شعر: ما يُشبه الخراب .. بل هو الخراب

بقلم: حميد سعيد
يقتلعُ الغزاة ُ كلّ ما أقامه الاجدادُ في البلاد..

كما ترى في صورةٍ قديمةٍ .. ما كُنتَ قد شاهدتهُ من قبلُ ..
أو ما لم تكُن شاهدتَ ..
. . . . . . .
. . . . . . .
هل أعرفُ هذه الوجوه .. هل مررتُ من هنا
وهل أقمتُ حيث تظهرُ الاشجارُ في نهاية الطريق؟!
أسئلةٌ تغيِّر الصورة ..
. . . . . . .
. . . . . . .

أنّ ظلاً قاتماً .. غيَّب من في الصورة القديمة
و غيّب الطريقَ والبيوتَ والاشجار
لم يبقَ في الصورة غيرُ اثرٍ ..
ما ظلَّ منه غيرُ ما أبقى الزمان .. من بقايا دول ٍ دالت ..
وما تبقّى من بهاء مدنٍ هانت
ومن جمال ِ امرأةٍ .. كانت
. . .

ما يُشبه الخراب .. بل هو الخراب
الموتُ في انتظار كلِّ حيّ .. عند كلّ باب
لا فرقَ بينَ ميتةٍ وميتةٍ .. وبينَ مقتول ٍ ومقتول ٍ ..
وقد تختلفُ الاسباب
لا احدٌ يدفع عن احلامه.. وحشَ الكوابيس..
وعصفَ الملح ِ والكبريتِ والهباب
لا ثمرٌ يقيمُ في ألوانهِ الأولى .. الرمادُ سيّد المكان ..
لا ماءُ ولا سراب
ما يُشبه الخراب .. بل هو الخراب ..
. . . . . .
أفراسٌ .. تشبُّ في أعرافها النار..
وتعدو دون وجهةٍِ..
كأن ما كانَ وما يكون .. لغةٌ وحشيةٌ .. حروفها الحراب
في غفلةٍ تُدخلني الصورة في يباب
دمٌ على المسلّة الاولى .. على الملحمةِ الاولى .. على القباب
دمٌ على المتن ِ .. على هوامش الكتاب
دمٌ على الثياب ..
دمٌ على التراب ..
دمٌ على حدائق الله .. على الجوريِّ والصندل ِ والنعناع
. . . . . .
. . . . . .

هذا دمٌ أعرفه ..
كانَ معي على شواطئ الفراتِ .. في مقاهي الصيف
كانَ معي.. في الكرخ .. في الرشيدِ .. في الميدان
هذا دمٌ اعرفه..
لطالما رافقني ليلا ً الى السهرةِ في مضارب الاصحاب
. . .
ما يُشبه الخراب .. بل هو الخراب
يقتلعُ الغزاة ُ كلّ ما أقامه الاجدادُ في البلاد..
مثلما تقتلعُ العاصفة الاشجار
وهبنا قاموسهُ الحنظل واستباح أرثنا الجميل .. في الكتابة
حرمنا من ألفة الموت الذي يأتي رزينا ً هادئا ً..
ينسلُّ عبرَ بابِ ليلنا .. كما الاحلام ..
موتٌ صاخبٌ هذا .. وفجٌّ .. خشنٌ .. يغتصبُ الفناءَ والرباب
موتٌ طائشٌ هذا .. بذيءٌ .. من خنادق الخواء.. جاء
امبراطور السُعار.. يتخفّى خلفَ لغةٍ صفراء
يغتال أناشيد الصفاءِ في كتابنا..
يقول :
فعلُ الأخوة الاعداء
امبراطور السعار..
ليس غير السُمِّ في جرابهِ .. وليسَ غير الحمق في أهابهِ
ما يُشبه الخراب .. بل هو الخراب..
يعتزل المنشد.. من يسمعه؟!
عواصفٌ سود ٌ ووهمٌ شرسٌ .. ليلٌ خرافيّ وظلٌ فاجر
يعترف المنشد بالعجز.. أمِن معجزةٍ تهبه القُدرة ..
حتى لا يرى اليقظة َ في النوم ..
ولا اليمامة البيضاءَ في غراب
يعتزلُ المنشدُ..
في عُزلته تأتي الأناشيد.. الرمادُ في أوراقه ..
تُهاجر الحدائق الاولى الى تخوم العالم السُفليّ..
تحتال المواويلُ على النوم ِ .. وتختارُ العصافير الفرار
. . . . . . .
. . . . . . .

يسألني شيخي عن الرصافة ..
أقول .. كان ليلُها ..
يسألني شيخي عن بغداد..
أقولُ .. كانت جنّة الدنيا .. ودرّة البلاد
. . .

أسأل شيخي .. ايها العارف
أكنتَ تدري بالذي يجري؟!
يقول .. أدري وهو لا يدري
وما رأى الماءَ الذي يجري
ما يُشبه الخراب .. بل هو الخراب
مقابرُ تقتحم الشوارع.. الموتى يعودون الى البيوت
حفارو قبور .. يحملون وطنا الى مملكة الموت ..
وتأتي طائراتُ دونما روية ٍ .. فتأكلُ الاطفال والانهار والنخيل..
يعتذر الاموات ..
عما حَملوا من الشظايا..
عندَ باب الله .. قالوا : أننا نعيدُ هذه الهدايا
من أيّ ماخورٍ أطلت هذه العاصفة الحمراء
من أيّ معجم مُشوّهٍ يمدّ فعلٌ قذرٌ يداً جذيمةً ..
ينتشر الوباء
كما ترى في صورةٍ قديمةٍ .. ما ليسً في الصورةِ ..
هذا مشهدٌ مختلف ..
يوحِّد الضجيج بالظلّ .. وتبدو الخنفساء في ثياب امرأةٍ ..
وكل عاقر تقول .. أنجبتُ ألفا من الاطفال!!
تُستأجرُ الاحلام ..
هذا مشهدٌ مختلف..
أذ يحلم الغُزاة .. ثم يدّعون أنها أحلامنا
من يأكلُ العوسجً في الصيف.. عليه ان يقولَ.. أنه تفاح
والذي تنعق في دياره الغربان ..
عليه أن يقول .. بلبل صيداح
لا تعجبي
من كلّ هذا .. يا نفيلَ ..
كلّ هذا من خصال الوطن المباح
. . . . . .
. . . . . .

تسألُني .. أن كان هذا الصمتُ الوحشي.. يغدو بَعدَ حين وطنا ً؟!
وينضجُ البرحيّ في أوانه؟ّ !
يعتذرُ القاتل للقتيلً .. والقتيلُ للقاتل!!
يأمن الناسُ على أحزانهم..
يا أنتِ .. با حمّالة الاوجاعِ.. علمّي الاطفالَ..
أنّ في بلادنا غراب
جاء به الاغراب
. . .

اللغة البيضاءُ تمتدّ إليها النار..
صار الكركدن فرسا.. والبغل من سلالة البُراق ..
والنغيل سيدا. .
أهذه مدينة السلام .. أم مملكة الذئاب
ليس سوى الرماد ِ والجرادِ .. بين الصُلب والترائب
ليس سوى الغرائب
. . . . . .
. . . . . .

كما ترى في صورة قديمة .. ما كنت قد شاهدته من قبلُ ..
أو ما لم تكن شاهدتَ ..
ها أنت ترى في ما تبقى .. صفحة سوداء حميد سعيد
26/9/2005