تجديد اليسار العربي: اليسار الديمقراطي في لبنان نموذجا

بقلم: معقل زهور عدي

يرسم مشروع الوثيقة السياسية لحركة اليسار الديمقراطي في لبنان آفاقا متقدمة ليسار عربي من طراز جديد.
هاهنا يولد تيار يساري عربي بعد احداثه قطيعة مع جملة من المسائل المنهجية:

1- نهج الماركسية العقائدية التي تنقلب الى مذهبية ثم تنحط في طبعتها العربية الى دوغما. وموقفها من الالحاد.
2- نهج اللينينية التي تميزت بمفهوم خاص لديكتاتورية الطبقة العاملة، ودور الحزب، ومسألة المركزية الديمقراطية، والمفهوم الثوري الانقلابي المرتبط بالعنف من اجل احداث التغييرات الاجتماعية.
3- نهج الأحزاب اليسارية العربية في ارتباطها القديم بالاتحاد السوفييتي وضياعها الجديد بين تمسك غير عقلاني بتجربة تاريخية منتهية وبين تحولها نحو يسارية –ليبرالية غامضة الرؤية والأهداف.
4- وبصورة لافتة سعت حركة اليسار الديمقراطي اللبناني الى القطيعة مع المفاهيم الحزبية القديمة البالية، وتجاوزها، ليس من داخل تلك المؤسسات ولكن من خارجها بالسعي لبناء علاقات من طراز جديد، دون إشعال الصراعات داخل الهياكل القديمة.

يتميز الخط السياسي لليسار الديمقراطي اللبناني بابتعاده عن الخطابية الشعاراتية وعقلانيته وواقعيته من جهة وبانسجامه المنطقي وتماسكه ووضوحه ومبدئيته من جهة أخرى.
تعطي قراءة مشروع الوثيقة السياسية الانطباع بخط تكاملي تمسك كل حلقة فيه بالأخرى.
تصف المقدمة كيفية تشكل حركة اليسار الديمقراطي من يساريين من مشارب فكرية متعددة، ومن تجارب حزبية وطلابية واجتماعية ونقابية وثقافية..الخ.. اجتمعت لتأسيس فاعلية جماعية للتواصل مع المجتمع واستنهاض قواه الحية ومواجهة التحديات.
وكفكرة مرجعية تعتمد الحركة –الديمقراطية- وتعيشها داخليا عبر الحوار والتنافس والنقد، ثم يأتي القطع مع تجربة الحزب الثوري الانقلابي والمركزية المتشددة، وتثبيت نهج التغيير السلمي الديمقراطي في لبنان على قواعد الاستقلال وبناء دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية.
تدعو الحركة الى بناء ائتلاف واسع لليسار في لبنان وتتواصل مع اليساريين الديمقراطيين في فلسطين وسورية وسائر البلاد العربية وتدعم جهودهم للتحرر والاصلاح. (تنفتح الحركة على التجارب اليسارية الجديدة في العالم، ونضالات الحركات العمالية والاجتماعية وتحالفات قوى العولمة البديلة) والقصد هنا قوى مناهضة العولمة.
تعيد الوثيقة تعريف اليسار كنقطة انطلاق منهجية بوصفه حركة سياسية أوسع من الماركسية يضم في صفوفه ماركسيين وغير ماركسيين، يلتقون على مواجهة الرأسمالية السائدة لصالح مجتمعات انسانية عادلة تحترم الانسان وحقوقه وعمله وتؤمن بالديمقراطية.
