ماذا وراء المواجهات بين جيش المهدي وقوات بدر؟

بقلم: سمير عبيد

يعتبر التيار الصدري بقيادة سماحة السيد مقتدى الصدر من الرافضين للفيدرالية والدستور على طريقته الحالية، وبهذه الحالة هو خصم لمجموعة الأئتلاف (السيستاني)، وكذلك خصما للتحالف الكردستاني، والطرف الأول والثاني يقاتل من أجل تمرير الدستور بصيغته التي نُشر بها.
ويُعتبر التيار الصدري خصما لقوات الإحتلال في العراق، حيث قام التيار بإنتفاضتين ضد قوات الإحتلال، ومن ثم لازال يطالب برحيل الإحتلال من العراق، لهذا فالإحتلال لم ينس السيد مقتدى ولا التيار الصدري، بل يُرتب للإيقاع بهذا التيار الوطني العربي الحر بطريقة مباشرة أو عن طريق الحلفاء العراقيين له.
ولم ينس الإحتلال الطريقة التي تصرف بها التيار عندما نجح في تمرير عددا لابأس به من أعضاء التيار الصدري ليكونوا داخل الجمعية الوطنية، ومن ثم داخل حكومة السيد الجعفري، وهذا بحد ذاته ذكاء جعل الخصوم يقبلون نتيجته بإمتعاض وعلى مضض، ولكنه تحقق أي فرض التيار العين والأذن في المطبخ الذي يتعامل مع الإحتلال!.
لذا فمعركة الأيام الأخيرة هي معركة بداية المعارك الكبرى التي يريدها المحتل والقوى التي تحتمي بالمحتل للقضاء على التيار الصدري وذلك من خلال القضاء على قياداته في بادئ الأمر بالإعتقال والنفي وحتى القتل، ولهذا وحسب معلومات دقيقة وردتنا قبل أسبوع أن وزارة الداخلية وبالتعاون مع وزارة الدفاع شكلت قوات منتخبة وأخذت تدربها على أساليب خاصة للتصدي الى التظاهرة التي ستنطلق يوم الجمعة، والتي جاءت على أثر نداء زعيم التيار الصدري سماحة السيد مقتدى الصدر، ومن ثم ستقوم هذه القوات التي تم إختيارها بعناية فائقة بالإنقضاض على قيادات التيار الصدري.
لذا فالإعتداءات التي قامت بها عناصر من قوات بدر، وحراسات الصحن العلوي الشريف التابعة الى شرطة النجف والشرطة التابعة لحراسات المرجعية الشيعية، أي الى مكتب السيد السيستاني بإتجاه مكتب السيد الشهيد الصدر، ما هي إلا جس للنبض، ولمعرفة قوة إندفاع وتجمع وإنتشار التيار الصدري وجيش المهدي.
لأن المعركة الفاصلة ستكون بعد الإنتهاء من الدستور من وجهة نطر المطبلين للدستور الخطير والمحيطين بزعامات مجموعة الأئتلاف (السيستاني) والتي ستكون مع التيار الصدري وجيش المهدي، كي يبسط هؤلاء نفوذهم على الدويلات والمحميات التي ستؤسس حسب فقرات دستورهم الصهيوني الفارسي الأميركي، لهذا جاءت مناوشات الأمس للأستفادة منها للمستقبل، وللاستفادة منها ليوم الجمعة القادم حيث التظاهرة الكبيرة في يوم الجمعة.
