قصة قصيرة: رسالة موبايل

بقلم: كلشان البياتي
الف بيت شعر اسهل من رسالة الموبايل

ساعة الموبايل تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل، وساعة الجدار تقترب من الثالثة، وساعة يدي تقرأ الثالثة... الوقت صحيح.. لا جدوى من الكذب، سأخلد إلى النوم وأنسى أني لم استلم منك رسالة موبايل...
تقترب الساعة من الرابعة والخامسة وانا لازلت أتقلب في الفراش واتسأل لما لم تصلني منك رسالة...؟ أتكون متعبا...؟ أم انك تعاني من مشكلة ما..؟ أم انك نسيتني...؟ أو تكون قد أنهيت رصيدك..؟ أو ربما لا تريد أن تراسلني، ربما تكون كعادتك غير مباليا... فأنت تكتب الرسائل عندما تكون في حاجة إليها ولن تكتبها عندما أكون(أنا) متلهفة وانتظرها...
اتفقت الأجهزة كلها أن تعرض الوقت أمام بصري برقم واحد، الثالثة بعد منتصف الليل: ساعة الموبايل، ساعة الجدار، ساعة التلفاز، ساعة القلادة، ساعة يدي، ساعة يد والداتي، ساعة أختي..... تأخرت كثيرا وانا على وشك النوم، انتظر رسالة منك لأخلد إلى نوم عميق.. أفكر أن اقتحمك برسالة على الموبايل، اكتبها ثم ألغيها بعد الانتهاء منها.
بعد الحرب، اقتنيت جهاز موبايل، كنت ابحث عن وسيلة اتصال سريعة، أستطيع الوصول أليك أينما تذهب وتكون أمام عيني، ووجدته بعد ذلك وسيلة تشغل وقت الفراغ.. انتظار مكالمة أو ورود رسالة عملية مسلية تستنزف الوقت.. في الحرب، يكون قضاء الوقت مشكلة أيضا...
الموبايل معي في جيب سترتي، ارتديه مثل القلادة، أضعه في الحقيبة، أصبح مثل ظلي لا يفارقني أبدا واشعر باطمئنان عليك: معي موبايل لن أفقدك ولن تتيه عني..
انتظر منك رسالة على الموبايل، ألا تعرف أن أجمل لحظة عندي هي لحظة رنيين جرس الموبايل، وصورة غلاف رسالة على الشاشة الفضية.. أية متعة تنتابني بل أي هاجس حين اقرأ رسالتك المقتضبة التي تبدأ دائما ب(حبيبي)....
ألف وخمسمائة وسبعة عشر قتلى في حادث واحد.. الرقم مثير للحزن والدمار، رسالة منك على الموبايل تجعلني أنسى فناء نصف سكان الكرة الأرضية، عواصف رملية تقتلع الأشجار الجميلة والعمارات العالية وتدمّر كل ما تصادفها في الطريق، رسالة منك كفيلة أن تمحو عني دمار الكرة الأرضية برمتها...
أنا انسانة بلا قلب، افرح لرسالة على الموبايل ولا احزن إذا تلاشى نصف سكان كوكب الأرض.. هذا الشعور ينتابني كلما استلم منك رسالة أو أكون في انتظار رسالة منك...
إذا غفوت، اشعر بانزعاج كبير إذا صحوت ثانية اثر أي حادث طارئ، لن يجرؤ احد أن يصحيّني مهما كانت الأسباب لكن جرس الموبايل يوقظني، وعندما يرن جرس ورود رسالة منك بالتحديد...
كن دقيقا وأنت تكتب رسالة لي على الموبايل لأني سأحللها ما أن استلمها منك، احللها كلمة كلمة، حرف حرف، أفتش بين ثنايا الكلمات، واقلبها رأسا على عقب، افسخ الكلمات واجردها من معناها، هذه الكلمة صدرت من القلب وأخرى غير معبرةّ، وكلمة لا افهم معناها، وهذه الكلمة ليست من قاموسك....
هي الحرب........!!!
الحرب تفعل كل ما لا يعقله العقل، الحرب جعلت مني امرأة تتسلى برسائل الموبايل... أنام وانا بانتظار رسالة، أصحو وانا متأملة وصول رسالة..
في الحرب، يرتدي الرجال بدلات القتال ويتأهبون لحسم المعركة، ينشغلون في الحرب، والحرب حرب للرجال بينما نجلس نحن النساء أمام المواقد نطبخ الطعام، نجلس أمام المرايا ونفتش عن نقطة جمال لم تعكرّها الحرب، وننشغل برسائل الأحبة الواردة عبر خطوط الموبايل..
أيام الحرب مزعجة تعكرّ المزاج، استلام رسالة موبايل تكون أحيانا أعظم من بيانات انتصار جيش أو انهزام جيش..
تذيع الفضائيات أخبار المفخخات في بغداد: سيارة مفخخة في بغداد الجديدة تقتل بالجملة، دراجة مفخخة في اليرموك، عربة تجرها حمار مفخخة تقتل المئات في سوق شعبي في الشعلة، سيارة ملغومة تجرح العشرات في البياع، بغداد تنشغل بدفن الموتى ومعالجة الجرحى، أنا بانتظار رسالة منك، سيارات الإسعاف، سيارات الحريق، سيارات الشرطة، ضجيج السيارات في الشارع تزعجني، توتر أعصابي، الموبايل تبث رسالة منك، اركض إليها مسرعة الخطى وضجيج السيارات في الشارع تتعب سمعي...
حين اكتب لك رسالة مقتضبة من كلماتين أو ثلاث، المح: المتنبي، وأبو فرس الحمداني، وأبو نواس، وعمر بن أبي ربيعة، وشعراء الحب في عصور الجاهلية والعباسي والشعراء المعاصرين من مشجعي الحداثة، يقفون بالطابور ويعرضون علي قصائدهم، لأختار منها بيت معبرّ، يدركون أن تأليف قصيدة بإلف بيت أسهل من كتابة رسالة عبر الموبايل. كلشان البياتي
كاتبة وصحفية عراقية Golshanalbayaty2005@yahoo.com