المغرب: مهرجانات الصيف تشعل حربا بين الاسلاميين واليساريين

الرباط - من المنجي الميغري
حكاية كل صيف

مع ازدياد حرارة الصيف المغربي ذو النكهة الخاصة ولياليه، التي تغزوها المهرجانات، في أغلب مدن وقرى المملكة، تشتد هذه الأيام حرب ضروس بين التيار الإسلامي الرافض لما يسود هذه المهرجانات من أجواء يغب عليها "الانحلال" وبين قوى يسارية، وعلى رأسها وزير الثقافة الحالي. وكلما زادت سخونة هذه المهرجانات زادت معها سخونة البيانات المحتجة والأقوال المتطايرة تعطس هذا الرأي أو ذاك.
فالمعركة التي اشتعل فتيلها بين وزير الثقافة المغربي محمد الأشعري، وبين حركة التوحيد والإصلاح المغربية الإسلامية، لم تكن لتتوقف عند حدود التصعيد الكلامي، بل وصلت إلى حد اتهامات شخصية على خلفية الحديث عن المهرجانات الصيفية، وانعكاساتها على الأخلاق العامة في البلاد.
بيان المعركة الأول صدر عن حركة التوحيد والإصلاح، عبر صحيفتها "التجديد" تحدث عما وصفه بالخروق الأخلاقية، التي طالت بعض المهرجانات الصيفية، هذا العام "من ميوعة، وسكر، وعربدة، وتحرش بالنساء، وتعاطي الحشيش، مما سبب استياء كبيرا بين المواطنين".
وقد رد وزير الثقافة عبر حوار مع يومية المغرب اليوم الناطقة بالفرنسية، رد فيه على بيان حركة التوحيد والإصلاح، معتبرا أن المهرجانات أداة من أدوات خدمة التنمية بالمناطق، وتهجم على الحركة لاعتبارها تجعل من نفسها وصية على المغاربة، وحارسة متطوعة للأخلاق، وأنها تخلط في أقاويلها.
يومية "التجديد" لم ترد ببيان كما كان متوقعا، وإنما فتحت جبهات متعددة عبر ملف كامل، نقلت من خلاله العديد من الأرقام والإحصائيات وأقوال المحللين والخبراء، جاءت خلاصته أن وزير الثقافة مسؤول مسؤولية مباشرة عن "تبديد المال العام".
وأوردت الصحيفة على لسان خبير اقتصادي أن ما ينفق في المهرجانات من مبالغ مرتفعة، يستدعي التدقيق والمحاسبة في النفقات والمصاريف المعتمدة، وخصوصا في ظل وضعية اقتصادية حرجة، ومستوى اجتماعي ومادي متدن، لأغلب الطبقات الشعبية المغربية. مخطط صهيوني المعركة انتقلت من صفحات وأوراق الجرائد اليومية إلى أروقة البرلمان المغربي، إذ انتقد الأمين بوخبزة، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، القريب من حركة التوحيد والإصلاح، المهرجانات الصيفية بشدة، وصنفها في خانة "الهدم والتخريب لأعز ما تملك الأمة" بل ذهب إلى القول إن "هذه المهرجانات التي ينفق عليها من مال الشعب، تدخل في إطار مخطط صهيوني جهنمي، انخرط فيه مجموعة من البلداء من مسؤولينا، التقدميين جدا، والحداثيين جدا، وإلهاء شبابنا عن مشكلاتهم الحقيقية، والدفع بهم إلى أن يرقصوا على جراحهم مع كناوة وهيفاء ونانسي عجرم".
ولم تتوان جماعة التوحيد والإصلاح من توظيف موقف ''اتحاد النقابات الفنية المغربية''، الذي خاض إضرابا أمام ولاية الدار البيضاء، احتجاجا على التهميش الذي طال فنانيه في مهرجانات المغرب، لتعزيز وجهة نظرها.
وكان بيان أصدره اتحاد النقابات الفنية المغربية قد وصف معظم الأسماء المشاركة في مهرجان الدار البيضاء بأنها ''لا تنشر سوى قيم التفسخ والانحلال، ولا تخدم بأي شكل من الأشكال تنميتنا البشرية، ولا ترفع من ذوقنا العام''.
