المطعونون في كل رصيدهم وتاريخهم وآمالهم بطعنة الهزيمة الرهيبة وآثارها الهائلة من ضياع للارض وخراب للاقتصاد والموارد والهيبة والمكانة في العالم كله. كان على مصر ان تبدأ من الصفر، من قاع القاع، وامامها ليس فقط عبء وتحديات البناء المادي لجيش انهار تماما وترك كافة معداته في الصحراء، ولكن ايضا تحديات البناء النفسي لارادة الامة التي كان يبدو مما تفعله في نفسها في تداولها لهذه النكات اللاذعة ضد جيشها وافراده، اي ضد نفسها وروحها، انها قد استسلمت للذة جلد الذات في مازوخية جماعية مخيفة هي عقاب جماعي للذات وللقيادة معا.
بدأت حرب الاستنزاف في يناير 1969 بوابل هائل مستمر من القذائف عبر القناة لمدة ثمانين يوما متصلة وعلى طول خط المواجهة بطول قناة السويس. وكانت القذائف تصب على الجنود الاسرائيليين المتحصنين وراء ما يعرف بخط بارليف، وكان وقتها يتكون من ستار رملي يرتفع الى عشرة امتار على الجانب الشرقي للقناة، تتخلله سلسلة من ثلاثة وثلاثين موقعا عسكريا للمراقبة، ويتبع هذا حائط رملي عريض آخر بعد بضعة كيلومترات من الحائط الاول، وعلي كل من الحائطين تمركزت مواقع لاطلاق النيران يمكن نقلها من مكان لآخر حسب الحاجة. وقد تسبب هذا الوابل المستمر من القذائف في خسائر جسيمة لدى الاسرائيليين دون ان يؤدي الى انهيار الحائط او الى اخلاء الاسرائيليين لمواقعهم. وقامت اسرائيل بهجمات انتقامية مضادة ليس فقط ضد القوات المصرية على القناة ولكن ايضا داخل العمق المصري ضد اهداف استراتيجية وعسكرية على طول الاراضي المصرية، وقامت مصر في المقابل بتعزيز دفاعاتها المكونة من سام ـ 2 المضادة للطائرات واضافت اليها سام ـ 3 الاكثر فعالية ضد الطيران المنخفض، واضافت اكثر من مئة طائرة سوفييتية من طراز ميج 21 واستطاعت مصر بهذه التعزيزات ان تسقط عددا لا بأس به من الطائرات الاسرائيلية الامريكية الصنع ـ فانتوم ـ وكانت هي خير طائرات السلاح الجوي الامريكي وقتها، مما مكن جمال عبد الناصر من الوقوف امام مجلس الامة لالقاء خطاب يحمل بعض الومضات القليلة من الانجازات التي اسفرت عنها حرب الاستنزاف واسقاط الطائرات المعادية. واستمرت حرب الاستنزاف البطولية هذه بلا هوادة لمدة عام ونصف آخر، وفيها تجابه مصر المنكسرة المحطمة عسكريا ـ دون ان تتحطم قيادتها نفسيا ـ قوات اسرائيلية مسلحة بأحدث الاسلحة الامريكية وبمعنويات المنتصر المنتشي باعظم واسرع انتصار على جيوش ثلاث دول عربية، وكان عبد الناصر يتعرض خلال هذه الحرب الى ضغوطات هائلة حتى من قبل البعض داخل القيادة المصرية ممن كانوا يشككون في حكمة ان تقوم مصر بتعريض اراضيها لهجمات اسرائيل الانتقامية الموجعة لمجرد الاستمرار في اطلاق القذائف عبر القناة والتي لم يكن واضحا بعد لاية غاية كانت حرب الاستنزاف هذه ولا ماذا تحقق ما دامت لا تزحزح العدو من موقعه!
