فاجعة جسر الائمة: لنتوقف عن التنظير بعد أن تشكلّت لجان التحقيق.. ولكن!

بقلم: سمير عبيد

من البديهيات التي لا بد أن يعرفها المواطن العراقي، وخصوصا بعد سيطرة مجموعة الإئتلاف (السيستاني) على الوزارات والمقاعد المهمة في الحكومة الإنتقالية بقيادة السيد ابراهيم الجعفري، وهي أن الجعفري لا يمكن أن يُقيل السيد وزير الداخلية المفروض من قبل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية،وضمن توازنات تم الإتفاق عليها سلفا، وكذلك لا يمكن أن يُقيل السيد وزير للدفاع، لأنه فٌرض ضمن توازن طائفي مع السنة، وبتوصية من نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، وكذلك لا يمكن أن يُقيل السيد وزير الصحة كونه محسوبا على التيار الصدري، فالسيد الجعفري الحلقة الأضعف في الأئتلاف سياسيا ومليشياتيا، ولهذا إختار السيد الجعفري إنتقاده ضد وزير الصحة، وهي الحلقة الأضعف في تركيبة التوازنات من وجهة نظره، بحكم إن أغلبية التيار الصدري لا يؤيد الإحتلال والدخول في الحكم.
لذا فلا تحملوا الجعفري أكثر من طاقته، لذا فالذين يريدون إقالة وزير الداخلية عليهم توجيه كلامهم وخطابهم لسماحة السيد عبد العزيز الحكيم، والذين يطالبون بإقالة وزير الدفاع عليهم تقديم طلباتهم الى نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، وهنا ضاع الطاس والحمام كما يقول المثل العتيق... وللعراقيين رحمة الله فقط!
ومن هذا المنطلق علينا جميعا إيقاف التنظير والتحليل، خصوصا بعد أن تم الإيعاز بتشكيل لجنة تحقيق مدعومة من أطراف مختلفة، وذلك لمعرفة الحقيقة، ولو هناك شك كبير، وعدم ثقة ومرارة من قبل العراقيين، خصوصا عندما يتذكرون الأحداث الماضية التي تشكلت من أجلها اللجان، ولكنها طويت ونٌسيت ومنها حادثة إغتيال سماحة السيد محمد باقر الحكيم رحمه الله والمصلين الذين كانوا معه في النجف الأشرف، وحوادث كربلاء والكاظمية الشنيعة، وحادثة إغتيال أشقاء الشيخ الضاري رحمهم الله، وحادث إغتيال الشيخ الغريفي رحمه الله وغيرها من الحوادث.
لذا فلا نريد تشتيت عمل اللجنة من خلال التنظيرات والتحليلات التي قد تٌضيّع الحقيقة وتشتت الجهد، فلنترك اللجان تعمل وتجتهد، ولكننا نطالب بإشراف دولي لأن المجزرة كبيرة والجرم أكبر، ونطالب بلجنة رقابة على أعمال اللجان وتكون منتخبة ومن جميع الجهات التي مع الإحتلال والتي تعارض الإحتلال، وفي مقدمتها التيار الصدري المعني بالفاجعة حيث حصدت الفاجعة أنصاره وأبناءه، والذين هم أهلنا وأحبتنا جميعا، كذلك تجريد عمل اللجان من الهيمنات الحزبية والدينية، بل تكون فنية صِرفة كي تتكشف الحقيقة وبسرعة.
لذا لا يجوز للمسؤولين في بغداد، ولا يجوز لوسائل الإعلام العراقية تعويم الحقيقة من خلال الترويج إن من فعلها التكفيريين أو السنة المتشددين أو بقايا حزب البعث وأيتام صدام، فهذا ليس من حق الحكومة، وعليهم أن يشخصوا المُسبّب الأول وهو الإحتلال، وتقاعس الحكومة العراقية وبكل شيء، وردود الأفعال المتوقعة على ما تقوم به أجهزة وزارة الداخلية من رعب ضد المواطنين، وكأن العراقيين في زمن ألمانيا الشرقية والشرطة السرية...نعم هناك حرب قذرة تديرها رؤوس في وزارة الداخلية، ورؤوس من قوات الإحتلال ضد العراقيين وبشكل مبرمج وشبه يومي.
