تأويل التأويل: من وهم الوضوح إلى مرونة الغموض

بقلم: صابر الحباشة
النص النقدي يتحول إلى جسر يجمع القارئ/الناقد بالقارئ العادي

ليس العبرة في النصوص الإبداعية كثرتها بل المهمّ أن تكون متنوّعة متعدّدة الأساليب وافرة المعاني... وكذلك الشأن في قراءة هذه النصوص فليس المهم تعدد القراء بل المهم هو تنوع القراءات وثراؤها وطرق تناولها للآثار الإبداعية والقارئ/ الناقد ليس الذي يميّز النصّ مؤوّلا: "إنّ النصّانية لا تتحدد من خلال تخومها البنيوية ولكن من خلال انفتاحها في اتجاه القارئ/ السامع باعتباره مؤولا".(1)
فالتأويل دخول للنص لا من مداخله بل من مغالقه يقع على الغامض الفاتن فيعرّي غموضه ويحدّ فتنته، أما "تأويل التأويل"(2) فدائرة جهنمية تقوض آلات الناقد وتلقي به في مهب الغموض. فكيف تناول محمد خريف النصوص الإبداعية التي عالجها في كتابه؟

تأويل التأويل: استعارة الحكي، حكي الاستعارة

ليس من العسير على الناظر إلى ما أصدره محمد خريف إلى حد الآن من الآثار النقدية إن يصطدم بإلحاحه على جملة من المصطلحات من قبيل الاستعارة والحراشف.. وغير ذلك مما يتراكم في كتاباته تراكما غير مبرر له –كما أن عناوين الكتب قد اتخذت طريقة واحدة في تعليق الكلام فهو يركب مضافا إليه مع مضاف ويكون المضاف إليه هو ذاته المضاف (استعارة الاستعارة/ تأويل التأويل). والكاتب حر في اختيار عنوانه الذي يرتئيه مناسبا على شرط إن يعلل اختياره ذاك وهذا ما لم يفعله محمد خريف في كتابه الأول ولا في كتابه الثاني. أما تلك الفاتحة التي يصدر بها كتابه فالأجدر إن تسمى غالقة لما تحتوي عليه من تلبيس وإبهام وتعجيز للقارئ الذي يضنيه البحث في مقاصد الكاتب فلا يدرك إلا رمادا بقاع صفصف تذروه الرياح في يوم عاصف.
ولعل هذه الطريقة في اختيار العنوان توقع الكاتب والقارئ معا في غواية الكلمات الخلابة الرنّانة النافقة في سوق الأدب والنقد من قبيل "الاستعارة و"التأويل" غير أن استعمالها بطريقة غير دقيقة يخل ببريقها بل قد ينزع عنها رداء الإبهار والإعجاز هذا، لتتحول إلى ما يشبه "البهارات" التي تزين الكلام كتلك التي تطيب الطعام.

معمار الكتاب

يحتوي "تأويل التأويل" على إحدى عشرة مقالة بعضها منشور في مجلة "كتابات معاصرة" اللبنانية وبعضها الآخر منشور في "الصباح الأدبي" وبعضها الآخر ينشر لأول مرة، وتتفاوت هذه المقالات (يسميها الكاتب فصولا) من حيث عدد الصفحات فمقالة "الرواية تخترق نقدها: صنع الله إبراهيم في اللجنة"(3) تمتد على أربعة وأربعين صفحة في حين لا تتجاوز مقالة "العرض والطلب: القناع تحت الجلد"(4) ثلاث صفحات.
والملاحظ أنّ محمد خريّف قد تناول في كتابه هذا نصوصا سردية تنتمي لجنس القصّ وقد جعل كتابه على شطرين (5) (دون أن يذكر ذلك صراحة) فالشطر الأول يتناول فيه آثارا روائية لكتاب عرب هم: صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني وجبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمان منيف بمعدل رواية لكلّ واحد منهم، أمّا في الشطر الثاني فقد تناول محمد خريّف آثارا قصصية روائية تونسية: أثران لمحمد رضا الكافي وأثران لحسن بن عثمان وأثر واحد لعلياء التابعي ومثله لعمر بن سالم. وأغلب هذه الآثار المدروسة وليدة الثمانينات أو التسعينات، من هنا يمكن أن ندرك رغبة الكاتب في الإحاطة بالآثار أو الروائية التي ينتجها المشارقة والمغاربة (في تونس) وهذه الإحاطة تدخل ضمن المواكبة النقدية لراهن الكتابة الإبداعية، فالكاتب يبحث عن الالتصاق بالأعمال الإبداعية الحديثة جدّا والتي هي أقرب إلى همومنا المعيشة من ناحية ثم إنّها أبعد غورا من ناحية النضج الفنّي من ناحية أخرى.