لذا فكانت سرعة إنتشار جيش المهدي فائقة جدا، بحيث سيطر جيش المهدي على ثلث العاصمة بغداد بغضون ساعات، وعلى مدينة النجف والكوفة، وأقسام كبيرة من البصرة والناصرية والعمارة، ولقد قال لكاتب المقال مسؤولا رفيعا في محافظة البصرة صباح اليوم (إن فلولهم ولت هاربة صوب أيران، ظنا منهم إن المعركة لن تنتهي وسوف يقطعهم الشعب العراقي إربا)، لهذا كانت معركة قصيرة ولكنها ضارية، بحيث كانت بين الظالم والمظلوم، ولقد عرف أفراد جيش المهدي سيطلب زعيمهم منهم الهدوء والعودة للمنازل لهذا أبلوا في القتال ليلا، لأن هناك حيفا وقع عليهم لا تحتمله الجبال من قوات بدر والمليشيات التابعة للأحزاب الأسلامية التي مع الإحتلال. هناك رائحة لدولة نجفية دينية على غرار الفاتيكان! لقد توقع البعض أنها المعركة التي لن تتوقف، ولكنها ليست هي، بل المعركة التي لن تتوقف قادمة لا محال، وخصوصا عندما تُجبر الناس على التصويت لصالح هذا الدستور المرعب، ولكن كم نتمنى أن لايكون هناك صداما بين الفئات العراقية مهما كان مذهبها ودينها وفكرها لأنها ستكون خدمة للمحتل وللحاقدين على العراق والشعب العراقي، وستغرق العراق في مستنقعات جديدة تخدم الإحتلال والدول الطامعة بالعراق.
ولكن لا ننكر ولن نقفز على حقيقة تقول هناك معركة مؤجلة يدفع بتأجيلها العقلاء، وهي المعركة بين المرجعية الشيعية الإرستقراطية وغير العربية، والتي لها أحلام تكوين دولة داخل دولة العراق تتمتع بالحصانة الدستورية التي تسري على مريديها وأبنائها وأحفادها، والتي ربما بعد سنوات تطلب علما ونشيدا خاصا بها، لذا نشم رائحة (الفتكنة) نسبة للفاتيكان سيتم تطبيقها في مركز النجف وكربلاء، وبين المرجعية الشيعية العربية الكادحة التي أحلامها دولة موحدة لا يُظلم بها أحد، وتآخي بين مكونات الشعب العراقي، ورفض الإحتلال والتبعية، والتمتع بحقوق بسيطة أسوة بأي مؤسسة دينية.
لهذا فمعركة اليومين الماضين كانت مقرّرة منذ أكثر من شهر من قبل محافظ النجف السيد أسعد أبو كلل المحسوب على المجلس الأعلى بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم، ومعه قوات بدر عندما تم إستفزاز التيار الصدري، وخصوصا عندما تم رفض الطلبات كلها التي تقدم بها سماحة السيد مقتدى الصدر من أجل فتح مكتب والده (مكتب الشهيد الصدر) والمغلق منذ أحداث النجف الماضية.
بل زار محافظ النجف صالون السيد مقتدى الصدر في حي الحنانة في النجف وذلك قبل أسابيع وهدد السيد مقتدى الصدر بالقتل إذا تجرأ وفتح مكتب الشهيد في النجف، ودارت معركة كلامية حادة جدا، مما أضطر السيد مقتدى لطرد المحافظ من الصالون ومن معه وهو يتوعد التيار الصدري والسيد مقتدى الصدر، وكنا نتابع الأمور عن قرب، ولكن وصلنا رجاء بعدم النشر في وقتها كي لا تحدث بلبلة في المدينة.
وبعد أن يأس السيد مقتدى الصدر وخصوصا عندما تقدم بطلب شفوي الى مسؤول الأمن القومي السيد موفق الربيعي وأخيرا الى السيد إبراهيم الجعفري عندما زاراه في بيته في النجف في الفترة الأخيرة وأوعداه خيرا ولكن لم يُنفذ لهما أمرا، لهذا إضطرت مجموعات من التيار الصدري للتظاهر والإعتصام السلمي أمام المكتب في النجف، ولكن للأسف الشديد فُتحت عليهم النيران من قبل الشرطة التابعة للمرجعية والصحن الحيدري ومعهم قوات بدر فأستشهد من التيار الصدري حوالي 8 شهداء وحوالي 30 جريحا وبرصاص عراقي جاء بأوامر عراقية، وبأيعاز على ما يبدو غير عراقي، فأنها المأساة والخطر حقيقي الذي لابد أن يوقظ همة جميع العقلاء للتحرك من أجل العراق والحق ونصرة المظلوم. سر إستراتيجية شراء القصور والأراضي في مركز النجف وكربلاء! لذا فما حدث من صدامات في النجف الأشرف هو قمة التمايز (حسب رأي بعض الأخوة) بل هو قمة الدرس الواضح و القادم نحو العراق، وقمة التفاضل بين ما هو شيعي عراقي عربي وبين ما هو شيعي غير عربي ومعه شيعي عربي ساقته الحاجة أن يكون حجرا بيد غير العرب الذين يريدون تأسيس دويلاتهم وأماراتهم الدينية والإقطاعية في مدن العراق.