ولكن بالرغم من الخسائر في الارواح والممتلكات التي اوقعتها حرب الاستنزاف على الجانب المصري، فقد كانت ضرورية من الجهتين المعنوية والعسكرية معا، فمعنويا كان لابد على اثر الهزيمة الفادحة من اعادة بناء الثقة في النفس بشكل تدريجي، وكان لا بد من المحافظة على سخونة خط المواجهة كاعلان مستمر من جانب مصر انها لا تنوي قبول الوضع الراهن.. وكان عبد الناصر يلح في كل خطبه على ضرورة ازالة آثار العدوان ولم يكن يتحدث عن استسلام من اي نوع، لكنه اعلن قبوله لسلام قائم على اعادة الارض مع حل عادل للقضية الفلسطينية.
كان الدرس الواضح لحرب الاستنزاف هو ضرورة المحافظة على ارادة مقاومة المحتل والاحتفاظ بمطلب تحرير الارض، والاعلان العملي اليومي عن رفض الاحتلال والعزم على المقاومة، مع عدم رفض السلام لو جاء محققا للعدالة دون هيمنة من قبل الجانب الاقوى المنتصر.
ولكن كان لحرب الاستنزاف ايضا جانب عملي عسكري بالغ الاهمية، فقد كان عبد الناصر يعلم انه لن يحصل على اي شيء من اسرائيل بمجرد الحوار او التفاوض معها من موقف الضعيف الذي لا يملك اية اوراق ضغط من اي نوع لذلك اراد لحرب الاستنزاف ان تكون كسبا للوقت حتى يمكن استكمال اعادة بناء القوات المسلحة على اسس جديدة. دون الوقوع في خطر نسيان الامر كله وفقدان ارادة المقاومة لو مضت السنوات واحدة وراء الاخرى في هدوء كامل يصبح من الممكن التعود عليه وقبوله باعتباره من طبيعة الامور نفسها، وفي تلك الفترة اصدر عبد الناصر تعليمات خاصة الى وزير خارجية مصر الدكتور محمود فوزي ان دوره الاساسي في الامم المتحدة ليس بالضرورة تحقيق اي شيء ـ اذ كان يعرف ان مصر لن تحصل على حقها هناك ـ وانما فقط كسب الوقت الى ان يتم بناء الجيش لتحرير الارض.
في تلك الفترة ايضا، قدموا لعبد الناصر ما عرف بمشروع روجرز، والذي يقضي بوقف القتال في حرب الاستنزاف لمدة ثلاثة اشهر لتهدئة الامور والمشاعر، ثم يجري بعدها التفاوض بين الطرفين على اساس انسحاب اسرائيل من سيناء مقابل السلام، ووافق عبد الناصر على مشروع روجرز، وكان ذلك بعد ان سأل وزير حربيته الفريق اول محمد فوزي وقتها: كم من الوقت تحتاج لكي تنقل صواريخك الى خط قناة السويس لكي تبدأ حرب عبور القناة والوصول الى ممرات سيناء والتحصن بها وهي ممرات ميتلا والجدي (وهو نفس ما حدث في حرب العبور بعد ذلك) فأجاب محمد فوزي انه يحتاج الى شهرين، فقال عبد الناصر: سأعطيك ثلاثة! (وهي نفس فترة الامتناع عن القتال التي اشترطها مشروع روجرز).