هنا يتم الافتراق بين مفهوم الأحزاب أو الحركات الاشتراكية المؤسسة على الدعوة لنموذج اجتماعي منجز في الوعي (المجتمع الاشتراكي) وبين مفهوم حركة اليسار الديمقراطي التي تعي أنه "صار لزاما علينا أن نحدد صورتنا لا في الأهداف الخيالية بل في المعارك الملموسة من أجل التغيير، وعلى أساس معايير الامكان أكثر من معايير الجذرية" ويعتبر هذا الافتراق أساسيا كونه "يحدد البرامج والخطط والتحالفات والممارسات"، بعد هذا التعريف تتقدم الوثيقة نحو "مكونات هويتنا كيساريين لبنانيين" فتعيد اكتشاف الهوية اليسارية الديمقراطية الجديدة في الواقع اللبناني حيث تنبسط تلك الهوية عبر مهام اجتماعية تطرحها خصائص المجتمع اللبناني وضرورات تقدمه نحو المستقبل.
تقدم المجتمع اللبناني، ضمان عدالة التوزيع، الدفاع عن مصالح قوى الانتاج، النضالات الاجتماعية والنقابية، الدفاع عن ذوي الدخل المحدود، النضالات الانسانية، المرأة، الحريات، البيئة..الخ..، ويجري ابراز عناوين رئيسة منها الديمقراطية والهوية العربية.
في الفقرة التالية تتعرض الوثيقة للمسألة التنظيمية فيما هي انعكاس لفهم الديمقراطية وتفصل في ضرورة حضور الرأي العام الحزبي والانتخاب المباشر من كل أعضاء الحركة، وحق الأقلية في التعبير عن نفسها، وضرورة الاصطفاف في تيارات وبرامج داخل الحركة.
في تحليل الظروف الدولية والعربية الراهنة تنطلق الوثيقة من تطور الرأسمالية نحو العولمة العسكرية، وتعتبر ما جرى في 11 ايلول حلقة مواجهة ضمن التحولات العالمية التي اطلقها انهيار نظام الثنائية القطبية "المواجهات هنا ليست بالمعنى الايجابي، ولكن تشير الى انفتاح صراع على امتداد العالم دون قيود"، كما تعتبر أن سياسة الهيمنة الأحادية هي المسؤولة عن زعزعة الأمن في العالم، وكذلك ما نتج عنها من احتلال العراق ودعم الاحتلال في فلسطين، لكن الوثيقة تميز بين أشكال من الاعتراض بعضها مدني وسياسي وآخر متطرف عنيف يتخذ أحيانا شكل عنف أعمى، هنا تلاحظ الوثيقة أن "اندفاعة العنف هذه تأتي على خلفية ضعف البدائل اليسارية والديمقراطية أو غيابها نتيجة القمع والاستبداد"، ولعلنا بحاجة للبحث عن أسباب أخرى.
تدين الوثيقة احتلال العراق، وتميز بين العمل المقاوم للاحتلال الأمريكي والارهاب الموجه ضد المجتمع وترى أن الخلاص في تحرر العراق من الاحتلال وتنظيم انتخابات وطنية ديقراطية.
بالنسبة للتحليل السابق ثمة ملاحظة تتعلق بضعف الربط بين استراتيجية العولمة المعسكرة التي أفضت لاحتلال العراق من جهة واستراتيجية مفترضة للقوى المناهضة للعولمة والتي لايمكن لها أن تتجاهل ضرورات مواجهة استراتيجية العولمة العسكرية بالقوة أحيانا كما في حال احتلال العراق، وبالتالي تثمين دور المقاومة العراقية ليس لدفاعها عن سيادة العراق المنتهكة فحسب ولكن لمساهمتها في كسر النزعة العسكرية الخطرة للعولمة. وبالتالي فتح الآفاق أمام المقاومة السلمية، وبدون كسر النزعة العسكرية للعولمة يغدو كل حديث عن مناهضة سلمية ضربا من الرومانسية الحالمة، قبل كل شيء ينبغي إعادة ذلك الوحش المنفلت إلى قفصه وهذا ما تساهم فيه المقاومة العراقية بصورة لا تحتمل التأويل.
برغم تقدم موقف الوثيقة أشواطا على موقف اليساريين - الليبراليين السوريين الذين لا يعترفون بالمقاومة العراقية (أين هي المقاومة العراقية ؟ نحن لا نرى سوى الزرقاوي) فهو يبقى مجالا للنقاش.
