الاسلام والمسلمون و'ثقافة' تجريح الضمير

بقلم: علي الصراف

حتى بعد مرور كل هذه السنوات، ما يزال من الضروري، والصحيح من الناحية الأخلاقية، ايقاع نوع من العقاب على سلمان رشدي - صاحب الـ"آيات الشيطانية" الشهير. ليس لانه ما يزال حاضرا، يدلي بتفاهاته نفسها، في كل مناسبة يصبح فيها الإسلام موضوعا للتجريح، بل لانه تحول الى ظاهرة ينخرط فيها أشباه مثقفين، او ساعون الى شهرة رخيصة، ينطلقون من سوء القصد نفسه.
ما يستوجب العقاب، غير الجسدي قطعا، لا يتعلق بنقد الاسلام، كقاعدة تشريع او فلسفة حياة او نظام قيم. فهذا حق مفتوح للجميع، لانه يدخل في نطاق الجدل حول الممكنات والأفضليات والضروريات...الخ. والجدل مشروع. والمسلمون انفسهم مطالبون بخوضه "بالتي هي أحسن".
المسألة إذن، ليس مسألة خلاف فلسفي في الرؤية، كما انها ليست مسألة كم ان هذا الدين صالح للعيش في هذه البيئة او تلك، او كم انه يتطابق مع متطلبات ومفاهيم العصر. وبالتالي فانها ليست مسألة خلاف في الرأي. بل ببساطة مسألة تجريح يقصد من ورائها إهانة مليارات البشر ممن يؤمنون بهذا الدين. وبما ان إهانة الأفراد، تستوجب العقاب من الناحية القانونية، فان إهانة أمة بأسرها تستوجب عقابا يجب ألا يقل صرامة.
يبدو الإسلام اليوم هدفا سهلا للجميع في الغرب؛ من الحكومات الى الاعلام الى عصابات العنصريين. ولكن خطيئة التجريح لا تتعلق بالاسلام وحده. اذ لا تصح إهانة أي دين.
الحقيقة، هي انه ما من دين الا وينطوي على نظام اخلاقيات وقيم، إن لم تكن صالحة لكل زمان ومكان، فانها صالحة لكل أولئك الذين يشكل هذا الدين بالنسبة لهم إسلوبا للحياة ورؤيا ثقافية ونظاما للتشريع. وما من أحد يملك الحق في فرض اسلوب آخر أو رؤية أخرى على مؤمنين، هم بالتعريف، يحملون ايمانهم على محمل القلب لا العقل. الدين هنا، هو نوع من ضمير اجتماعي. قد تمكن المجادلة فيه، الا انه لا تجوز إهانته.
***
لا يصح النظر الى أي دين خارج نطاق نظام القيم الذي يقترحه. ولا تصح محاكمة هذا النظام الا من داخل مفاهيمه؛ إلا من داخل المبررات والظروف التي استوجبت تلك المفاهيم. ومن ناحية أخري، فليس من المنطقي وضع أي دين خارج سياقه التاريخي. فلئن كانت القيم والاخلاقيات التي يقترحها هي وحدها التي يمكن اعتبارها "عابرة للتاريخ"، فان كل ما عداها "دون تاريخي" بلا شك، بما في ذلك النص المقدس نفسه، بوصفه نص تجارب وعبر وحوادث، وبما في ذلك كل ما كان يفعله المؤمنون الأوائل كبشر، بمن فيهم الأنبياء انفسهم. ولأنهم بشر، فانهم شيء، ونظام القيم والاخلاقيات الذي يقترحونه شيء آخر - إلا اذا تخطوه لصالح ما هو بشري فيهم، وهذا ما لم يحصل أبدا.
ما يفعله الانتهازيون وأشباه المثقفين ومتعمدو سوء الفهم، من أمثال سلمان رشدي، هو انهم يحاكمون الدين، خارج نطاقه التاريخي، من ناحية، وبعيدا عن المعايير الاخلاقية التي يقترحها، من ناحية ثانية، ومن موقع ما كان يفعله البشر كبشر، من ناحية ثالثة.
هنا يجدر التساؤل: هل يمكن وضع اليهودية والمسيحية والبوذية والاسلام، خارج سياق البيئة التاريخية والاجتماعية التي ظهرت فيها، لمحاكمتها كما لو انها ديانات "ما بعد الحداثة"، صاغها مثقفون جدد، فبدا انهم "جاءوا من العصور الوسطى"، ولكي يقال، تاليا، ان دياناتهم متخلفة وظالمة وتمارس العنف والتمييز؟ والحال، فان كل هذه الديانات وكل رسلها، جاءت/جاءوا من عصور "ما قبل وسطى". بل موغلة في الظلمات أيضا. وهي/وهم تحدوا القيم التي كانت سائدة في عصرهم ليقيموا نظام قيم وأخلاقيات جديدة أكثر طهارة او أكثر تسامحا او أكثر عدلا.
