حول أدب الطفل العبري

بقلم: السيد نجم
التعليم في الصغر كالنقر في الحجر

لم ينل أدب الطفل العبري الاهتمام الأكاديمي الواجب، على الرغم من خطورته وليس فقط أهميته.
يكفى الإشارة إلى سلسلة المغامرات "حسبما" التي صدرت في عام 1950 وحتى وفاة كاتبها عام 1994. وقد صدرت باللغة العبرية وأصبحت أكثر شيوعا من تلك القصص العالمية الشهيرة مثل "روبنسون كروزو" و"أليس في بلاد العجائب" وغيرها.
كما نشير إلى أكثر من سلسلة صدرت بعد معارك عام 1967 والتي كتبها "هازى لابين" و"شراجا أغافينى". والجديد أن تلك الأعمال ترجمت وتخطت حدود الطفل بالداخل إلى الطفل اليهودي وغير اليهودي في العالم كله.
ويبقى الانتباه إلى دلالة تاريخ الإصدار حيث الأولى صدرت عام 1950مع بداية وضع ركائز دولتهم والسعي لتنشئة جيل جديد بمفاهيم تهمهم. أما الأخريات فقد صدرتا لمخاطبة طفل العالم وتلقينه المفاهيم نفسها بعد معركة عسكرية أرادوا حصد الكثير من ورائها والانتصار فيها. ماذا يريد الكاتب العبري من أطفال بلاده؟ يقول "لابين" كاتب أدب الطفل وأهم سلسلة هناك: “كنت أسأل نفسي باستمرار: ماذا يمكن أن أقرأ لو كنت طفلا أعيش مثل هذا الواقع نحن نعيش في زمن الصراع مع العرب نعيش فيما يمكن أن يطلق عليه "حقول الدم". لهذا نجد من واجبنا أن نبتعد عن كتابة القصص الجميلة التي تتحدث عن الفراشات والأزهار وزيت الزيتون النقي هذا سيوقعنا في كارثة نحن في غنى عنها. ترى ماذا سيكون موقف الطفل الذي تفاجئه الحرب وهو يقرأ قصة الطائر المغرد؟ ماذا سيفعل لا شك أنه سيفقد ثقته بنفسه وينهار وهذا تضليل لا يمكن أن نسمح به".
تقول الناقدة العبرية "تامرا مازور":" إن الظاهرة التي تهزنا بعنف هي أدب الأطفال في البلد حيث نجد أن الأطفال تتخاطف الكتب بلهفة وشوق كبيرين هذه الكتب التي تركز دائما على موضوع واحد هو تصوير الأطفال اليهود بأنهم أطفال جبابرة عظماء لا يقهرون يهزمون العرب الأغبياء بسهولة ويسر هؤلاء الذين يريدون أن يقتلونا من أجل المتعة الذاتية فقط".
تبدو المقولات الأولى لـ"لابين" انفعالية وتحمل الصورة التي يتولاها الكاتب العبري في تعامله مع قصة وأدب الطفل بينما المقولة الأخرى لـ"تامرا" تحمل قدر الموضوعية الناقد وان كانت ضمن مفهوم (تحصيل الحاصل) حيث أنتجت وستنتج الآداب الموجهة للطفل بأقلام الكتاب وحدهم.
نخلص في إشارة أولى إلى أن أدب الطفل العبري يتم كتابته بناء على استراتيجية محددة أنه يرتبط بالمتغيرات السياسية على الأرض وفى الواقع ا نه أدب جيد بالمقاييس الفنية والتقنية وينجح في جذب الطفل غير العبري في العالم كلها أنه أدب يتسم بقيم العنف والعدائية على العرب وأن أدب الطفل العبري يدخل ضمن منظومة أعلى وأكبر وربما ضمن منظومة البلاد الاستراتيجية وليس من أجل الترفيه أو التسلية. نص قصة "الأمير والقمر" للقاص العبري "يورى ايفانز"نموذجا: "قالت الصغيرة لي: من الذي سرق القمر؟
قلت: العرب.
قالت: ماذا يفعلون به؟
قلت: يعلقونه للزينة على حوائط بيوتهم!
قالت: ونحن؟
قلت: نحوله إلى مصابيح صغيرة تضيء أرض إسرائيل كلها.
ومنذ ذلك الوقت والصغيرة تحلم بالقمر وتكره العرب لأنهم سرقوا حلمها وحلم أبنائها.
هذا الصباح جاء أمير صغير إلى بيتنا وقال: هل تقبلونني ضيفا؟
رضينا به لكن الصغيرة قالت: على أن تقول لنا من أنت؟
قال: أنا فارس من فرسان الأرض محارب قديم في أرض إسرائيل. مت صغيرا لكنني أخرج مرة في كل عام أطوف في هذه الأرض وأسأل إن كان شعبي يسكنها أم لا.
قالت الصغيرة: نحن شعبك وأنا حبيبتك أيها الأمير.
قال الأمير: ما أروعكأطلب منك الملجأ ليلة واحدة فتفتحين لي قلبك أنت يهودية حقا.
