الرسم بالكلمات.. عند السيد نجم (قراءة في روايتين)

بقلم: محمد محمود عبد الرازق

هل أتحدث عن صديقي الفنان أم عن صديقي الإنسان السيد نجم؟.. روايتاه "أيام يوسف المنسي" و"العتبات الضيقة" بددتا تلك الحيرة. فقد خاض "السيد نجم" خضم الحياة فاتحا ذراعيه متلهفا. أبت إلا أن تفغر فيها في دهشة قذفت به إلى ميدان القتال ليعايش الموت في كل لحظة. وأبشع الموت: عذابات المحتضر المبقور البطن المضغوط الصدر المشوه.
دخل الموت عقر داره الكبير بلا استئذان وداره الصغير. مرة بسبب الحرب ومرة بسبب مرض زوجته. صراع مرير يذكرنا بعذابات "يحيى حقي" مع زوجته الأولى وهو ما سجله في لوحة "الموت" عام 1945.
تجربة قاسية لم يعد إليها "حقي" وقد أرسل أحد أصدقاء "فلوبير" برسالة إليه يصف مرض زوجته. فرد الأخير: أمام ناظريك منذ الآن لوحات بديعة تتيح لك دراسة طيبة والثمن فادح هيهات للبرجوازي أن يفطن أننا نكتب بدم قلوبنا.
لهذا كله نتجاوب مع عدم رصد "السيد نجم" لمراحل التجربة مكتفيا بلحظات خاطفة أدت وظيفتها. كانا يقاومان المرض -رغم قسوة وطأته- ليعيشا حياة عذبة مفعمة بالبهجة: "زوجتي السمراء النحيلة تسير معي معلقة بعضد ذراعي الأيمن تحيطها بثديها. يظن من يرانا أننا نكاد نهم بالطيران أو ربما أخشى على قدميها من تراب الأرض.
قد يلمح أحدهم أعراض المرض وقد أودى بكل مفاصل جسدها فيمصمص شفتيه يتمتم سواء بسواء.. فهي تلتقط النظرات من بين الشعيرات الناعمة المنسابة فوق عينيها تشغل يدها اليمنى بتهذيب القصة فوق جبهتها الضيقة. باتت عادة لا تبرحها.. أغمغم في أذنيها: "أحبك" تبتسم في صمت. ليس خجلا ولا اشتهاء فقط لتشجعني على المزيد أصبح الصمت بيننا لغة تعرفني بها وأعرفها".
و"كانا يغمضان عيونهما ويسيران في طرقات وسط المدينة يصفان ما لا يرانه ويتفاديان الحفر والمطبات. وفى البيت كانت تسير بخطواتها نصف المشلولة لتضع الحذاء في قدمه. ومن عاداتها أن تفاجئه برغبتها فى زيارة مكان ما: "كأنها تسعى لرؤية الدنيا قبل فوات الأوان".
طلبت منه أن يقضيا ليلتهما في أحد الملاهي حدث ذلك فور خروجهما من زيارة عيادة الطبيب الشهرية. فيسعى هو إلى نزع البسمة من الشفاة يعقب: "بشرط أن تشربي حتى الثمالة"!".. وهو ما يعكس فكرة تفانى الحبيب في حبيبه ساعة المغيب المنتظرة مع قدرة على الصمود وسط العواصف والأنواء.
ويتابع الزوج الحبيب: "لعلك نذرت زيارة أحد الملاهي لو تحققت أمنية فهي عادتك تعلقين إنجاز كل شيء بالنذور" وبعد وفاتها كان يصب بعض عطورها على الوسادة وينام.
ومازال صديقي يقبل على الحياة بعينيه الخضراوين المشعتين ذكاء وحيوية يستريح إلى مكانه في مقهى "ركس" والى صحبة جماعته "نصوص". فيهبه المكان وتهبه الصحبة من روحها دفئا وهدفا.. هكذا يظن، والظن عندي أنه هو الذي يعطر المكان ويبعث الحياة في الجماعة ولولاه ما كانت الصحبة ولا تعدت جماعة "نصوص" العتبة الثانية من "العتبات الضيقة". دراسة الآخر لا يعتمد "السيد نجم" على تجاربه الخاصة وحده لذا نجده يدرس "الآخر" ويدرس عالمه دراسة وافية حتى نشعر بأنه هو وليس غيره.
ففي روايته الأولى "أيام يوسف المنسي" أدخلنا عوالم تضيف إلى معلوماتنا الكثير.. من بيئات وشخوص كنا نجهلها وان كنا نعرفها مثل المخابز والسلخانة ومساكن الإيواء. هذه الرواية لم تنل حظها من الدراسة النقدية.