موقف النقابة هذا جاء ليعزز من مواقف التجديد في صراعها مع وزير الثقافة، عملا بالمثل القائل و"شهد شاهد من أهلها".
وتحدت الجماعة الوزير بأن يرد على بيان الفنانين، وفسرت صمته بأنه لا يستطيع مواجهة الحقيقة. ووجهت "التجديد" تهما عديدة إلى الوزير الذي قالت إنه لم يهب لمساعدة مهرجان ملتزم للظاهرة الغنائية بمراكش، مما اضطرهم للقيام باتصالات فردية مع محسنين، رغم سعيهم "لتنمية الثقافة الوطنية، والذوق الموسيقي الراقي، وتحصينها ضد موسيقى ''السندويتشات". كما لم يتدخل لإنقاذ عشرات الفنانين المغاربة، الذين يهاجرون إلى مصر أو الخليج، من أجل البحث عن أسباب النجاح، في ظل تعطل شروط الدعم المادي والإعلامي في المغرب. الأشعري يرد لم يكن وزير الثقافي المغربي محمد الأشعري ليتأخر طويلا في رده الذي جاء هذه المرة على لسان يومية "الأحداث المغربية" المعروفة بانتقادها للخط الإسلامي، إذ اتهم الأشعري "التجديد" بالخلط المتعمد بين الفساد الأخلاقي، وبين العمل الثقافي، الذي تمثله المهرجانات في كل بلاد العالم. وقال "إن هؤلاء عوض أن يناقشوني فيما أدليت به من آراء بخصوص بلاغهم، فإنهم عملوا على التحريض والهجوم على شخصي، مستعملين سلسلة مقالات وملفا خاصا بذلك نشرته جريدتهم".
وشدد الأشعري على أن منتقديه يهاجمون المهرجانات، "دون أي تمييز، وبشكل مطلق، ويربطون بين ما تفعله السلطات في مراكش وأغادير لمحاربة بعض مظاهر السياحة الجنسية، وبين الفساد الذي يدعون أنه انتشر بسبب اختلاط الناس، والتحرش بالنساء، وتناول المخدرات والخمور، كلما انعقدت هذه المهرجانات".
وتساءل الوزير في رده عما يريد الإسلاميون محاربته؟ واسترسل قائلا: "محاربة الفساد.. هذا أمر نريده جميعا"، أما إذا كانوا يريدون محاربة المهرجانات، فهذا أمر نختلف عليه اختلافا جوهريا".
ويبدو أن هجوم الإسلاميين قد استفز الوزير مما دفعه إلى القول بأن "الأصوليين في المغرب بحكم مرجعيتهم الدينية المتشددة، يحرمون الموسيقى والغناء والرقص، ويستنكرون مجرد الاختلاط بين الجنسين، لكنهم لا يستطيعون أن يصرحوا بهذا الموقف مباشرة، فيأتون من طريق المزايدة السياسية والإعلامية، مدعين أن المهرجانات تفسد الأخلاق العامة، وهو موقف عدواني وظلامي لا بد من التصدي له"، على حد قوله.
واعترف الأشعري أنه ليست كل المهرجانات منضبطة وراقية، من حيث مضامينها وطريقة تمويلها، معتبرا أن كل ذلك يقبل النقد والمشاركة المسؤولة لكل أطياف المجتمع المغربي، دفاعا عن الجودة وحفاظا على المال العام. وحسب رأي الوزير فإن المراد من هذا "التهييج" هو الدعاية الانتخابية، وأن أسلوب الغرض منه "تصفية حسابات سياسية مع الخصوم"، على حد قوله.
وعلى الرغم من اعتراف الوزير بوقوع تجاوزات أثناء المهرجانات، وصمته تجاه بيان رابطة الفنانين، فإنه دعا إلى عدم السكوت عن هذه الإساءات، التي تدبرها من سماهم الحملة "الإخوانية" على الفن وتعابيره، معتبرا انتقاد المهرجانات نوعا من الحرب على الحرية، "يجب أن لا نسكت عليه"، كما قال.(قدس برس)