المرأة السعودية بين سيمفونية العذاب ولذة الاستعباد

بقلم: زكي لطيف

كنت أتجول في إحدى مراكز التسوق المخصصة للنساء – مع زوجتي بالطبع- وهناك شاهدت نساء وهن مسربلات بالكامل، حتى أيديهن توشحن بالسواد، كان الجو قائظا ومشبعا بالرطوبة، لا ادري إذا كانت هذه المرأة أو تلك مجبرة على ارتداء هذه القفازات إلا أن مجتمعنا الإسلامي المحافظ بحمد الله لم يصل إلى هذا المستوى المرعب من التشدد! ولكني أظن أن المرأة التي غطت جسده بالسواد حتى يديها ورجليها تستأنس بذلك بل وتجزم أن هذا إن لم يكن واجبا فسيكون مستحبا، وان فيه رضا الخالق عز وجل، وان أدى إلى الضرر والإصابة بأمراض جلدية بسبب الاتشاح المفرط بالسواد، المهم هنا رضا الله والعمل بالاحتياط الذي يجنب الوقوع في الخطأ وان لم يؤدي إلى إحراز الصواب المطلق.
قال لي احد الأصدقاء أن احدهم وجدته زوجته في مخدع الزوجية مع امرأة أخرى، الزوجة المسكينة التجأت إلى بيت أهلها الذين نصحوها بالسماح والمغفرة والنسيان، زوجها اشترى لها عقدا ذهبيا وادعى انه بالآلاف تعبيرا عن ندمه ورغبة صادقة منه في عودة زوجته الحبيبة إلى عشها. رضت الزوجة وسامحت زوجها وعادت إلى منزلها مقابل هدية بمبلغ لا يتجاوز الخمسمائة دولار!
في إحدى القنوات الفضائية اتصلت فتاة بمقدمة البرنامج وهي أخصائية اجتماعية وعرضت عليها مشكلتها مع حبيبها! فكلما أهانها أو ضايقها لم يزدها ذلك فيه إلا حبا ولم تستطع خلال السنوات الأربعة التي هي عمر صداقتها معه أن تقطع صلتها به رغم انه لم يعدها بالزواج، هنا مقدمة البرنامج قالت لها أنها تعاني من داء "الشوفينية" وهو مرض نفسي مقابل السادية عند الرجل، السادية تعريفها ببساطة أن الرجل يستلذ بتعذيب الآخرين لا سيما المرأة وتبرز ساديته في الممارسة الجنسية حيث يستأنس بإحداث الألم عند اتصاله بالمرأة، ويكاد جميع الذكور في العالم لديهم نسبة معينة من السادية وتظهر بوضوح في الاتصال الجنسي إذ انه يفقد بهجته وبريقه عند عدم تعرض المرأة للألم أثناء الجماع، ولا يعتبر ذلك خارج المألوف أو حالة غير طبيعية ما دامت السادية في نطاق التوازن النفسي والغرائزي ويعتبر حالة مرضية إذا ما أصبحت لذة إحداث الألم مبالغ فيها وتؤدي إلى إلحاق الأذى بالطرف الآخر الذي هو المرأة في اغلب الأحيان، في المقابل هناك "الشوفينية" وهي الاستمتاع بالألم (او الرغبة في الخضوع)، العديد من علماء النفس وأظن أن فرويد مؤسس علم النفس التحليلي يقول أن المرأة بطبعها شوفينية، البعض يعارضه الرأي ويخالفونه بالجملة ويعتقدون أن المرأة والرجل من الممكن أن يكونوا "شوفينيين" بحكم النشأة والمجتمع والظروف المحيطة، ولكن من جهة أخرى لا بد أن نعرف أن الإنسان مجبول على التكيف ويعتبر من المخلوقات المتكيفة جسديا ونفسيا، أتذكر انه في السعودية عندما ألغى الملك فيصل الرق بمرسوم ملكي أبى العديد من العبيد حياة الحرية وفضلوا البقاء عبيد، طبعا ليس ذلك رغبة في العبودية ذاتها، وإنما بسبب الاعتياد نفسيا وجسمانيا على نمط حياة العبودية، ولان حياة الحرية تتطلب العديد من المتغيرات والقيام بعشرات المهام الفيسيلوجية والسيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية من اجل الوفاء بمتطلباتها والعصب إنما يتركز عادة في الجانب الاقتصادي. فالعبيد يخرجون من حياة العبودية شبه مشردين ولا يمتلكون رأس المال اللازم لبدء حياة جديدة.