في المسألة الفلسطينية، اتجهت الوثيقة نحو التركيز على دعم نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته للعدوان الاسرائيلي والضغوط الأمريكية وضرورة الحوار بين كافة الأطراف الوطنية الفلسطينية والاتفاق على استراتيجية موحدة.
يظهر خط اليسار الديمقراطي اللبناني في تجنب التركيز على الحلول النهائية والنماذج المكتملة والتركيز بدلا عن ذلك على مجرى النضال ذاته ومتطلباته و"على أساس معايير الامكان".
تشدد الوثيقة على مسألتي الانتماء والهوية العربية باعتبارهما موضوعين أساسيين للصراع في ظل العولمة، من هذه الزاوية تطل الوثيقة من خلال هاتين المسألتين على المستقبل وليس على الماضي، وتربط بينهما وبين التنمية والتحول الديمقراطي والتحرر الوطني.
في تلك النقطة يتوضح الافتراق بين نظرة مجردة لمسألة الوحدة العربية (خارج الزمان والمكان) لا تصلح إلا كشعار فارغ، وبين وعي مسألة الانتماء والهوية كموضوع أساسي للنضال مشتبك مع الموضوعات الأخرى مثل التحرر والتنمية والديمقراطية ومناهضة العولمة، هذا الافتراق هو مايميز اليسار العربي الجديد في فهمه للمسالة القومية، وسوف ينعكس المفهوم الجديد لاحقا في الاستراتيجية والبرنامج، وصولا نحو النظرة الى لبنان العربي وعلاقة اليسار الديمقراطي اللبناني بالقوى الديمقراطية والشعبية العربية، هكذا نقرأ في فقرة لاحقة: "لابد لليساريين ان ارادوا التغيير أن ينخرطوا في مبادرات وانشطة تنسيق عربية على المستويين السياسي والاقتصادي، وعلى مستوى قوى المجتمع المدني".
هنا يصل فهم الانتماء العربي الى تطبيقه الواقعي، ويخرج عن كونه مجرد حلم او ايديولوجيا، بل ويكتسب بعدا حضاريا وعقلانيا وتنمويا حسب عبارة الوثيقة.
اليسار الديمقراطي اللبناني هو أول يسار عربي يتمكن من إعادة اكتشاف الهوية العربية ليس في الماضي ولكن في المستقبل وفي خضم الكفاح ضد قوى الهيمنة العولمية الرأسمالية ومن أجل الديمقراطية والتنمية.
وفي وقفة تأمل يتملك المرء الشعور بالأسى لحال تيارات اليسار في سورية في ارتدادهم نحو انتماء سوري يدير ظهره للحقيقة العربية ويخرجها من دائرة الاستراتيجية والبرنامج إلى دائرة هامشية لا وزن لها في مجرى الفعل الواقعي، وذلك سبب من الأسباب لضرورة التفكير بتميز خط يسار ديمقراطي في سورية. اشكالية الانتماء تطرح مسألة الانتماء العربي اشكالية تتمثل في علاقتها بمسائل الانتماءات الاخرى مثل الوطنية، الاسلام، الأممية، ومسألة الانتماءات القومية الاخرى مثل الكردية والأمازيغية، وفي العراق يظهر اليوم شكل من أشكال الصراع بين انتماء قومي عربي وانتماء مذهبي- طائفي.
لا يمكن في هذا السياق التفصيل في اشكالية العلاقة بين الانتماء العربي والانتماءات الأخرى جميعها، لكننا مضطرون للتوقف عند مسألتين على الأقل:
الأولى هي علاقة الانتماء العربي بالانتماء الوطني، والثانية هي علاقة الانتماء العربي بالانتماء الطائفي.