كيفيات تناول النصوص الإبداعية

يتميّز "تأويل التأويل" بأنّه يتناول الآثار المدروسة تناولا نصّيا صرفا ممّا جعل الكاتب يلوذ بالنصّ يفسّر به النصَّ من ذات الأثر وكأنّ النقد تمحّض إلى عملية بناء وتنضيد لعناصر بها قوام النصّ وعليها ارتكازه. وقد انبرى الكاتب يتناول النصوص نائيا عن أصحابها مستعيضا عن الشخص الواقعي بالشخص النصّي فهو "الراوي السارد" ص.22-23 "الراوي" ص121-169 "الراوي المتنبّي" ص.214- فالعلاقة حميمة مع النصّ محمومة مع صاحبه. وهذا من الدلائل التي تدرج محمد خريّف في طائفة النقاد "البنيويين" "وقد وضعنا العبارة بين مزدوجتين لأن الكاتب لا يرضى بالإجراء الأكاديمي المنضبط للقانون التي ترسمها البنيويون وغيرهم من أصحاب المدارس النقدية.
ولعل هذا الأمر قد جعل الكاتب يرسل أحكاما قد تبدو غير مبررة كما ينبغي ولكنه يرسلها جزافا كان يقول "فإن صنع الله إبراهيم يشبه في هذا إلى حدّ كبير ميشال بوتور في التحوير إذ هو يلمح ولا يصرح، يستر ولا يعري"(6) فالتعليل الذي من أجله قارب بين كلا الروائيين يبدو غير مقنع، كما أنه يطلق حكما آخر نراه غير محسوب غذ يقول "فالحديث عن الأنا بهذا الشكل طريف إلى حد الغرابة مما يقرب هذا العمل الروائي من الترجمة الذاتي في الأدب الغربي حيث يتعرى الروائي فيخلع ثياب الستر والوقار"(7) فقد احتوى الاستشهادان الأخيران حُكْمَيْن أطلقهما الكاتب من موقع العليم بالأدب الغربي ولكنه لم يتوغل في تبرير هذين الحكمين بل مر مرورا سريعا ذلك انه كاد يفارق النقد الأدبي إلى المقارن وحتى يتجنب الوقوع في مأزق التناصّ فإنّه يعود إلى الغوص في النصّ من جديد.
لكن طريقة محمد خريف في تناول النصوص لا تخلو من اضطراب فهو لا يفرّق بين المستويات المتعددة لتناول النصّ فهو يمتح من البلاغة ومن النحو ومن الصرف ومن الأسلوبية... فيرد نصه خليطا من هذا ومن ذاك ثم إنه في كل مقالاته قد تناول الآثار كاملة أي لم يقتطع نصوصا بعينها وهذا أمر إيجابي لو مكن القارئ من السيطرة على الأثر مجملا ثم فليشتغل ما طاب له الاشتغال على الجزئي أو العرضي في النص، إلا أن هذه النزعة التأليفية كانت غائبة عن الكتاب. فكأن المقالات هي جملة أعمال هي أشتات من ذاكرة ضاجة غير ساكنة ولكنها على قدر معين من الهشاشة لأنها لا تستند إلى أرضية معرفية صلبة، بل يطغى اشتغال الكاتب على لغته الناقدة على جوهر الأعمال المنقودة فالكلف الزائد عن الحد بالأسلوب (8) والترصيف المذهل للمصطلحات الفجة المبهمة جعل النص النقدي الذي أنتجه محمد خريف مشوّشا لا يستطيع القارئ متابعة طفراته و"نزواته" المتمثلة في الاحتفاء بظواهر أسلوبية جزئية متكررة مهولا من شأنها ومدققا النظر فيها ومنتقلا من ظاهرة إلى أخرى دون سابق تمهيد أو تهيئة. مقابل ذلك يهمش الكلي من الأمور في النص وكان الكاتب يقبر المعنى أو يئد الدلالة.
فالنقد الذي مارسه صاحب "تأويل التأويل" يقوم على تفتيق عجيب مذهل للمصطلحات الغريبة والمجازات الحوشية المبهمة التي تزور الأمور وتهوم بالقارئ في مدارات نائية، بل يجد نفسه في مفازة يعالج عنت هذه النصوص النقدية الجامحة. إنه نقد لا يسدي خدمة للقارئ بل يشاكيه ويستفزه ويلقي به في مجاهل التأويل فكأنه إذ يتزيّى بسربال الغموض إنما يوقظنا على حقيقة أن "الوضوح يوهمنا بأننا نسيطر على اللغة بأننا نجعلها تفعل ما نريد بالضبط"(9).
فالكاتب يحاول أن يجرب نمطا من الكتابة الإبداعية حول الكتابة الإبداعية من ناحية ويرنو إلى أن يؤسس لعلاقة جديدة بين الكاتب والقارئ فيها "يتوقف الكاتب عن إتحافنا من عليائه بمذهبه الثابت بكل ما فيه من بساطة وهمية" (10) وبالمقابل فعلينا "العمل لشق طريقنا من خلال كلماته الغامضة" (11) وبذلك يتحول النص النقدي إلى جسر يجمع القارئ/ الناقد بالقارئ العادي لتذوق النص في رحاب التأويل. الهوامش (1) ج.م.أدام "القص" سلسلة ماذا أعرف؟ -ط2- باريس- 1987 ص120.

Jean Michel Adam: "Le récit" col .que sais-je PUF 2eme ed.-1987 p.120
(2) محمد خريف: "تأويل التأويل" –ط1. تونس 1996 (طبع على نفقة المؤلف) ص.132
(3) "تأويل التأويل" ص.ص 9-55
(4) "تأويل التأويل" ص.ص 179-183
(5) الشطر الأول يقع من ص.9 إلى ص 150، أما الشطر الثاني فيمتدّ من ص 151 إلى ص130
(6) "تأويل التأويل" ص 29
(7) "تأويل التأويل" ص228
(8) صحيح أنّ الأسلوب الذي تكتب به المحاولة النقدية هو جزء منها ولكن هذا لا يبرر للناقد أن يحوّل نصّه النقدي إلى طلاسم تحجب عن القارئ بدل أن تنير سبيله.
(9) جون ستروك "البنيوية وما بعدها من ليفي شتراوس إلى دريدا" ترجمة د. محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة ع.206- فيفري 1996.ص.27.
(10) و(11) البنيوية وما بعدها ص.28
صابر الحباشة - تونس