عن الانسحاب من غزة: ما تعطيه اليمنى تأخذه اليسرى

بقلم: هشام القروي

قبل وقت وجيز من بداية الانسحاب من غزة، وفي بداية لقائه بالمبعوث الدولي للشرق الأوسط جيمس ولفنسون ومفوض السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، قال شمعون بيريز نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ان إسرائيل طلبت من الولايات المتحدة مساعدة استثنائية بقيمة 2.2 مليار دولار لتغطية نفقات الانسحاب، ولإعادة توطين تسعة آلاف مستوطن. وأضاف بيريز إن جزءا من المبلغ سيخصص لإقامة قواعد عسكرية جديدة لقوات الاحتلال تكون بديلا عن القواعد التي ستخلى في غزة، وتعزيز الإجراءات الأمنية على الحدود بين قطاع غزة ومصر، وأن باقي مبلغ المساعدات سيخصص لتطوير وتنمية المناطق القليلة السكان في صحراء النقب (جنوب) والجليل (شمال). وكانت الإذاعة الإسرائيلية أعلنت أن وفدا يضم مسؤولين رفيعي المستوى من مكتب رئيس الوزراء أرييل شارون ووزارة المالية توجه بالفعل إلى واشنطن بهذا الطلب للقاء إليوت أبرامز مساعد مستشار الأمن القومي. وكانت الولايات المتحدة وعدت إسرائيل بمساعدة استثنائية بقيمة نصف مليار دولار، ( وهذا أقل من ربع المبلغ الذي يطالب به الاسرائيليون) وتقدم الولايات المتحدة سنويا مساعدة عسكرية واقتصادية إلى إسرائيل بقيمة أربع مليارات دولار. ولا بد، كما يفترض، من موافقة الكونغرس الأمريكي على أي مساعدة استثنائية تطلبها إسرائيل، ويمكن أن تكون على شكل هبات أو قروض ميسرة طويلة الأمد. من جهة أخرى، كان الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساف دعا إلى انتشار قوة دولية يشارك فيها الأمريكيون على طول الحدود بين مصر وقطاع غزة إلى جانب750 جنديا مصريا تم الاتفاق على نشرهم. ودعا كتساف إلى بدء مفاوضات الحل النهائي مع الفلسطينيين بهدف التوصل إلى تسوية دائمة.
ولا ندري الى حد الآن ماذا كانت نتيجة مفاوضات الوفد الاسرائيلي في واشنطن، ولم نر أيضا وصول أية قوة دولية الى الحدود بين مصر وغزة. والمرء يميل الى الافتراض أن الاسرائيليين الذين نفذوا فعلا قرار الانسحاب، نجحوا في اقناع الأمريكيين بفتح جيوبهم أكثر. وأما اقتراح كاتساف، فيبدو أنه لا اهمية له، لأن الفلسطينيين سيتكفلون مع المصريين بحماية الحدود، وليس لدى مصر والسلطة الفلسطينية أي سبب لدعوة الأمريكيين أو سواهم الى المجيء.
وفي الوقت الذي تنسحب فيه اسرائيل من غزة، فإنه لا توجد أي اشارة على حصول تقدم جديد في المفاوضات. وعلى هذا الصعيد، تبدو دعوة كتساف الى استئناف مفاوضات الحل النهائي، مجرد أمنية، أو دعاية خالية من المعنى. والدليل على ذلك أن السلطة الفلسطينية نددت بقرار الحكومة الإسرائيلية بترسيم الجدار العازل بصفة نهائية في محيط القدس الشرقية، ووصفته "بالتطور الخطير الذي من شأنه تدمير عملية السلام، وبالخطوة الاستباقية لمصير القدس". واعتبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن إسرائيل بهذه الإجراءات لا يمكن أن تخدم أمنها متهما حكومة شارون بوضع العراقيل في طريق السلام.
وقد صادقت الحكومة الإسرائيلية على ترسيم الجدار واستكمال بنائه بحول شهر أيلول القادم، وجاء قرارها متزامنا مع الذكرى الأولى لقرار محكمة العدل الدولية الذي قضى بعدم شرعيته. واعترف مسؤولون إسرائيليون بأن الجدار سيؤدي إلى عزل 55 ألف فلسطيني عن القدس الشرقية، لكن بيانا للحكومة الاسرائيلية زعم أن "الفلسطينيين سيواصلون الاستفادة من حقوقهم والخدمات الاجتماعية والبلدية المتاحة التي تضمنها لهم إقاماتهم". في المقابل أكد مدير مركز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في القدس زياد الحموري أن عدد الفلسطينيين الذين سيعزلون عن القدس الشرقية يصل إلى مائة ألف، إضافة إلى أن المقدسيين الذين سيصبحون خارج الجدار ولهم أملاك في القدس داخل الجدار، قد يطبق عليهم قانون أملاك الغائبين، مما يعرض أملاكهم للمصادرة. وأشار الحموري إلى أن الإسرائيليين بدأوا بقطع تأمينات العلاج الصحي والمستحقات الاقتصادية التعويضية في العمل، عن حَمَلة هوية القدس الفلسطينيين. وبموجب الترسيم سيضم الجدار الذي تخترقه 12 نقطة عبور العديد من المستوطنات المجاورة للقدس مثل معاليه- أدوميم كبرى مستوطنات الضفة الغربية إضافة إلى كافة الأحياء الاستيطانية في القدس الشرقية.
وهكذا، فإن ما يعطيه الاسرائيليون باليمنى، يعودون لأخذه باليسرى. هشام القروي