عن معنى النصر والهزيمة في المواجهات الفلسطينية ـ الإسرائيلية

بقلم: ماجد كيالي

طرح الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة مع أربعة مستوطنات من الضفة الغربية، والذي جاء بعد حوالي خمسة أعوام من المواجهات الحامية والدامية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، العديد من التساؤلات حول تأثير هذه المواجهات ومآلاتها، على هذين الطرفين. ولعل التساؤل الأبرز الذي تم تداوله، بهذا الخصوص، إنما يتعلق بتحديد الطرف المنتصر أو المنهزم في هذه الجولة من الصراع بين الطرفين المذكورين.
في الحقيقة فثمة صعوبة كبيرة في تحديد معنى النصر والهزيمة في صراع ممتد ومعقد ومتداخل، كالصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبشكل أدق فثمة ما يؤكد استحالة الوصول إلى مثل هذه النتيجة المطلقة، لاسيما في إطار المعطيات المتشكلة على الجانبين، وفي ظل التحولات الدولية والإقليمية، وخصوصا أنه لم يعد ثمة مجال في هذا العصر لصراعات وجودية تنبني على النفي والإلغاء، في عالم ينحو نحو التعايش والاعتماد المتبادل على قاعدة التنوع والتعددية والنسبية.
هكذا، فإنه وبرغم إصرار إسرائيل على اعتبار خطوة الانسحاب مجرد مبادرة أحادية، ليس للفلسطينيين أية علاقة بها، وبرغم اعتبارها أنها تقدم على هذه الخطوة خدمة لمصالحها الاستراتيجية، الأمنية والسياسية والاقتصادية، وفي مقدمة ذلك التخلص من تهديد الخطر الديمغرافي (الفلسطيني) وصيانة الطابع اليهودي لدولة إسرائيل، والتجاوب مع متطلبات السياسة الأمريكية في المنطقة، وتحسين صورتها الدولية، إلا أن هذا الانسحاب، برغم محدوديته، يعني اعترافا إسرائيليا بفشل مشروع الاحتلال والاستيطان والسيطرة على شعب أخر بالقوة. فهذه هي المرة الأولى التي تنهي فيها إسرائيل احتلالها لأرض فلسطينية بضغط من الفلسطينيين ولصالحهم، (ما يمهد لانسحابات أخرى لاحقا). والمرة الأولى التي تقوم فيها إسرائيل بفكفكة المستوطنات من فوق أرض فلسطينية (ما يشرع لفكفكة المزيد منها مستقبلا). وفوق ما تقدم فهي المرة الأولى التي يقدم فيها حزب الليكود على هكذا خطوة، مع إقراره بأنها تمهد لقيام دولة فلسطينية (ولو محدودة السيادة وبحدود مؤقتة) ما يعني أن إسرائيل انتهت تماما من مسألة معارضة قيام دولة للفلسطينيين.
ما الذي يمكن استنتاجه من كل ذلك؟ واضح أن الدرس الأساسي من كل ما تقدم، بالنسبة لإسرائيل، إنما يتمثل بأن هذه الدولة تستطيع أن تمعن قتلا وتدميرا بالفلسطينيين، ولكنها لا تستطيع أن تفرض قابليتها أو إرادتها عليهم، وهو ما اعترف به شاؤول موفاز (وزير الدفاع الحالي في إسرائيل) وفي وقت مبكر، بعد حملة "السور الواقي" ( آذار 2002) بقوله بأن إسرائيل لم تستطع هزيمة وعي الفلسطينيين. وإضافة إلى ما تقدم فإن إسرائيل توصلت إلى استنتاج مفاده بأنها حتى لو استطاعت السيطرة على الفلسطينيين، فإنها ستجد نفسها، عاجلا أم آجلا، أمام خيارين: إما تكريس ذاتها كدولة عنصرية لا ديمقراطية، بإخراج الفلسطينيين من دائرة المواطنة، للحفاظ على طابعها كدولة يهودية؛ أو الحفاظ على طابعها كدولة ديمقراطية، بمنح الفلسطينيين في الاراضي المحتلة المواطنة، ما يحولها إلى دولة "ثنائية القومية"، وكلاهما خياران تعمل إسرائيل على تجنبهما.
ومع كل هذه الاعتبارات فإنه لا يمكن الحديث، أيضا، بمصطلحات الخسارة عن إسرائيل، فهذه الدولة تعلن انسحابها من الضفة وهي في ذروة قوتها، السياسية والاقتصادية (برغم زعزعة استقرارها من النواحي الأمنية)، وتؤكد جهارا نهارا أنها تنسحب من قطاع غزة كي تكرس احتلالها للضفة، وتفصح بأنها ستحتفظ بالسيطرة على المجال الجوي والمائي (وحتى البري) للقطاع، وحقها بالدخول إليه، لاعتبارات أمنية.
