مشموم الفل التونسي: رمز لليلة الزفاف وعنوان للرجولة

تونس - من ناصر مطير‏
لغة الزهور اقوى من الكلام احيانا

تعد حرفة ترصيف حبات شجرة "الفل" لتشكيل ما يطلق عليه ‏ ‏في تونس "المشموم" من اعرق الحرف التقليدية واقدمها نظرا لما تحتله هذه الزهرة من ‏ ‏مكانة مرموقة في طقوس الاعراس وعملية الاعداد السيكولوجي للعريس ‏ ‏والعروس ليلة الزفاف.
فبالاضافة الى الرائحة العطرة المنعشة والذكية التي تنشرها شجرة "الفل" لاسيما ‏ ‏في المساء وهى فصيلة من فصائل نبتة "الياسمين" فان هذه النبتة لا توجد في شكلها ‏ ‏ونوعها ورائحتها سوى في تونس حيث اصبح "مشموم الفل" التونسي علامة مميزة لزراعة ‏ ‏وصناعة الزهور والعطور التونسية في الداخل والخارج.‏
كما توارثت الاجيال من الشبان والفتيات على مر السنين الاعتقاد السائد في ‏المجتمع التونسي بان "مشموم الفل" لاسيما ليلة الزفاف يعد رمزا للرجولة ويغذي ‏ ‏الاحاسيس برائحته العطرة الذكية حيث يتعين على كل عريس ان يحمل في يده ليلة ‏ ‏الدخلة "مشموم فل" مرصع بحبات من الياسمين وكذلك ببعض الورود الاخرى كالقرنفل او ‏ ‏الزهور الحمراء تعبيرا عن مشاعر المودة بين الزوجين في ليلة العمر.
ولم يعد يقتصر التزود بالفل ليلة الزفاف على الرجال العرسان فقط بل اصبحت ‏ ‏الفتيات العرائس تحرصن ايضا على التزين بحبات الفل التي يتم تصفيفها في شكل قلائد ‏ ‏تضعها العروس في رقبتها ليلة الزفاف ايضا وفي مناسبات الزينة والافراح الاخرى ‏ ‏المختلفة.‏
وتزدهر صناعة "مشموم الفل" في تونس بشكل خاص خلال فصل الصيف حيث ينتشر مرصفو ‏ ‏حبات الفل على الطرقات والشوارع في مختلف القرى والمدن التونسية ليتنافسوا في ‏ ‏اعداد اجمل المشاميم واتقانها باحجام مختلفة ولكن بنفس الشكل الدائري للمشموم ‏ ‏التونسي التقليدي ناصع البياض.
ويعد مشموم الفل في تونس لاسيما في القرى والارياف من رموز وادوات التعبير ‏ ‏الصامت العميق بل ومن الغاز التخاطب والبوح بالاحاسيس والمشاعر بين الازواج ‏ ‏لاسيما في نهاية فصل الربيع وبداية الصيف حيث ان عودة الزوج مساء الى البيت وبيده ‏ ‏مشموم فل او قيام الزوجة بنثر حبات من الفل في اماكن معينة من المنزل له دلالات‏ ‏عميقة بالنسبة الى الروابط الزوجية.‏
كما تغنى الشعراء والفنون الشعبيون بمشموم الفل منذ القدم في تونس ‏ ‏تاكيدا على مكانته الجمالية وتعبيره الصامت عن ارقى الاحاسيس والمشاعر من خلال ‏ ‏لونه الابيض الناصع رمز الصفاء والنقاء والرائحة الطيبة والمنعشة التى يشعها ‏ ‏وترمز الى الرجولة والخصوبة لاسيما في الاعراس.‏ ‏
وتستخدم كلمة فل وياسمين الى جانب كلمة طيب المسك في اللهجة العامية ‏ ‏التونسية ايضا مجازا لوصف الرائحة الطيبة بشكل عام.‏
‏ والى جانب دوره في الحياة الاجتماعية ومدلوله في مناسبات الافراح والاعراس ‏ ‏للتونسيين فان مشموم الفل التونسي التقليدي اصبح ايضا يحظى باقبال كبير لدى ‏ ‏السياح الاجانب الوافدين على البلاد التونسية لقوة رائحته وطيبها ولانه خلافا ‏ ‏للياسمين المتعدد الالوان من فصيلة سنبل الطيب الناردين غير معروف في بلدانهم.‏
كما اصبحت صناعة تقطير الزهور وتحضير العطور تولى اهتماما متزايدا لزراعة الفل ‏ ‏في تونس حيث اصبح يتم تخزين حبات الفل في بيوت التبريد خلال فصل الصيف وذلك ‏ ‏لتوفير المشموم طوال فصول السنة او للتصدير الى اشهر شركات العطور الاوروبية ‏ ‏والعالمية التي بدأت تستخدم الفل التونسي ايضا لاعداد الكثير من العطور المعروفة عالميا.(كونا)