المرأة السعودية اعتادت على نمط الحياة التي تجنبها مواجهة واقع الحياة المغيبة عنها تقريبا، وهكذا هي مبررات أنصار بقاء المرأة تحت مظلة الاستعباد والقهر. فعندما ينادي أنصار الحرية بحق المرأة في السعودية بقيادة السيارة يخرج ألينا المعارضين بالعديد من المبررات منها التي تدخل في دائرة الجزئيات والتوافه. فمن ضمن أسئلتهم كيف للمرأة وهي عورة أن تقوم بتغيير إطار السيارة مثلا؟ وكيف لها أن تذهب إلى ورش الصيانة وتقابل الرجال الأجانب والاختلاط حرام؟ وغيرها الكثير من الأسئلة السخيفة المحسوبة على نظام الاستعباد الحالي والتي تدخل في إطار الرضا والتسليم والقناعة بحياة الاستعباد إلا أن الكارثة المحققة هي أن تجد العديد من النساء وقد رضين بحياة العبودية بل ويتلذذن بها ويرفضن أي نوع من أنواع الحرية بل ويجدن المبررات لبقاء الحالة المزرية للمرأة السعودية.
المرأة السعودية بسبب تخلف النظم الاجتماعية والسياسية أصبحت نفسيا تعادل الغطاء الأسود الذي ترديه ويغطيها من رأسها لأسفل قدميها. فعندما يكون الجسد مغيبا عن الحضور السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي فمن الطبيعي أن العقل سيكون أكثر تغييبا وبالتالي تحطما.
عندما ارتاد الأسواق اتساءل هل المرأة السعودية سعيدة بما هي فيه؟ هل تغير نمط ارتداء العباءة وتطورها حتى أصبح ألان على الأقل الجيل الجديد من النساء يكشفن أعينهن، هل يعد هذا محاولة للتمرد على سلطة الاستعباد الحاكمة وبداية بطيئة للتحرر من إحدى مظاهر العبودية؟ أم أنها مجرد موديل ليس إلا؟
قبل ايام زارت مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية إحدى الكليات الأهلية في جدة والتقت بعدد من الطالبات، وجدت منهن دفاعا جريئا عن نظام البلاد الاجتماعي والقانوني، لا ادري هل هن مجبرات على ذلك؟ هل تم انتقائهن جميعا وتلقينهن ما يخالف بواعث الضمير في نفوسهن؟ أم أن ما تفوهن به جاء عن قناعة تامة أو شبه تامة؟ مصيبة إذا كانت الطالبات مقتنعات وبالتالي راضيات بحياتهن، إنها ليست سوى الشوفينية بأوضح تجلياتها، إحدى الطالبات قالت: أنا لا احتاج لان أقود السيارة فلدي سائق! وأخرى تقول سيمسح لنا بالعمل كما جاء في قرار مجلس الوزراء بما ينسجم وطبيعتنا! وقلن أيضا أن المرأة السعودية ليست مستعبدة وانه ليس هناك جدار يفصل بين الرجل والمرأة في المجتمع السعودي! يا عجبي ثم يا عجبي، أنها شوفينية تضرب بعرض الحائط كافة الحقائق المطلقة التي يعيشها الإنسان السعودي رجل كان أم امرأة، فإذا كانت المرأة تستلذ أو تقتنع بسلب حقها في قيادة السيارة وترضى بان يكون لها سائق وتركن إلى الكسل والخمول وعم استثمار الطاقة الخلابة في ذاتها الإنسانية، فكيف لها أن تخالف حقيقة مطلقة لا يختلف فيها اثنان (عاقلان بالطبع) في أن السعودية دولة وشعبا يعتمد نظاما (بغيضا) للفصل بين الجنسين، حتى في إيران الدولة الإسلامية التي يسيطر عليها فقهاء وعلماء الدين الشيعة لم يصل الأمر بهم إلى تهميش المرأة إلى هذا المستوى الرهيب!