ورحل جمال عبد الناصر في 30 ايلول/سبتمبر 1970 بعد ان توقف القتال في الشهر السابق آب/اغسطس بموجب اتفاق وقف اطلاق النار وكانت الخطة 200 لعبور القناة الى الممرات تسير في مسارها المحدد لها كما وضعها محمد فوزي واعتمدها جمال عبد الناصر. تمرد الطلاب والمثقفين تسلم السادات حكم مصر بتركة الاحتلال الاسرائيلي لسيناء، وكان يعتقد في البداية انه سيستطيع التوصل الى اتفاق معقول تنسحب بمقتضاه اسرائيل من سيناء مقابل اتفاقية سلام بشروط معتدلة، ولكنه اكتشف بعد فترة من المناورات والمقابلات والمبعوثين والزيارات ان اسرائيل ـ بموافقة امريكا ـ لن تمنحه الا الفتات في مقابل اتفاقية استسلام سيسمونها اتفاقية سلام، وكان السادات يدرك انه لن يستطيع قبول هذا، في نفس الوقت الذي كان يجابه فيه شارعا مصريا ساخنا لا يكف فيه طلاب الجامعات والمثقفون واتحادات النقابات عن التظاهر والمطالبة بالخروج من حالة اللاسلم واللاحرب التي كانت قائمة، وكان يصعب على السادات الظهور في اي مكان لالقاء خطاب او حضور احتفال دون ان تجابهه المظاهرات الغاضبة، ووصل الامر في النصف الثاني من عام 1972 الى اعلان عدد من الكتاب والصحافيين والمثقفين وقوفهم الى جانب الطلاب المتمردين الذين كانوا في حالة لا تهدأ من المظاهرات العنيفة في شوارع القاهرة. وكان السادات قد عزل الفريق اول محمد فوزي وعين اللواء سعد الدين الشاذلي، برتبة فريق، فقام بوضع خطة لعبور القناة والتمركز على بعد حوالي 15 كيلومترا منها بالصحراء الشرقية. الصدمة والترويع المصرية لا شك ان الاسلوب المدهش والنجاح الباهر الذي حققه المصريون في عبورهم لقناة السويس حقق اكبر قدر من الصدمة والترويع للجنود الاسرائيليين على الضفة الشرقية من القناة. وفي مقابلة مع الاهرام ويكلي يقول اللواء المتقاعد جمال محمد علي، قائد سلاح المهندسين المصري واصفا ما حدث كان امامنا مانعان هائلان، الاول هو المانع المائي الطبيعي لقناة السويس، وتعتبر اكبر مانع مائي تم عبوره في تاريخ الحروب ومانع آخر يقف من ورائه هو خط بارليف. وكان وزير الدفاع الاسرائيلي موشي ديان قد صرح انه الامر سيحتاج الى تضامن سلاح المهندسين الامريكي وسلاح المهندسين السوفييتي معا لاقتحام خط بارليف. كما اكد الخبراء السوفييت في ذلك الوقت بانه لا يمكن تحقيق اي شيء في وجود خط بارليف سوى بقنبلة نووية! .
وكان خط بارليف يتكون من حواجز رملية طينية محصنة يتراوح ارتفاعها من ثمانية الى خمسة وعشرين مترا، مع عرض يصل الى عشرة امتار، وكان هذا الجدار الرملي الهائل محصنا ومزودا بمواقع للدبابات والمدافع كل حوالي اربعة كيلومترات على امتداد طول القناة من بور توفيق في الشمال الى القنطرة الشرقية جنوبا.
وكان وجود المانعين المائي والرملي ـ الطيني معا يشكل تحديا هندسيا وبشريا هائلا امام المهندسين والمخططين المصريين، وقد قاموا بالعديد من التجارب للتوصل الى افضل الطرق لاقتحام المانع وذلك على فرع دمياط من نهر النيل. وبدأت التجارب بالمتفجرات، التي لم تنجح، ثم جربوا قذائف المدافع وايضا لم تؤثر، وهنا بدا التفكير في المدافع المائية، وكان الكثيرون من الضباط قد اشتركوا في بناء السد العالي في الستينيات، حيث قاموا بنقل خمسة ملايين من الامتار المكعبة من الرمال باستخدام طرمبات هيدرولية ضخمة يمكنها ابتلاع خمسين مترا مكعبا من مياه النيل في الساعة، وضخها في تدفق هائل نحو جبال من الرمال فتتحول بسرعة الى طين سائل يمكن ضخه، وكانت هذه التقنية هي التي استخدمت لتدمير الحواجز الرملية الطينية لخط بارليف. وتم شراء بضعة مئات من الطرمبات الهائلة بقوة مئة حصان الواحدة، تزن كل منها اكثر من مئتي كيلوغرام، من شركة المانية، وثم بتركيب الخراطيم عليها ووضعها على قوارب تتحول طنا ونصف الطن لتعبر بها القناة لاقتحام خط بارليف.