نتعرف على معالم "الفرن" البلدي لا من خلال الرصد الخارجي وإنما من خلال التوظيف باعتباره عنصرا من عناصر الدراما. يقول: "...سرعان ما مللت الحوائط المتشققة المطلاة بالهباب سئمت مشهد الأرفف الخشبية الممتلئة بالحوامل المصنوعة من سعف النخيل وعليها أرغفة الخبز. قد ترص تلك الحوامل فارغة حين زمن التنظيف ومسح الأرضية التي اختلطت عليها الأتربة بالدقيق والردة ووقود ماكينة الاشتعال الأسود.. تلك التي صنعت طبقة يصعب وصفها أو إزالتها!.. ويكره منظر العنكبوت الغامض الرمادي ونظرات من حوله وتشكيلتهم الغريبة التي جمعت من شتات الأرض.. منهم من لا يجد مأوى والهارب من حكم نفقة والفار من الثأر والمهجر من مدينة السويس"
كما كان الزمن داخل الطابونة له سمات خاصة.. "فالعمل في كل الأوقات.. ولا وقت للطعام.. يلقمون أثناء العمل الخبز الساخن بلا غموس أو مع كوب الشاي الذي يفضلونه باردا".
ويترك الكاتب للقارئ استنتاج السبب. وقد يلقمون العيش مع حبات الطماطم والخيار "وقد يضعون فيه "السمين" تلك الدهون التي يشترونها من "بيومي" الجزار قديما كان يرسلها بلا مقابل الآن يطالبهم بمبالغ تفوق قدراتهم.. "الرجل بيومي انسعر لو طال يبيع وساخة البطن يعملها".
"وقت الراحة يبدأ بعد منتصف الليل ليبدأ عمل جديد يرصون الأرغفة المتبقية ينظفون الطابونة وبيت النار ويرصون أجولة الدقيق ثم يجهزون العجين وتخميره..إنها فترة المزاح الذكريات والحكي والخدر. ينفرط عقد اللسان.. يصفون فحولتهم وأوجاع الزمن ويهون ما في النفوس من أسرار".. تلك الفقرات وغيرها تبرز قدرة الكاتب على استخدام اللغة العامية البسيطة في موضعها.
عمل "السيد نجم" في "السلخانة" واستفاد من معلوماته عنها ثم أبدع شخصيات بالرواية: "حيرم العضل" الذي يعمل "هباشا" في عنبر الأكابر وملوك السوق أو عنبر الحكومة.."المعلم فيه يفك عشرة من معلمين السوق" وكذلك هباش العنبر بعشرة.
داخل العنبر الهباش ملك: "غرضنا ينتهي الحكيم من الوردية بأقل خسائر ممكنة من الذبائح.. يا ما خفيت عنه العيوب وضحكت على أجدعها حكيم. لو كانت الذبيحة فيها "السل" نقشرها ولو "حصاوى" نخايل الحكيم لغاية ما أزيحها..وياما كنا ننقل رؤوس حيوانات صغيرة مكان رؤوس حيوانات كبيرة....".
واضح أيضا توظيف الكاتب للغة الشعبية مع مزجها ببعض مفردات الفصحى. وأسلوبه العامي يذكرنا بأسلوب "يوسف إدريس" و"أمين ريان". ويشعرنا السيد نجم بقدرة العامية على الانطلاق كما في النعوت المعبرة عن نفسية البشر:"السهن الساكت الداهية الخبيث الهليهلى المدهول المتنمر المحتاس الدقرمة البلوة الفهلوى المدردح الحرك اللهلوبة الناصح الخيبة..."
كما وصف "الهباش" في سلوكه وملابسه المميزة:"نحيل فارع الطول تعلو وجهه ندب بتمنطق بحزام أسود عريض تملؤه نتوءات..." و"الهباش" يبدأ حياته صبيا يسرق "السقط" وهو الأجنة التي يقرر الطبيب إعدامها.. فإذا ما اشتد عوده وتميز بالصوت الجهوري وملامح الفتوة يصبح هباشا.. ثم وصف "بنات فرنسا" وهن المكلفات بإلقاء المياه على الذبائح. العتبات الضيقة أما روايته "العتبات الضيقة فتسمى الأماكن بأسمائها الحقيقية ويخفى الأسماء الحقيقية للشخوص وان أصر على ظهور "عم كامل"- جرسون المقهى "ركس" باسمه.. صاحب الملامح العثمانية أو المملوكية مما أكسبه بعدا تاريخيا.. تحترم فيه اعتزازه بنفسه وصمته وخطواته الزاحفة على الأرض يسعى جادا لتلبية رغبات الزبائن بدماثة خلق.