ينحو خط اليسار اللبناني الديمقراطي لايجاد نوع من التوازن بين الانتماء اللبناني الوطني الذي يتجسد في مفهوم الدولة اللبنانية المستقلة "من أجل وطن كامل الاستقلال، حيث الوطنية نقيض لكل اشكال الانغلاق والعنصرية، ورفض للتذويب وطمس الخصوصيات" وبين الانتماء العربي بما هو انتماء حضاري وثقافي وخيار سياسي واقتصادي.
توازن العلاقة بين انتماءين لا ينفي احدهما الآخر، أو يسعى للحلول مكانه، لبنان أصبح انتماء حقيقيا هذا مايجب الاعتراف به، والعروبة أيضا انتماء حقيقي هذا مالا يمكن إنكاره.
في سورية ظهر الانتماء العربي كنفي للانتماء السوري، الوطنية السورية عنت النزعة القطرية الموصوفة سلبيا، العروبة التقليدية تغولت على الوطنية السورية، هذا التغول كانت له آثار سلبية، مثلا: أسهم في إهمال مقومات بناء الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون والمؤسسات، حيث استقرت في الوعي العام فكرة أن الدولة القطرية هي دولة مؤقتة، ممر للدولة القومية، وبالتالي من العبث بذل الجهد لبنائها بناء يتصف بالكمال، والنتيجة أننا لم نحصل لا على الدولة القومية ولا على الدولة القطرية.
الانتماء العربي وفقا لمفهوم اليسار الديمقراطي اللبناني يتعايش ويتكامل مع الانتماء الوطني ولايتصارع معه، الوطنية اللبنانية وكذا السورية لايجب أن تستثير حفيظة العروبة.
ما نشهده اليوم في سورية هو خطر تغول الوطنية على العروبة كرد فعل، الوطنية السورية تسعى لاعادة الاعتبار لذاتها، وهذا أمر مفهوم، غير أن المبالغة في ذلك الى حدود التنكر للانتماء العربي أو تهميشه مسألة أخرى. اليسار الديمقراطي اللبناني استطاع ايجاد توازن بين الانتماءين، واليسار السوري مدعو أيضا لا يجاد مثل ذلك التوازن.
في العراق اليوم يتصارع الانتماء العربي مع الانتماء الطائفي - المذهبي صراعا يأخذ طابعا مصيريا، ففي حين تم اختراق الانتماء الوطني العراقي، وبدا كما لو أن ذلك الانتماء لم يتمكن من الصمود أمام الانتماء القومي الكردي وكذا أمام الانتماء الطائفي-المذهبي، انتقلت ساحة الصراع لتكون بين الانتماءين العربي والطائفي-المذهبي.
ليس من السهل الحكم على نتيجة ذلك الصراع المحتدم، لكن ما يفترض أخذه بالاعتبار أن الاحتلال الأمريكي يلقي بكامل ثقله لتحطيم الانتماء العربي في ذلك الصراع، بينما يظهر الانتماء العربي مقاومة غير عادية، ولعل مستقبل العراق وربما المنطقة سيتوقف على مسألة أي انتماء سينتصر في العراق.
في لبنان لا يجابه الانتماء العربي صراحة الانتماءات المذهبية، لكنه سيظهر في حال شكل الانتماء الطائفي خطرا على وحدة لبنان، وهذا مالا يبدو في الأفق حتى الآن.
في عصر تدهور الدول القطرية تبرز أهمية الانتماء العربي في مواجهة عوامل التفكك، وخاصة الانتماءات الطائفية-المذهبية حيث يمكن لتلك الانتماءات اختراق الرابطة الوطنية غير أنها ستصطدم لاحقا بالرابطة العربية التي تبدو أعمق جذورا.
تحت عنوان "في ضرورة مشروع نهضوي جديد" تعيد الوثيقة سبب التعثر في مسيرة التقدم الحضاري الى انتكاستين، الأولى فشل مشروع النهضة العربية والتنوير الديني أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبالتالي خنق بذرتي الديمقراطية والاصلاح الديني، والثانية مآل حركة التحرر الوطني العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال.