وإن هذه الإستراتيجية ليست وليدة اللحظة، أو جاءت كردة فعل،بل هي إستراتيجية تم وضعها من قبل خبراء إستراتيجيين بالإستفادة من الإستراتيجيات الأسرائيلية والصهيونية القديمة والحديثة.
لهذا فأن حركة شراء البيوت و العقارات في مركز النجف الأشرف وكربلاء قائمة وبطريقة مرعبة، وتقوم بها قيادات من قوات بدر، وقيادات من المجلس الأعلى، ومنها قريبة جدا من هرم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة سماحة السيد عبد العزيز الحكيم ونحتفظ ببعض الأسماء التي سجلت مئات الشقق والبساتين والأرضي باسمها وبأسماء وهمية كثيرة، ولكن الحقيقة إن هذه الشخصيات تنفذ أوامر إيرانية عليا، لأن هذه الأراضي والبساتين والقصور عائدة الى شخصيات كبيرة وفاعلة في هرم الحكم الإيراني.
لأن الأحلام لدى هؤلاء الكبار في إيران، ولدى هؤلاء الناس الذين يؤسسون لدويلات مدعومة من إيران كبيرة وبعيدة المدى، فمن الناحية الإستراتيجية يراد طرد جميع العرب، وجميع العائلات الفقيرة وطبعا العربية من مراكز مدينة كربلاء والنجف الأشرف، كي تكون خاصة للعائلات الإيرانية وللعائلات المتصاهرة معها من أعراق عربية وغير عربية، ومعها طبقة البازار والبرجوازية الشيعية، كي تكون دويلات داخل العراق خاصة بهم ومحمية لا يجوز للفقير العربي دخولها إلا عبر ممرات خاصة كما فعلت إسرائيل مع الفلسطينيين.
وفي المستقبل المتوسط لو نجح هؤلاء بتحقيق أحلامهم،وإنشاء دويلاتهم سوف يقام الجدار العازل حول مركز النجف كربلاء بحجة إحياء سور النجف القديم، كي يعيش هؤلاء برغد ونعيم، ومن ثم سيأخذ هؤلاء الآتاوات من جميع الزائرين القادمين لزيارة المرقد العلوي في النجف، والمرقد الحسيني والعباسي في كربلاء، وستكون تلك الآتاوات مأخوذة حتى من العراقيين العرب الذين سيطردون خارج مركز المدينتين، وكذلك من العرب الآخرين والأجانب.
ولهذا هم عجلوا بإنشاء مطار ذي الكفل والذي أطلقوا عليه اسم مطار النجف للتمويه، وكذلك موهوا عليه خبرا قبل أسابيع أن إيران تبرعت بدعم إنشاء مطار النجف، ولكن الحقيقة أنه مطار يهودي لخدمة الزائرين والسائحين اليهود الى نبيهم ذي الكفل الذي يبعد عن مركز مدينة النجف بحوالي 25 كم، وأشرف عليه رجال أعمال يهود من لندن وإسرائيل ومعهم رجال أعمال عراقيين وإيرانيين، وهناك نية لإنشاء مطار آخر يقع بين النجف وكربلاء، فالمطار له هدفين الأول لو نجخوا في تمرير الدستور المرعب فسوف يكون ممرا للقادمين من إيران وإسرائيل والكويت وغيرها، والثاني فيما لو فشلوا في تمرير دستورهم الخطير وفشلوا في مشاريعهم فسيكون مطارا للهروب صوب طهران والكويت وتل أبيب وغيرها.