ويكفي التذكير هنا بان خط بارليف المنيع هذا كان قد تكلف مئتين وثمانية وثلاثين مليون دولار في ذلك الوقت، وهي تقريبا نصف تكلفة بناء السد العالي في اسوان. وكان يتضمن منشآت ضخمة محصنة تمتد لعدة طوابق تحت الارض وفوقها حتى السطح الاعلى للحاجز. وبلغ عدد هذه المواقع المحصنة 22 موقعا، تشمل 31 نقطة مراقبة وحركة تغطي كل منها اربعين الف مترا مربعا. وامام كل هذا تقع قناة السويس نفسها، بعمق خمسين قدما، وبعرض يتراوح بين 180 و240 ياردة. وهي بهذا تعتبر احدى اعظم خنادق عرقلة المعدات الحربية في العالم. وقد خطط الاسرائيليون لكي يشعلوا سطح القناة خلال المعارك، فبنوا خزانات هائلة للبترول تحت الارض عند نقط المراقبة المحصنة، حيث تمتد انابيبها من الخزانات الى سطح القناة بحيث يمكن اطلاق البترول لكي يسبح على سطح القناة ويتم اشعاله في اي لحظة، وكان على المصريين مواجهة هذا الاحتمال ايضا. ومن جانبهم بنى المصريون حاجزا رمليا على الضفة الغربية للقناة حتى وصل الى ارتفاع 130 قدما، ومكنهم هذا من مراقبة اعلى المراكز الاسرائيلية في خط بارليف وكذلك ما وراءه من معدات وتحركات.
اما الصدمة التي اوقعها المصريون فقد كانت بسبب القدر الكبير من المهارة في التمويه والخداع التي قامت بها القيادة المصرية على مدى السنوات السابقة للهجوم، فقد دأبت مصر على القيام بعدة عمليات تدريب واسعة النطاق في السنوات السابقة، كانت اسرائيل تقوم على اثرها باعلان حالة التعبئة العامة، بما فيها من تكلفة باهظة اقتصاديا وبشريا، لتجد في النهاية ان المصريين كانوا يتدربون! كما ان السادات كان يعطي الانطباع تلو الانطباع انه لا يفكر في الحرب، وكان طرده للخبراء السوفييت يصب في هذه الخانة ايضا، وكان التدريب الاكبر يقع عادة في شهر سبتمبر من كل عام، وعليه ففي سبتمبر عام 1973 بدأت التحركات العسكرية المعتادة على شكل تدريب واسع المدى، استطاع المصريون تحت ستاره ان يدفعوا بالعدد المطلوب من الجنود والمعدات الى الجبهة دون ان يثيروا الريبة، وامعانا للتمويه، قبل الهجوم بيومين فقط، اعلنت القيادة العليا للقوات المسلحة بانها قامت بتسريح خمسمائة من جنود الاحتياط بعد انتهاء تدريبهم، وانهم سيمنحون كل من يرغب من الجنود والضباط بالقوات المسلحة تصريحا لترك الخدمة مؤقتا للقيام بفريضة الحج الى مكة والمدينة!
وفي الساعة الثانية الا ربعا بعد ظهر اليوم السادس من تشرين الاول/اكتوبر 1973 اي قبل خمس عشرة دقيقة فقط من اندلاع الهجوم، كان بعض الجنود المصريين يسبحون في مياه القناة الدافئة تحت شمس مصر الساطعة، معطين كل من كان يراقبهم من الاسرائيليين كل انطباع بان هذا ليس سوى يوم اخر كل شيء فيه هادئ على الجبهة المصرية.
