التاريخ الشفوي الأردني.. إلى أين؟

عمان - من محمد أبو علبة

لا تزال الكتابة في مجال التاريخ الشفوي على أهميته غائبة عن المشهد الوطني الأردني الشامل على الرغم من توافر المبادرات الفردية في ميادين الإعلام والأعمال الدرامية التي قامت بتوظيف تقنيات التاريخ الشفوي في كتابة التاريخ السياسي والسير الذاتية والتراجم والتوثيق للأمثال الشعبية.. إلا أنها تفتقر في غالبيتها إلى المنهجية العلمية والنشاط المؤسسي الذي يضمن الانطلاق في هذا المجال بصورة متسلسلة شمولية سليمة.
وفي الوقت الحاضر تسعى مؤسسات من المجتمع المدني إلى تقصي الحقائق ومتابعتها من خلال إسناد النظرية العلمية لها إلا أن نجاح جهودها وتطوير أدواتها يعتمد على مدى ما توفره المؤسسات الرسمية المعنية من الاهتمام والدعم المادي وشرعية العمل.
ويقول على محافظة أستاذ التاريخ في الجامعة أن التاريخ الشفوي ضروري لكنه لا يغني عن الوثائق المكتوبة.
ويرى محافظة أنه لا يمكن اعتبار التاريخ الشفوي أو الشهادة الشفوية تاريخا بحد ذاتها، وإنما هي صور حية لأحداث مكتوبة.
ويضيف أن أهمية الشهادة الشفوية تظهر عند غياب الوثائق المتصلة بالحدث أو المعلومة أو عند تفسير للحدث من قبل شخص أو أشخاص ساهموا في صناعته أو كان لهم دور في القيام به.
وأضاف انه إذا غابت الوثائق عن الحدث أو عندما لا تعطي الوثيقة الجواب الشافي كان لا بد من جمع شهادات عدد من الناس الذين شاركوا فيه أو عاصروه، وبالتالي فإنها تلقي ضوءا من الإيضاحات في تفسير الحدث.
وتبقى الشهادة الشفوية شهادة ضعيفة لا ترقى إلى مستوى الوثيقة المكتوبة لأنها تعتمد كليا على الذاكرة، والذاكرة لا يمكن الاعتماد عليها كليا لما يعتريها من تآكل وغموض واختلاط في الصور والأحداث.
وأشار الدكتور محافظة إلى أنه يجب أن يتوافر في الرواية الشفوية عدد من الأمور الأساسية أهمها: الحرية، والحماية القانونية، والجرأة لدى الفرد في قول الحقيقة وقول وجهة النظر، كما أن على الباحث أن يمتلك المهارات اللازمة في إنجاح العملية منها: إتقان لهجة الشاهد أو الراوي المحلية، ولديه مخزون من معرفة العادات والتقاليد، بالإضافة إلى مهاراته في أسلوب كيفية توجيه الأسئلة بالطريقة التي لا تستفز الشاهد أو الراوي. التقنيات الحديثة أما محمد خريسات رئيس جمعية المؤرخين الأردنيين أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية فقال أن الخوف من ان الرواية الشفوية لا يمكن الاعتماد عليها بسبب ما قد يعتريها من الخطأ الناتج عن التحريف والنسيان قد ولى إلى غير رجعة وذلك بفضل التقنيات الحديثة التي أخذت تبرز إلى حيز الوجود.
وقال إن العصر الذي نعيشه اليوم هو عصر العقلية التاريخية سواء شئنا أم أبينا، والرواية المدونة وحدها لا تكفي، ومن هنا لا بد من استخدام التقنيات الحديثة في حفظ الروايات الشفوية لأنها تزود المؤرخين بمصادر جديدة.
وأشار إلى إن الوثيقة المسجلة في الأردن لم تحظى بالأهمية المطلوبة في تسجيل تاريخنا المعاصر، في الوقت الذي توجد فيه دول في العالم تمكنت من استخدام التقنيات الحديثة بتكوين مكتبات متحركة لخدمة التاريخ الشفوي.
ويؤكد خريسات أن الواجب يحتم علينا وضع منهجية قادرة على التعامل مع فيض المعلومات الغزيرة والمتدفقة عبر الوسائط الإلكترونية التي تجمع بين الشفاهية والكتابة والصور والتي أصبحت مصادر جديدة من مصادر المعرفة التاريخية بل الأجمل أنها أصبحت اليوم متاحة للجميع وبدون رقيب في غالب الأحيان. دور الإعلام وحول دور الإعلام ومراكز الأبحاث في موضوع التأريخ الشفوي يقول فاروق جرار : إن التاريخ المعاصر فيه الكثير من الاهتمام بالروايات الشفوية من قبل البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وكذلك البرامج التي تتحدث عن التاريخ مثل برنامج "شاهد على العصر".
وأضاف إن روايات الذين كانوا جزءا من صناعة التاريخ أو جزءا من المشهد فيه لا يمكن دحضه بسهولة .. وبالتالي فإن الرواية الشفوية مع أهميتها الكبرى تحتاج إلى أن تؤخذ بحذر وبتمعن لأنها في أحيان كثيرة تكون هي المصدر الوحيد، فيكون من الصعب إجراء المقارنات.
وأبدى جرار أسفه من أن الأردن لم يكن لديه في السابق الاهتمام الكافي بالتأريخ الشفوي، ورغم ما قامت به الإذاعة والتلفزيون من مبادرات إلا أنها كانت محدودة بهذا الشأن ولم تستكمل.
والأردن الحديث الذي يمتد إلى "85" عاما كان العديد ممن أسهموا في تاريخه قبل خمسة عقود أحياء .. ولو قامت الإذاعة ثم التلفزيون من بعدها بتسجيل تأريخ صوتي أو مصور للذين عاصروه لكانت لدينا ثروة هائلة من المعلومات.
ويرى إبراهيم مهنا عضو اتحاد المؤرخين العرب إبراهيم مهنا أن كتابة التاريخ الشفوي من أهم الفرص المتاحة لتصحيح ما كتب حتى الآن من قبل بعض المؤرخين العاملين لصالح مؤسسات رسمية أو حكومات مشيرا إلى وجود شبه إجماع على أن ما كُتب حول التاريخ المعاصر جزء منه غير دقيق والجزء الآخر غير كامل.
وأبدى خوفه في هذا المجال من الهواة وغير المتخصصين والمندسين والمستعجلين الذين قد يسجلون شهادات شفوية تضر بالتاريخ المعاصر خدمة لأهداف وأغراض لجهات معادية.
ودعا مهنا أقسام التاريخ في الجامعات والمتخصصين الحريصين على التوثيق الصحيح إلى وضع دراسات متكاملة تتضمن التعريف والشروط والقواعد العلمية التي على الباحث أن يلتزم بها.
ويقول هاني الحوراني مدير مركز دراسات الأردن الجديد أن المؤرخين الرسميين من أهمية التأريخ الشفوي، وبسبب ثقافة الورق المكتوب الذي يعني الإيمان والتصديق بكل ما هو مدون ومكتوب على الورق فقد تأخر بعض الشيء الاهتمام بالتاريخ الشفوي في بلادنا.
ويرى الحوراني ان أهمية التاريخ الشفوي تكمن في انه يعيد التوازن إلى عملية كتابة التاريخ من خلال إيلاء الاهتمام بأفعال الفئات والطبقات الدنيا والمتوسطة وتجارب الناس العاديين ورؤية الفئات المهمشة أو المقصاة عن الحيز السياسي والاجتماعي العام.