قلت: نعم كلنا هنا شعب إسرائيل.
ضرب الأمير برمحه وقال: إذن نحقق الحلم الآن أستطيع أن أعود إلى قبري مرتاح البال.
تشبثت به الصغيرة وقالت: لالم يتحقق الحلم بعد.
قال الأمير: كيف.
قالت الصغيرة: لقد سرقوا القمر.
قال الأمير (وهو يضرب برمحه مرة ثانية): من؟
قالت الصغيرة: العرب.
بصق الأمير على الأرض قال: الجبناء كلهم لصوص وقتلة لكن لابأس.
سألت الصغيرة: وماذا سنفعل ؟
قال الأمير: انتظري الليلة سأعود لك بالحلم الجميل.
انتظرت الصغيرة القت رأسها على إطار النافذة.
وظلت تنظر إلى السماء.
ومرت الساعات ونام الأطفال والنساء والرجال والشيوخ ولكن الصغيرة ظلت تنتظر لم تيأس ولم تستسلم للنوم لأنها تعرف أن أطفال شعب إسرائيل لا يكذبون.
بعد منتصف الليل بقليل انشقت الغيوم فجأة ورأت الصغيرة القمر لأول مرة رأته جميلا ورائقا حدقت فيه طويلا ثم ركضت إلى وقالت: استيقظ يا أبى استيقظ وقادتني إلى النافذة وقالت: أنظر يا أبى هل هذا وجه الأمير الصغير؟
قلت: يا بنتي الذي سرق القمر هو الذي قتل الأمير الصغير.
لم تبك الصغيرة فقد تحقق حلمها وأشرق القمر على أرض إسرائيل." تعليق على القصة: تلك القصة معبأة بالأفكار والأهداف التربوية والمعلوماتية والتي يرى الكاتب العبري غرسها في الطفل العبري منها:
محور "البحث عن الذات" العبرية والتي يستشعر الكاتب ضياعها أو الخوف على ضياعها.
محور فكرة "أن اليهود ضحايا التاريخ" وما صنع فيهم يجب الانتباه له وألا يتكرر.
محور فكرة "الاستيطان" وأنها واجبة عليهم وحق يجب غرسه في الأجيال الجديدة.
محور فكرة "الآخر العربي الحقير الذي يجب قهره" وهو بدا في القصة من خلال خروج الأمير الصغير لمحاربة العرب أن العرب يسرقون الحلم والنور (رمز القمر) كما أن العرب سفهاء (يستخدمون القمر للزينة على جدران بيوتهم).
محور ربط "اليهودي" أو المنتمى إلى ديانة سماوية بفكرة "الصهيوني" العنصري أو المنتمى إلى جملة عقائد أيديولوجية ما.
مع محور تكريس فكرة "كره العرب" و"تعبئة الجيل الجديد بالأفكار الصهيونية" و"القتل هو الحل مع عدم الرغبة في القتل بل ضرورة يجب على اليهودي ممارستها". هل نجح أدب الأطفال العبري في تحقيق أهدافه؟ في دراسة تحليلية على شريحة سنية من العاشرة حتى الثالثة عشر لعينة عشوائية عددها 520 تلميذا نفذها البروفسور "أدير كوهين" تحت عنوان بحثي: "انعكاس شخصية العربي في أدب الأطفال العبري" (تم البحث عام 1985م)وقد انتهى البحث بالنتائج التالية:
شيوع فكرة "الخوف من العربي" فأكثر من 75% من العينة وصفت العربي بـ"خاطف الأطفال" و"المخرب" و"المجرم" و"القاتل".
أكثر من 80% من العينة وصفت العربي بـ"في وجهه ندبة" "يلبس كوفية" "راعى البقر" "يعيش في الصحراء" "قذر"...الخ
الجهل بحقيقة العرب كأفراد وشعب من الأطفال من وصفه "العرب لهم ذيول" "العرب لهم شعر أخضر"..الخ.
حوالي 90% من أطفال العينة يرون أنه ليس للعرب حق في البلاد لذا يجب قتلهم أو ترحيلهم بعيدا.
الغالبية من أطفال العينة لا يعرفون أسباب النزاع بين العرب وبينهم وكان سمة الإجابة العامة هي: إن العرب ينون قتلهم وتشريدهم من بلادهم واحتلال مدنهم بل ورميهم في البحر.
مفهوم "السلام" عند أطفال العينة هو سيطرة الإسرائيليين على أرض إسرائيل الكاملة. أما بعد: الموضوع جد هام وحيوي وخطير ولا ينبغي أن يترك العمل فيه من طرف وحيد فعلى أدباء الطفل العربي الانتباه إلى معطيات أدب الطفل العبري ومطالعته حتى يتسنى مواجهة عناصره المضللة فالوعي بالقضية بداية المواجهة الموضوعية.

Ab_negm@yahoo.com