وفي الساعة 1400 ـ حسب اسلوب التوقيت العسكري ـ انفتحت فجأة ابواب الجحيم على الجبهتين المصرية والسورية في نفس اللحظة، وكان اول المهاجمين هو سرب من 240 طائرة مقاتلة مصرية مقسمة الى تشكيلات صغيرة الحجم التي انطلقت في سماء القناة على ارتفاع منخفض والقت بحمم قذائفها على منشآت القيادة والاتصالات الاسرائيلية المتركزة داخل ووراء خط بارليف المحصن، وقامت بتحطيم هذه المراكز، مع ثلاثة مطارات حربية صغيرة وبطاريات الدفاع طراز هوك، ومراكز تجمع المدافع، وقلعة بودابست على البحر الابيض في الشمال، وغيرها من الاهداف الاستراتيجية عالية القيمة التي تكون هي اول ما يستهدفه المهاجمون في العمليات الحربية.
وفي احدى الدراسات الاكاديمية العسكرية التي استندت اليها، وقد اعدها احد العسكريين الكبار بالقوات المسلحة البحرينية بتاريخ 27/3/1997، نجد الوصف التالي لعملية العبور نفسها: تم عبور القناة من قبل الجنود المصريين في اثنتي عشرة حملة، كانت كل منها تشمل الف قارب عسكري Aault craft يعبرون القناة على طول خط المواجهة، اي ان العدد الكلي هو 1200 قارب، واستطاعت كل حملة او موجة من هذه الموجات الهائلة ان ترسو على الضفة المقابلة ـ الشرقية ـ من القناة، ثم تعقبها الموجة التالية المكونة من الف قارب اخر بعد ربع ساعة فقط من الاولى.. ورغم هذا العدد الهائل من الزوارق العسكرية المحملة بالعتاد والجنود والمضخات والمتحركة بسرعة كبيرة، الا انه لم يفقد منها سوى عدد ضئيل جدا .
لعبت المفاجأة دورا كبيرا في ايقاع الصدمة والترويع في صفوف الجنود الاسرائيليين، فقد كان البعض منهم قد غادر الجبهة في احتفالات بيوم الغفران، او يوم كيبور، احد اهم الاعياد اليهودية، كما كان هذا هو اليوم العاشر من رمضان، مما زاد من اطمئنان اسرائيل الى عدم احتمال وقوع هجوم، بالاضافة الى مظاهر التمويه الاخرى المذكورة سابقا. وقد سقطت القلاع الاربع في القنطرة شرق بسرعة فائقة، حين هاجمتها فرقة المشاة المصرية رقم 18. فقد سقطت احداهم في غضون عشر دقائق فقط من الهجوم عليها، والثانية بعد خمس عشرة دقيقة، والثالثة في الساعة الثالثة بعد الظهر، اي بعد ساعة واحدة من بدء العمليات، كما لعب السلاح الفعال مع التخطيط الدقيق المحكم دورهما ايضا في النجاح المدهش لعملية العبور واقتحام وتحطيم خط بارليف الشهير. فقد قامت وحدات سام 6 وسام 7 المضادة للطائرات باسقاط معظم الطائرات الاسرائيلية التي غامرت بالتحليق، وبذلك سقطت في لحظات معدودة اسطورة السلاح الجوي الاسرائيلي الذي لا يقهر، وامام هذا الاداء الباهر لهذه الصواريخ تم تحييد الطيران الاسرائيلي تماما عن المعركة، وبذلك استطاع الجيشان الثاني والثالث المصريان القيام كل بدوره في دقة وفي نجاح ربما لم يتوقعه المخططون العسكريون المصريون انفسهم، تماما كما لم يتوقع الاسرائيليون النجاح السهل السريع الذي حققوه في حرب الايام الستة، مع فارق ان تلك الحرب لم تكن امام اسرائيل فيها اية من الموانع الطبيعية او العسكرية الكبيرة التي واجهت المصريين في حرب العبور. مما يمنح المصريين الحق في الزهو الى ابعد حد بما حققوه من انتصار عسكري خارق بجميع المقاييس العسكرية، ولا يقدم لنا التاريخ نموذجا مماثلا استطاع فيه شعب اصيب بهزيمة عسكرية هائلة فقد فيها كل سلاحه ومعداته ومعنوياته ان ينهض بعد ست سنوات فقط ليحقق مثل هذا الانتصار الميداني الهندسي والعسكري والنفسي الباهر خلال اربع ساعات من بداية الهجوم. شارون والثغرة يقول احد مواقع المعلومات على الانترنت ان اسرائيل كانت في صدمة وفي حالة من التخبط والهلع في العشرة ايام الاولى من الحرب ثم بعد ان بدأت تحصل على الامدادات الجديدة من الاسلحة الامريكية، استطاعت ان تجمع اشتات قواتها وتقوم بهجوم مضاد. وتمكنت وحدة بقيادة ارييل شارون من عبور القناة عبر ثغرة ضعيفة الحماية، واستمر شارون في توسيع الثغرة ببطء شديد لان المصريين تنبهوا لها وراحوا يلاحقون جنودها بالمناوشات المستمرة.