تخرج الوثيقة بنتيجة مفادها ضرورة ان تعيد المجتمعات العربية اطلاق دينامية مجتمعية وثقافية خلاقة، المهم في هذا السياق هو التنويه بأن قوى اليسار تحديدا مطالبة بأن تكون حاملة لمشروع نهضوي معاصر.
هذه الفكرة التي جاءت في سياق التحليل كوعي ضرورة جنيني تستحق الكثير من التأمل، قوى اليسار تحديدا اضافة لدور القوى الدينية المتنورة والعلمانية والديمقراطية حسب عبارة الوثيقة.
لكن لماذا قوى اليسار تحديدا؟
حين يجدد المجتمع نفسه ليتقدم يحتاج الى حامل اجتماعي، فئات اجتماعية او طبقات ترتبط مصلحتها بحركة تقدم المجتمع ذاته ضمن الظروف الاقتصادية والسياسية المحيطة. العولمة تعيد انتاج الاقتصاد والسياسة والمجتمع، تعيد فرز القوى الاجتماعية، وحدها الفئات الاجتماعية التي تدمرها العولمة أو تعيد انتاج فقرها وعبوديتها قادرة على الكفاح من أجل مجتمع وعالم جديدين، الفئات الأخرى التي تتمفصل مع آليات هيمنة العولمة لن تكون مستعدة سوى للدفاع عن مصالحها الذيلية، وعيها لوجودها ليس ضد الواقع الفاسد لكن من أجل ضرورات اعادة تكييفه مع النظام العالمي الجديد، هكذا يمنعها تماهيها مع آليات الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية للعولمة من رؤية البديل، البديل لديها هو الالتحاق، التبعية، في الاقتصاد والسياسة والفكر.
في سورية وعلى امتداد الخمسينات من القرن العشرين كان المجتمع السوري يغلي بصراعات متعددة في ظروف اقليمية ودولية بالغة التعقيد، بينما الطبقة السياسية التي تمثل القوى الاجتماعية التقليدية تزداد ضعفا واهتراء، مما أفسح المجال أمام اندفاع فئات اجتماعية جديدة صاعدة مثلت تحالفا يضم الطبقات الوسطى بمثقفيها مع الفلاحين وفقراء المدن، تلك القوى الاجتماعية غدت الحامل الاجتماعي المنوط به تقدم المجتمع ككل والبديل عن القوى التقليدية، وسواء نجحت تلك القوى أم لا فصعودها لم يتم سوى بسبب أزمة عامة وجدت تعبيرها بوصول القوى الاجتماعية التقليدية الى حالة عجز وتفكك شاملين.
حين نفكر اليوم في طبيعة القوى الاجتماعية المؤهلة للعب دور رئيسي في اطلاق ديناميكية نهوض اجتماعي لابد أن نأخذ بالاعتبار طبيعة المرحلة والمعطيات الاقتصادية والسياسية العالمية والاقليمية والداخلية وكذلك التجربة التاريخية.
لكن ذلك لا يصلح ليكون مصادرة ايديولوجية، القوى الاجتماعية الأخرى لا يمكن شطب دورها بجرة قلم، ظاهرة رياض سيف في سورية تستحق التأمل والدراسة، ليست البورجوازية سلبية وفق تعميم مطلق، كما ان فكرة الحامل الاجتماعي ليست تقريرا أو يقينا، هي مجرد استنتاج، استنتاج يرسم مؤشرا لامكانية سوف يؤكدها الواقع، أو ربما ينفيها أو يعدلها، مع ذلك فنحن بحاجة الى هذه الفكرة، على الأقل كيلا نسترسل في تعليق الأوهام على فئات اجتماعية استهلكها التاريخ، ونهمل أخرى تحمل امكانية قيادة التغيير، وهذا لايشابه في شيء الحتميات التاريخية.
اليسار الديمقراطي لا ينظر لعودة البورجوازية التي ستبعث روح النهضة من جديد في المجتمع على طريقة الامام الغائب كما يفعل اليسار الليبرالي، لكنه لايتبنى منها موقفا سلبيا مسبقا.