أما من جهة الفلسطينيين فيمكن القول أنهم حققوا نصرا تاريخيا، بانسحاب إسرائيل وتفكيكها بضعة مستوطنات من بعض أرضهم، وأيضا بإظهارهم إياها على حقيقتها (للداخل والخارج) كدولة استعمارية استيطانية عنصرية، ولكن هذا النصر يبقى جزئيا ومحدودا ومشروطا، ولا يقلل من قيمته أن الانسحاب لإسرائيل سيتم من مساحة لا يتعدى حجما 1 بالمئة من أرضهم التاريخية فقط، و6 بالمئة من مساحة الضفة. ويمكن القول بأن الفلسطينيين حققوا أيضا مكتسبات مهمة من ضمنها أن الانسحاب من قطاع غزة يجري من دون تنازل مقابل (متفق عليه)، وأن إسرائيل تراجعت عن لاءاتها بشأن عدم التنازل تحت الضغط والمقاومة، وأن الليكود، أو قسم كبير منه، انزاح إلى وسط الخريطة السياسية الإسرائيلية.
والأهم من كل ما تقدم فإن هذا الانسحاب يضع الفلسطينيين في مواجهة تحديات كبيرة، فعدى عن مهمات بناء الكيان الفلسطيني: لاسيما من النواحي السياسية والاقتصادية، فإن الفلسطينيين يقفون في مواجهة مخاطر تجميد عملية التسوية عند هذه المحطة، لمدة 10 ـ15 عاما، مع ما يحتمله ذلك من إمعان إسرائيل في تعزيز وجودها الاحتلالي في الضفة، عبر تعزيز الاستيطان والاستمرار في بناء الجدار الفاصل وتهويد القدس.
على ذلك يصعب التصديق بأنه ثمة طرف حققا نصرا استراتيجيا على الطرف الأخر، برغم من أنه يصح القول أن الفلسطينيين حققوا بعضا من هذه الإمكانية، المشروطة بحسن إدارتهم لأوضاعهم. ويمكن القول بأن الطرفين المعنيين، الذين اثخنا بعضهما قتلا وتدميرا، من دون أن يتوصلا إلى نتائج استراتيجية تفتح المجال على حل سياسي، يضمن الحق والعدالة، ولو النسبية، (مع احتفاظ إسرائيل بالغلبة في هذا المجال نسبة لتفوقها في مجال القوة العسكرية).
خلاصة الأمر فإنه في هكذا صراع، متداخل ومعقد وعميق، لا يوجد رابحون بالمعنى الخالص أو المطلق للكلمة، ولكن ثمة خاسرون بالتأكيد. فالفلسطينيون، في ظل موازين القوى والمعطيات السائدة عربيا ودوليا، لا يستطيعون أن يفرضوا أجندتهم تماما على إسرائيل، فمهما فعلوا تبقى قدراتهم محدودة بإزاء الإمكانيات وردات الفعل الإسرائيلية. ومن جهتها فإن إسرائيل، التي تستطيع أن تقتل وتدمر، بفضل جبروتها العسكري، عاجزة عن فرض املاءاتها على الفلسطينيين، الذين اثبتوا قدرة مذهلة على الصمود والتحمل، رغم معاناتهم وضعف إمكانياتهم.
هكذا فإن النتيجة الواضحة، اليوم، تتلخص في أن الطرفين المتصارعين هما أبعد ما يكونا عن النصر، بمعناه الناجز أو الخالص، وهما كذلك بالنسبة لمعنى الهزيمة، أيضا؛ ما يعني أنه ثمة خسارة متحققة، بشكل أو بأخر، للطرفين المعنيين، بغض النظر عن تأثيراتها على كل منهما.
ومن الواضح هنا أن إسرائيل هي التي تتحمل مسؤولية عن انسداد هذا الأفق بسبب غطرستها وايدلوجيتها الصهيونية وطبيعتها كدولة استعمارية، فإسرائيل هي التي تحتل وهي التي تصادر الاستقلال الفلسطيني وهي التي تتحكم بحياة الفلسطينيين؛ لذلك فإن الضغط الدولي والاقليمي ينبغي أن ينصب عليها، لتمكين الفلسطينيين من حقوقهم، ولخلق واقع من العدالة والسلام في هذه المنطقة. ماجد كيالي