وفي 22 تشرين الاول/اكتوبر، اصدر مجلس الامن قراره رقم 338 الذي يقضي بوقف اطلاق النار بين الاطراف المتحاربة جميعها في خلال اثنتي عشرة ساعة في اماكنهم المتمركزين بها، في ذلك الوقت كانت اسرائيل تقول ان قواتها التي عبرت الى الضفة الغربية من القناة استطاعت ان تلتف حول الجيش الثالث الذي كان قد عبر الى الضفة الشرقية في الساعات الاربع الاولى من بداية الحرب.
بينما قال المصريون انهم يحاصرون الوحدة الاسرائيلية التي عبرت الى الضفة الغربية بدورهم، ولا شك ان حدوث هذه الثغرة قد سرق بعض الوهج من بريق النصر المصري وان كان لم يستطع ان يقلل من عظمة الانجاز العسكري المصري بشكل عام.
ويقول موقع المعلومات بالانترنت انه بعد صدور قرار مجلس الامن، اعلنت مصر موافقتها عليه، بينما قالت اسرائيل انها لا توافق عليه الان وتذرعت بان مصر تقوم بخرق القرار، وانتهزت اسرائيل هذه الفرصة وقامت باستكمال التفاف قواتها حول الجيش الثالث واستمرت في ذلك حتى حلول ليل الثالث والعشرين من اكتوبر، اي بعد حوالي ثلاثين ساعة على صدور قرار وقف اطلاق النار، وتمكنوا من قطع طريق السويس الذي قالوا انه طريق الامداد الوحيد للجيش الثالث، ثم قبلوا قرار وقف اطلاق النار عندها.
ولكن السادات اكد ان الجيش الثاني لم يكن في خطر لانه كان يتلقى الامدادات بالجو عن طريق الطائرات الهليكوبتر، في حماية صواريخ سام التي كانت تقف للطيران الاسرائيلي بالمرصاد وتمنعه من الاقتراب. وقال ان القوات الاسرائيلية في الثغرة هي المحاصرة، وتحيط بها قوات الجيش الاصلية في غرب القناة وقوات الجيش الثالث من الشرق. وبعد يومين من قبول مصر وقف اطلاق النار، اعلنت سورية قبولها به هي الاخرى، ولكن بعد ان عادت القوات الاسرائليية لاحتلال الجولان. وقد شعرت سورية بان مصر قد خذلتها لقبولها وقف اطلاق النار دون استشارتها. مسلمون واقباط كانت القوات المصرية التي عبرت القناة وحققت الصدمة والترويع للاسرائيليين تتكون من خريجي الجامعات المصرية بعكس جيش 67 الذي كان يعج بغير المتعلمين من الفلاحين البسطاء، وكان لهذا اثره في ارتفاع مستوى الاداء في جميع مظاهره، كما كان الجيش يضم الالاف من عنصري الامة اي من المسلمين والاقباط، وكان الاقباط ممثلين في الجيش المصري في جميع مراكزه ووحداته، بما في ذلك في قياداته العسكرية العليا.