ونعود لمسألة التكفيريين والظلاميين والذين دخلوا العراق بعلم الولايات المتحدة عندما فسحت لهم المجال من خلال ترك الحدود العراقية سائبة، وخير دليل على هذا أقوال الرئيس الأميركي "أن معركتنا في العراق هي الخط الأول مع الإرهاب"، وتؤكد الدراسات والتقارير أن الولايات المتحدة عمدت على جر جميع الخلايا التكفيرية والظلامية والسلفية ومن مختلف دول العالم نحو العراق، كي تكون المعركة على أرض الرافدين.
أما التلويح بكلمة "السنة" فهو تلويحا خطيرا ومقززا، ويوحي بمخططات مخيفة، ولو كانت هناك حكومة وطنية بدرجة 100% لعاقبت جميع الذين يقولون أن ما حصل في جسر الأئمة من مأساة مروعة هي من عمل السنّة في العراق، فالسنة والشيعة يعيشون مع بعض، ومنذ وجود العراق ولم يحدث بينهما واقعة واحدة تؤكد هذا القول النشاز، فلماذا الآن بالذات؟
فلا يجوز جر الخلافات السياسية والحزبية بين الأطراف السياسية الشيعية والسنية نحو الشارع العراقي والمجتمع العراقي، ليكون خلافا مذهبيا ووطنيا وإجتماعيا نتيجته تدمر العراق والعراقيين... فيجب إيقاف هذا وفورا، وإيقاف الصحيفة والفضائية والمجلة والبرنامج الذي يتناول هكذا طرحا مخيفا.
فالتطرف موجود عند الطرف السني وعند الطرف الشيعي، ومسألة التطرف عند الأفراد لا تنحصر عند السنة أو الشيعة، أو عند العرب أو الكرد، أو عند المسيحية والإسلام واليهودية، فهي موجودة في جميع الديانات والمذاهب والقوميات والمجتمعات، ولكنها عند الأفراد، ولا يجب أن تكون نهجا عاما، بل يجب إصلاح الأفراد الذين يحملون النفس المتطرف، كي لا ينتشر بين المجتمع ويكون كارثة، إما عندما تأتي قنوات إعلامية ومسؤولين كبار يروجون لها فهذه أم الكوارث!
بقيت قضية البعث، وما يسمى بأيتام صدام، والتي أصبحت شماعة على ما يبدو لجميع الإخفاقات، مثلما كانت التهمة لأي خصم أنه بالمخابرات والتي تغيرت اليوم أنه إرهابي، وكأن الإحتلال وديعا وناسكا، وكذلك كأن الدول المجاورة للعراق تدعو ليل نهار كي يستقر العراق، والخلايا السرية التي تعاقدت معها واشنطن وحسب تقارير واشنطن نفسها كانها جاءت ملائكة الرحمة، وجيوش المرتزقة والحراسات من جنوب أفريقيا ورومانيا وبلغاريا، ومخابرات 24 دولة متحالفة مع واشنطن بحربها على العراق كأنها جاءت تحمل باقات الورود، والخلايا الإسرائيلية المنتشرة وغيرها من المسميات بريئة وهي عبارة عن منظمات خيرية تحمل روح الخالدة تيريزا وجاءت من أجل إسعاد ورفاهية العراقيين!
فمن منا ينكر إن بين البعثيين من هم لا يستحقون السجن المؤبد والتحقير الدائم لبطشهم وقرفهم وإجرامهم بحق العراقيين.. ومن ينكر إن بين منظمات فدائيي صدام من هم لا يستحقون حتى النظر بوجوههم لجرمهم وبطشهم... ولكن نستنكر أن يحصل التعميم فهذا حرام دينيا وسياسيا، فحتما بينهم ناس لا يجب أن نطلق عليهم لقب المجرم أو القاتل، لذا من واجب الحكومة محاورتهم ليس من أجل أن يكونوا في صف الحكومة، بل من أجل تجسير الفجوات والتي حتما ستسهل برحيل الإحتلال بطريقة وبأخرى... نعلم لا يروق هذا الطرح الى الأدمغة التي تعرضت للغسيل!