ما لم يعد "عدلا" وفقا لثقافة اليوم، لا يعني انه لم يكن عدلا وفقا لثقافة الأمس. وبالتالي فان محاكمة معايير أي دين بثقافة اليوم، لا تكون هي نفسها عدلا، ولا حتى "ثقافة"، ما لم تأخذ بنظر الاعتبار ما كانت تعنيه ثقافة الأمس.
ولئن يبدو موقف الاسلام من المرأة، كعب أخيل، يراد منه اظهار كم انه "متخلف" و"غير متحضر" و"رجعي"، فالحقيقة، في سياقها التاريخي، وفي دلالاتها القيمية بالذات، هي انه ما من دين، سبق الاسلام، كان أكثر انصافا وثورية وتقدمية حيال المرأة.
نعم، نعم، هناك فارق حضاري لم تواكبه التشريعات الاسلامية، لقبول منظار القيم الثورية التي ارساها الاسلام، الا ان هذه العلة هي مشكلة المسلمين بالاحرى، لا الإسلام نفسه.
وعلي أية حال، وبمقدار ما يتعلق الأمر بالرؤى التي يختارها المسلمون لأنفسهم فانها متفاوتة بشدة. الرؤية الوهابية للاسلام شيء، ورؤية علماء الاصلاح في تونس شيء مختلف تماما، حتى لكأنهما ضدان لا يلتقيان أبدا. فأيهما يستوجب القبول وأيهما يستوجب الاهانة؟
في الواقع، لا هذا ولا ذاك. لانهما إيمان وضمير، قد تصح المجادلة فيهما، كلٌّ من داخل مفاهيمه، الا انه لا تصح الاساءة الى أي منهما.
ولكن هل يجوز، بصرف النظر عن الفارق بين هاتين الرؤيتين، توجيه سهام الاتهام بـ"التخلف" و"عدم التحضر" للاسلام كله؟
محاكمة الدين من منظار ما كان يفعله البشر، هو الآخر، مسعى تجريح لا يمت للثقافة بأي صلة. ولا ينطوي على أي فائدة. وسواء تزوج محمد (ص) امرأة واحدة او اربعين، فان ذلك لا يغير شيئا في ان مفاهيم العدالة التي حملها الاسلام لمعاملة المرأة بانصاف ومساواة أكبر، كانت في سياقها التاريخي، قفزة الى الأمام جعلت النساء أسرع قبولا للاسلام من الرجال.
ولئن لم يواصل المسلمون القفز في الاتجاه التاريخي الصحيح، فهذه في الواقع مشكلتهم هم لا مشكلة دينهم او رسوله.
دينهم كان ثورة. هم اليوم ردة.
***
مع ذلك، فان هناك وجهتين للكتابة في الدين، بل للكتابة في أي شأن. الأولي مثقفة، تحاول النظر الى المفاهيم والقواعد لتجادل فاعليتها ومقدار مواكبتها للمتغيرات، فتحيط باطارها التاريخي وتسعى لاعادة تكييفها -تأصيلا من ناحية، وتحديثا من ناحية أخرى- لكي تبدو ملائمة للاستمرار في سياق تاريخي جديد. فتكون بذلك وجهة بناءة، إيجابية، حتى وهي تنقد وتحض على الاصلاح والتجديد. والثانية، فارغة، تبحث في التفاصيل والجزئيات لتعمم ما يبدو انها مثالب، لانها تقيس النص والحوادث والبشر بمقاييس من خارج تاريخها، فتدينها وتحط من قدر كل شيء فيها ومن حولها: التاريخ والمفاهيم وأنظمة الاخلاق والقيم والتشريعات، كلها دفعة واحدة.
على امتداد قرون، دأبت الكنيسة الكاثوليكية على ارتكاب اعمال قتل وتعذيب وتمييز لا سبيل لوصف بشاعتها. فكم كان يجوز محاكمة المسيحية بأفعال كنيستها؟
الاسلام يبدو اليوم هدفا سهلا، ربما لأن المسلمين هم أكبر نقطة ضعف فيه. ولكن استخدامهم تعلّةً لتجريح الضمير لأمة بكاملها، جريمةٌ تستوجب العقاب فعلا. أولا، لانها ليست مجرد تعبير عن "رأي". وثانيا، لانها ليست "ثقافة"، بل قلة أدب. علي الصراف