بل ان من اللافت في هذه الحرب بالذات ان الهجوم المصري قام به جيشان اساسيان هما الجيش الثاني الميداني بقيادة اللواء فؤاد عزيز غالي وهو قبطي (مسيحي) والجيش الثالث الميداني بقيادة اللواء احمد بدوي وهو مسلم، وقد استشهد في هذه الحرب ثمانية الاف جندي مصري وجرح اكثر من هذا بالطبع، ولا نعرف نسبة الاقباط في هؤلاء وان كان المرجح هو انها تعادل بالتقريب نسبتهم في الجيش وفي المجتمع المصري بشكل عام، وكانت معركة العبور ملحمة وطنية باهرة من جميع الوجوه، جاءت تأكيدا لصلابة وحدة مصر الداخلية امام الاخطار الخارجية.
ورغم هذا البهاء الناصع، فما ان انقضت ايام معدودة على هذا الانتصار الباهر حتى بدأت تصل الى اسماع الاقباط عبارات هوجاء بالغة القسوة والغباء والظلم، تقول بالعامية المصرية النهاردة السبت وبكره الحد ومعناه ان اليوم كان انتصارنا على اصحاب السبت (اليهود) وغدا يكون انتصارنا على اهل الاحد (المسيحيين)! ولك ان تتخيل مشاعر الاقباط الذين فقدوا عزيزا في هذه الحرب دفاعا عن تراب الوطن عند سماعهم لهذا الكلام، بالطبع لم تكن هذه العبارات تصدر من الكثيرين، ولكنها كانت تتعالى تدريجيا من افواه اعضاء الجماعات الدينية المتطرفة التي اخذت تتزايد في الحجم والتأثير عاما بعد عام، بتشجيع من السادات نفسه، حتى قامت باغتياله في نهاية الامر!
وفي مقابلة صحافية مع جريدة السياسة الكويتية في يناير عام 1998، صرح بابا الاقباط قداسة البابا شنودة الثالث انه لن يقوم بزيارة القدس طالما هي تحت الاحتلال الاسرائيلي، ولن يزورها الاقباط الا في صحبة اخوتهم المسلمين بعد تحرير القدس، ثم عاد ليذكر بملحمة حرب العبور قائلا: ان احدا لن يستطيع ان ينال من وحدة مصر، وعلينا ان نتذكر كيف كان قائد الجيش الثاني هو اللواء فؤاد غالي القبطي، وقائد الجيش الثالث هو اللواء احمد بدوي المسلم، وكيف قام الاثنان معا بعبور القناة وتحرير ارض مصر. دروس للمستقبل يمكننا الآن تلخيص دروس حرب العبور في النقاط التالية:
ـ ان الانسان المصري الاصيل قد يصبر بعض الوقت على اوضاع ظالمة او مهينة او استبدادية، لكنه قادر ابدا على الانتفاض وتحقيق اعظم الانجازات التي تتجلي فيها ارادته الكامنة وعبقريته الاساسية القديمة المتجددة، ولا يجب ان يراهن احد ضد الشعب المصري والانسان المصري.
ـ ان الانجازات الكبيرة حقا في تاريخ الشعوب، مثل انجاز بناء السد العالي والتحرر الاجتماعي والنهضة الثقافية في عهد عبد الناصر، وانجاز العبور المجيد واستعادة سيناء بعدها كاملة في اتفاقية السلام في عهد السادات، تحدث هذه الانجازات عندما تلتقي ارادة الشعب وعزيمته مع قيادة جريئة تعرف كيف تحول مطامح المواطنين الى انجازات واقعية.
ـ ان اعظم الانجازات الوطنية تحدث حين يعمد الشعب والقائد معا على قدرات الذات، وليس على الغير، فقد قامت مصر عبد الناصر ببناء السد العالي رغم خذلان البنك الدولي لها، بتعاون من الاتحاد السوفييتي، ولكن بدون الخضوع له ولسياساته. وكذلك عبرت مصر السادات القناة بقدراتها الذاتية بعد ان خرج منها الخبراء الروس وتخلت عنها الادارة الامريكية، بل وقفت ضدها في الحرب بعد ذلك.