وقبل أن نوقف التحليل بفاجعة الجسر لدينا بعض الأسئلة، والتي نضعها أمام الشعب العراقي، وأمام الحكومة العراقية، وأمام اللجان التي باشرت أو ستباشر بالتحقيق ومنها:
أولا: من خلال المؤتمر الصحفي الذي ظهر به وزير الدفاع السيد الدليمي، ووزير الداخلية السيد صولاغ، قال وزير الدفاع إن الجسر كان مغلقا ولكن تم فتحه بعد إلحاح من جهة معينة وفي آخر لحظة، ونظر صوب وزير الداخلية...فهل الإلحاح جاء من وزير الداخلية..ولماذا؟
ثانيا: أكد السيد وزير الدفاع وبعض المسؤولين إن الجسر كان مغلقا ومنذ ثلاثة أشهر ولا يصلح لحمل هكذا أمواج بشرية، فلماذا لا يتم دراسة الموضوع سلفا، خصوصا وإن المناسبة التي تخص الأمام موسى الكاظم عليه السلام معروفة ومنذ مئات السنين، وإن الجسر تم إغلاقه منذ ثلاثة شهور، أي لماذا لا يتم الشروع بالحلول البديلة وبالطرق البديلة، أو التوجه الى المرجعية لإصدار فتوى تجيز الزيارة من الضفة الأخرى على سبيل المثال ولأسباب خارجة عن الإرادة، فلماذا تم الإصرار على فتح جسر الأئمة المغلق أساسا؟
ثالثا: لقد تبين ومن خلال الحديث الجاري في داخل العراق وخارجه إن المقصود من الكارثة هو "التيار الصدري" حيث كانت المواكب الراجلة تمثل التيار الصدري بزعامة سماحة السيد مقتدى الصدر، وإن هذا التيار كان خارجا من معركة خاطفة مع قوات بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وفي داخل بغداد وبعض المدن العراقية ومنها النجف، نتيجة عملية إحراق مكتب السيد الشهيد الصدر في مدينة النجف الأشرف، وبعد أن تكبدت منظمة بدر كثير من الخسائر المادية.
فهل تعرض وزير الداخلية لضغوط ما من قبل منظمة بدر أو جهة ما ــ ربما خارجية ــ لكي يقوم بفتح الجسر المغلق فنيا؟.. وهل كان بريئا وغُرر به من قبل بعض الجهات والهدف هو رد الصاع الى التيار الصدري؟...هذه الأسئلة تدور في الشارع وليس من مخيلة الكاتب! وهل هناك جهات أرادات إحداث فتنة بين التيار الصدري ومنظمة بدر إن كانت الأخيرة بريئة؟ فمن هي تلك الجهات؟... فالرجاء لا تقولوا مباشرة أنهم التكفيريون، فلقد مللنا من هذه الإسطوانة، فنحن شعب فُجع بكارثة مروعة فيريد الجواب الحقيقي.
رابعا: لماذا لجأت الحكومة العراقية وجميع وسائل إعلامها وليل نهار من أجل حرف أنظار الناس نحو أمور مذهبية وتكفيرية، وإبعاد الأنظار عن المسبب الحقيقي لهذه الجريمة، والذي لا يخرج إلا من خلال التحقيق مع الجهات المعنية بدوائرها وأشخاصها المعروفين؟
لقد قال لي أحد المسؤولين في فضائية عربية معروفة "لقد تكثفت علينا الإتصالات من المسؤولين العراقيين أن نؤكد على عملية التدافع وجعلها في التقارير سببا للمآساة والفاجعة".
خامسا: من أعطى الأوامر للحرس الوطني في الجهة الثانية كي يطلقوا النار بوجه الناجين والفارين نحو الضفة الأخرى وتكون الجريمة؟
سادسا: لماذا تم وضع الحواجز الكونكريتية العالية في الجهة الثانية وبوجه الذين كانوا يبحثون عن فرصة للنجاة... وتحول الجسر الى علبة سردين أو صندوقا للموت.... وهو السبب الذي جعل الضحايا يقفزون نحو النهر؟
سابعا: والنقطة الأخيرة..يجب عدم (لفلفة) قضية المواد الكيماوية السامة التي وجدت في أجساد الضحايا، وسبب الإختناقات التي حدثت بحق الكثيرين فوق الجسر وقبل أن تصل الأجساد الى الماء... وحسب شهود العيان الذين تكلموا لوسائل الإعلام المرئية.
نتمنى النجاح الى لجان التحقيق، ونتمنى من السياسيين العراقيين جميعا وفي مقدمتهم الإسلاميين أن يفكروا بشعبهم، ويأخذوا العبرة من الفاجعة وتكون نقطة إنطلاق نحو المصارحة والمصالحة الوطنية الكبرى، والتفكير بمصير الشعب العراقي وبالعراق، والعمل على إخراج الإحتلال.. فكفى النهب والسلب والنصب والإحتيال، وكفى الإستهتار بحق المواطن العراقي والعراق.. وكفى الإنغماس مع مخططات الإحتلال.. فلابد من يقظة وقبل فوات الأوان. سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي samiroff@hotmail.com