كما تعرفنا في الرواية على الكثير من رواد المقهى وتاريخهم.. منهم "حورية" العاهرة غير التقليدية في علاقاتها المتميزة مع الزبائن بعد التوبة.
كما تعرفنا على "عرفة" الذي جاء من الريف ساعيا لأن يحقق نفسه واحدا من كتاب الرواية ويسعى لكتابة رواية بدأها ولم تنته حتى انتهت "العتبات" كلها!
ثم رصد لمجموعة من الأدباء "أظنهم" مجموعة "نصوص" ورصد حواراتهم ومعاناتهم الأدبية والحياتية.. من خلال رصد متغيرات عقد الثمانينات على منطقة "وسط البلد". أظن أن "نجيب محفوظ رغب في جعل "العتبة الخضراء" هي موضوع رابع للثلاثية إلا أنه لم يكتبها وكتب "اللص والكلاب" التي تعد بداية مرحلة جديدة له.
حاول السيد نجم على مستوى الموضوع أن يتابع ما بدأه بروايته الأولى "أيام يوسف المنسي" من رصد للمتغيرات والمتناقضات في مرحلة ما بعد قوانين الانفتاح.
وعلى مستوى الشكل أراد أن يستغني عن الفصول باللوحات. ولا بد للوحة -في نظرنا- أن تتكون من فعل واحد أو تصور مكانا أو شخصية ولا ضير بعد ذلك من اتصالها بعضها ببعض.
أما لوحات الرواية فلم تخرج عن كونها فصول تعتمد -أساسا- على السرد لا التصوير بكل ما للفصول الروائية من سمات.رغم محاولة تطويقها بكلمات "بيكاسو" في البداية وقبل الفصل الأخير تحت عنوان: "الخروج". في "الخروج".
الأول يقول: "قال بيكاسو عن لوحة الجرنيكا.. انه فيها لا يرسم ولكنه يبحث".. وهى عبارة عميقة لبحاثة يغوص في أعماق النفس البشرية التي هزمتها الحرب بفرشاته والوانه. وعلى الكاتب الذي يريد أن يبحث أن يغوص مثله بقلمه.. فاللوحة رسم قوامه الكلمات كتلك اللوحات البديعة التي شاهدناها في روايته الأولى وحرصنا على استعراض بعض منها دون تدخل يذكر منا.
وفى "الخروج" الثاني يقول: "..عندما حللوا لوحة "الجرنيكا" لبيكاسو..وجد أن الفنان رسم عدة لوحات في أغلبها عناصر اللوحة الأصلية.."الثور- حصان- امرأة تحمل طفلا يبكى ويده ممدودة للمصباح - محارب مجندل.. في مرة واحدة تحتوى على جميع العناصر وفى نفس الأمكنة تقريبا".
يبدو أن الروائي حاول الاهتداء ببيكاسو في كتابة الرواية فجعل راويها روائيا يبحث عن موضوع رواية جديدة بعد نشر روايته الأولى. وتنتهي "الرواية" دون أن يفرغ من كتابة "الرواية".
لقد اختار الموضوع وغالبا له صلة بحياة الكاتب.. ثم يسعى الراوي سعيا حثيثا لجمع الحقائق باستعراض مرحلة ما.
وتتراكم التفصيلات كما تراكمت اللوحات السابقة على الجرنيكا.. تمتزج بحياة الراوي وتشكل جبلا وعر المسالك ويضع كل هذا على بساط البحث ثم يكتب بعض الأجزاء ثم يتم بجريمة قتل لم يقترفها وكأننا إزاء مؤامرة من العصر على شاهد العصر. فقد ذاق متع البحث وقلق إماطة اللثام عن الوثائق وبهجة اكتشاف الشخوص لكنه لم يمكن من متعة إعادة الخلق.
.. الكاتب -هنا- لا يقدم لنا رواية.. وإنما رواية الرواية. يذكرنا السيد نجم بما فعله "سايمنز" عندما أراد أن يكتب قصة حياة "البارون كورفولا". لقد اكتشف في أثناء جمع مادته أن البحث أكثر تشويقا من قصة حياة كاتب صغير الشأن يتخيل أنه عظيم.
وقرر "سايمنز" ألا يكتب قصة حياة وإنما قصة بحثه عن المخطوطات وتتبعه للرسائل وللناس في البندقية. وفى هذا السياق كان يحدثنا "سايمبز" عن "كورفولا" على اعتبار أنه موضوع للصيد في الأدغال. كما نجد في أثناء السرد القصصي صورة ممتعة للكاتب نفسه فامتزجت السيرة الذاتية بسيرة الغير.. وهو ما وضح أيضا بين سطور رواية "العتبات الضيقة" للسيد نجم.