وقد يسأل أحد القراء ما الذي يجري بين العراق وإيران ولماذا الخوف فكلهم شيعة، و ما هو لتشيع الإيراني أو الصفوي أو الفارسي، وكذلك ما هو التشيّع العربي؟ وهذه الأسئلة طًرحت كثيرا على العراقيين المثقفين والكتاب والصحفيين وكاتب المقال منهم.
نجيب بإختصار إن التشيّع في إيران بدأ سياسيا وبقي سياسيا لحد هذه اللحظة، أما التشيّع في العراق فبدأ سياسيا ولا ننكر هذا حيث قام به (شاهات) إيران ومنهم نادر شاه بنشر التشيّع في إيران وكذلك دعم ودعموا التشيّع في العراق، ولكن التشيّع في العراق خرج من مرحلة التسييس لعدم إستمرارية الإدارة الفارسية الصفوية طويلا في العراق بفعل حكم (الكر والفر) بين الصفويين والعثمانيين.
لهذا تحول التشيّع في العراق ليكون عقائديا روحانيا ينصب على العدل والمساواة ومعالجة الأمور الإجتماعية والدينية والتشبث بمدرسة أهل البيت عليهم السلام، وبقي التشيّع الإيراني الفارسي تشيّعا توسعيا لأنه جاء على ايديولجية محاربة وصد الدولة العثمانية، وبقي على نفس الأفكار أما للصد أو التصدير والتوسع، ولكن التشيّع العربي بشكل عام والعراقي على وجه الخصوص تشيّع فكري وإجتماعي وتنويري وليس له برنامجا توسعا أو تصديريا لأغراض نفعية وسياسية، بدليل لم يزحف نحو السنة في العراق بل تآخى معهم ولقرون.
لذا فإيران قادمة هذه المرة بهدف تصدير ايديلوجياتها للعراق، ومن ثم جعل العراق نموذجا أيرانيا حيث يكون التشيّع سياسيا ونفعيا وإقتصاديا، خصوصا وأن الأحلام الإيرانية بالسيطرة على العراق، وثروات العراق، ومرجعية العراق الدينية قديمة جدا.
لهذا يريدون بسط نظام ولاية الفقيه في العراق، وإن لم تكن في العراق كله فيريدون بسطها في النجف وكربلاء على أقل تقدير، ولهذا يلح أصحابهم ومن خلال الدستور على عدم حذف بنود المحافظات والأقاليم، كي يتفرغوا لنشر ولاية الفقيه في تلك المحافظات والأقاليم،و التي وصل رجالها منذ وقت طويل أي منذ عام 2003 للنجف وكربلاء و للعراق، ونشروا أفكارهم وكراساتهم وكتبهم نحو الموضوع، وبكل سهولة و من خلال المال وإستغلال العاطفة الدينية أصبح لولاية الفقيه مروجين، خصوصا وأن قوات بدر والمجلس الأعلى ينفذون ولاية الفقيه بدليل أنهم يقلدون مرشد الدولة الإيرانية السيد علي خامنئي مرجعا روحيا ودينيا.
لذا نعود لصلب الموضوع ونؤكد إن المعركة بين الأطراف المدعومة أيرانيا وأميركيا لم ولن تنته مع التيار الصدري وجيش المهدي،لأن هناك ملفات عالقة وشائكة، وثآر يغلي في العراق، وإستراتيجيات مختلفة تماما، وهناك عرق عربي في التيار الصدري يصارع العرق الفارسي الذي يجري في عروق أغلبية خصوم التيار الصدري وخصوصا الذين وردت لافتاتهم في الدراسة أعلاه.
ولابد أخيرا من المرور على مواقف السيد جلال الطالباني التي كانت قوية حيث إستنكر الإعتداء على التيار الصدري بهذه الطريقة الوحشية، وكذلك إستنكار السيد إبراهيم الجعفري كان موفقا بحيث تمكن من إمتصاص الحدث المروع، كذلك إستنكار نائب رئيس الوزراء السيد عبد مطلك الجبوري كان ممتازا حيث أرسل مبعوثا لقيادات التيار الصدري لتهدئة الأمور، وهذه قد تكون بشائر خير لتشخيص المسيئين وأن كانوا حلفاء في يوم من الأيام. سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي samiroff@hotmail.com