لا اعلم هل المرأة السعودية مقتنعة وراضية بحياتها الكئيبة الرتيبة بل هل وصلت لمرحلة الاستلذاذ بحياة الاستعباد، هل الفتيات في كلية عفة دافعن عن قناعة أم أنهن مجبرات على ذلك؟ لا اعلم ولكن من الطبيعي انه عندما يغيب جسد المرأة عن الحياة ويعتبر مفسدة مطلقة ولا بد من احتجابه فان عقلها ووجدانها سيكون كذلك، وبالتالي لن تمتلك أي شي لتقدمه للمجتمع الإنساني عندما تنال حريتها جزئيا أو كليا، اعرف جيدا أن المرأة سواء كانت في السعودية أو غيرها من بلدان العالم الإسلامي عطائها قليل في كافة جوانب الحياة وفرصها في الإنتاج والتعمير محدودة ولكني أظن أن النظم الاجتماعية والدينية والقانونية والسياسية تلعب دورا محوريا في تحطيم المرأة وإبقائها في دائرة التخلف.
عندما تجد المرأة المبرر الأخلاقي أو الديني وهو الأعم والأغلب لبقائها في نطاق العبودية فإنها بالتالي تستأنس وتستلذ بعبوديتها في كافة المجالات. وعندما نقرا التاريخ الإنساني نجد أن المرأة ليست سوى عنصر مهمشا، وخلال ألاف السنين أصبح هناك تيار نسائيا في مختلف المجتمعات ومن ضمنها المجتمع الإسلامي يعتقد دور المرأة في الحياة ليس سوى دورا ثانويا وان المرأة ليست سوى العنصر الثاني في المعادلة الإنسانية وإنها مهما بلغت فإنها تظل امرأة يغلب عليها الضعف، والرجل مهما دنى فانه يظل رجل. يبدوا لي أن المرأة المسلمة والمرأة السعودية خصوصا وبنسبية محدودة تعيش سيمفونية شوفينية بشعة ليس لها نظير على وجه الأرض، فهي تستلذ بعبوديتها وتبعيتها وتهميشها وتجد المبررات لذلك وتساهم في بقاءها في آتونها. أمر عجيب يا ترى هل له علاقة بفسيولوجية المرأة، فهي تحيض كل شهر مرة ويصاحب الحيض الألم في اغلب الأحيان؟ هل هو مرتبط بالآلام الخالدة للحظات الولادة؟ أم مرتبط بالألم الاتصال الجنسي وفض البكارة في بداية الزواج؟ هل المرأة بطبعها شوفينية؟ إلا أن شوفينيتها تتوارى أو تبرز وفقا للنظم الاجتماعية والقانونية والسياسية المعمول بها في محيطها الإنساني؟ ورغم ذلك يبقى التبرير لنظام الاستعباد الواضح والجلي والاقتناع به والدفاع عنه بحجج دينية أو اجتماعية يظهر بوضوح كيف أن هذا المجتمع أو ذلك يعيش حالة فريدة من الجمود وعدم تمتعه بأي هامش حقيقي من الحرية اللازمة لتغيير والتطور، يا ترى هل هي حياة حقيقة يعيشها الفرد والمجتمع في ظل الجمود والرتابة؟ هل الحياة ذلك الجسد الذي يأكل ويشرب أم ذلك العقل الذي يبتكر ويغني الدنيا بكل ما هو مفيد ورائع؟
في كل مدينة مقبرة ولكن في ظل الاستعباد لن يكون هناك فرق بين المدينة ومقبرتها، بين من هم فوق الأرض وتحتها، من تساوى يوماه فهو إلى نقصان ومن كان إلى نقصان فأديم الأرض أولى به. زكي لطيف