في المسألة الطائفية واجهت الوثيقة انحرافين فكريين في مقاربة الطائفية:
الأول: يكمن في المبالغة في أهمية موقع الطائفية في لبنان وحاضره ومستقبله "كما في الفكر اليميني الطائفي"، أو اعتبار الطائفية في المقابل علة العلل في النظام بحيث يصبح التخلص منها هو الحل الشافي لكل مشكلات لبنان "كما في بعض مبالغات الخطاب اليساري أو القومي أو الشعبوي".
الثاني: يتمثل في اجتزاء الظاهرة الطائفية عن باقي مكونات عملية الاصلاح السياسي.
يميز اليسار الديمقراطي بين الغاء الطائفية السياسية (ولو بالتدريج ) وذلك ممكن نظريا على الأقل، وبين الغاء الطائفية في الواقع كوعي وسلوك وتشكل اجتماعي، هكذا تعتبر نظرة اليسار الديمقراطي خطوة متقدمة عقلانيا في الاعتراف بالطائفية كتشكل اجتماعي، وادراك ان مسألة الاندماج الاجتماعي لا يمكن حلها بقرار أو بشعار، الاندماج الاجتماعي هو مسيرة تاريخية – اجتماعية، لكن ما يمكن ويجب عمله هو الغاء الطائفية السياسية، وهذا مرتبط بمسار الاصلاح السياسي بما في ذلك النظام الانتخابي، وأيضا بتعزيز مفهوم المواطنة والمؤسسات المدنية الطابع، تجاوز الطائفية لا يمكن ان يحصل تلقائيا، ويتطلب الأمر جهودا منسقة لليسار الديمقراطي ولكل القوى الوطنية غير الطائفية.
التعدد الطائفي ليس عيبا نخجل من اظهاره، هو واقع اجتماعي – تاريخي، لكن المسألة تكمن في ضرورة الوقوف ضد محاولات النفخ بذلك التعدد واستغلاله سياسيا لأهداف لا تتصف بالبراءة، وأيضا محاولة تشريعه وقوننته وفق أطر سياسية.
تتقاطع آليات الهيمنة الأمريكية على المنطقة مع ضرورات تفكيك البنى الاجتماعية، وما نشهده هو اعادة انبعاث الروح الطائفية بتأثير من احتلال العراق والسعي لاتخاذه مرتكزا للسيطرة وبالتالي الشروع بتفكيك بنيته الاجتماعية، اليسار اللبناني يدرك هذ ه الاشكالية بحكم موقعه ضمن سيطرة النظام اللبناني الطائفي.
أخيرا لقد ثبت أن اليسار الديمقراطي اللبناني رغم طروحاته السلمية الديمقراطية يشكل خطرا جديا على القوى التي يتمحور فعلها في اتجاه تعميق الطائفية واستغلالها سياسيا في لبنان، وذلك مؤشر لكونه لم يعد يعمل على هامش المجتمع بل في قلبه، وكونه تيارا محدودا لايعني أنه ليس فعالا وذلك ما أظهرته أحداث السنة الأخيرة.
بالمقارنة مع تيارات اليسار في سورية، يبدو اليسار الديمقراطي اللبناني أكثر وضوحا وشفافية وانسجاما، كما يبدو أكثر واقعية، وتغوص تحليلاته في المجتمع اللبناني على نحو أكثر عمقا، كما يتضح الترابط في تحليلاته السياسية – الاقتصادية بين العالمية والعربية والمحلية، وتتسم مواقفه بروح مبدئية تبعث على الاحترام، أما لغته فتمتاز عن لغة اليسار السوري ببساطتها، وابتعادها عن التثاقف وعرض العضلات الفلسفية الذي يخفي وراءه نزعة نخبوية تسعى لإرضاء الذات قبل أي شيء آخر. معقل زهور عدي