ـ ان التنسيق مع الدول العربية ذات المصالح المشتركة امر ضروري للقيام بالانجازات الكبيرة، وكانت للتنسيق مع سورية اثر كبير في احداث الصدمة والترويع لاسرائيل، وكان من الواجب حدوث تنسيق اكثر كثافة خلال الحرب نفسها بشكل تكتيكي ايضا، كما ان استخدام دول الخليج لسلاح النفط اضاف بعدا اقتصاديا حادا للمعركة، التي لا تنحصر في كونها معركة عسكرية، بل هي ابدا عسكرية وحضارية واقتصادية واعلامية.
ـ التفسير الديني المتطرف لاسباب الانتصار العسكري، الذي قامت بتأويله بعد الحرب الجماعات الاسلامية المتطرفة في مصر، وما زال بعضها يقول به الى اليوم، والذي يتوغل في غيبيات تتوهم تدخل السماء والملائكة في الحرب الى جانب هذا الطرف او ضده، هي التي ساعدت على خلق وتوسيع الشرخ الكبير الذي وقع بين عنصري الامة المصرية بعد الحرب، وراجت تغذية الافكار الدينية المتطرفة بعد ذلك، ولقد نجحت مصر في حرب العبور لان جبهتها الداخلية كانت ما تزال صلبة قوية متأثرة بمبادئ الوطنية الاصيلة التي غرستها في جيل الثورة ثقافة يوليو الحضارية العلمية المتفتحة، ولن تستطيع مصر تحقيق اي انتصار مع وجود شرخ اساسي في جبهتها الداخلية بين عنصري الامة.
ـ ان الانتصار الباهر في حرب العبور كان نتيجة القرار السياسي الشجاع اولا، والتخطيط العسكري الدقيق المسلح بالعلم والدراسة والعقل ثانيا، ثم التنفيذ البديع على ايدي جنود على درجة من التعليم والثقافة ثالثا واخيرا.
وبالطبع لابد ان يكون القرار السياسي الشجاع متماهيا مع ارادة ورغبة المواطنين وليس مضادا لها، كما لابد ان يكون التخطيط العسكري شاملا لنوعية السلاح الممكن توفيره لجنود فالاداء سيتوقف على توفر السلاح المناسب للجندي المناسب. العبور الاخير تكاد الازمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها مصر اليوم وحالة التردي الثقافي والفني والاجتماعي المتفشية، مع ارتفاع الامية والجهل حتى بين المتعلمين، تكاد هذه ان تدفع الانسان لليأس من امكانية ان تقوم مصر اليوم بملحمة عبور اخري تعبر فيها الفجوة القائمة بينها وبين العصر بمتطلباته الحضارية الباهظة وربما كان افضل تعبير عن هذه الحالة هو ما قاله لي احد كبار الكتاب المصريين المشهود له من الجميع بغزارة الثقافة مع نزاهة الشخصية ونصاعة الوطنية، وكنت اتناول الطعام بدعوة كريمة منه في احد المطاعم الشعبية الجميلة التي يرتادها المثقفون في حي السيدة زينب بالقاهرة، وكنت قد عبرت له عن اعجابي بعرض معركة العبور المقام في مدينة نصر وسألته عن رأيه في حالة مصر اليوم مقارنة بما كانت عليه ايام معركة العبور وكان حديثنا ذلك في عام 1998 بعد ربع قرن من المعركة، فقال وهو يضحك ضحكة صافية لا تخلو من نبرات الحزن والحسرة: اتأتي اليوم لتحدثني عن معركة العبور؟ ان مشكلتنا اليوم هي العبور من ميدان التحرير الى ميدان
رمسيس! فرانسوا باسيلي fbasili@gmail.com