انكسار الحلم الصهيوني في غزة

بقلم: معقل زهور عدي

حسناً فعلت الحكومة الإسرائيلية في هدمها لمنازل المستوطنين، فصور الآليات الإسرائيلية وهي تنقض على أسطح وجدران المستوطنات أثمن بكثير من أي فائدة كانت ستعود على الفلسطينيين من استعمال تلك المنازل.
ويصلح ذلك المشهد المثير ليكون إشارة بالغة الدلالة لانتهاء مرحلة امتدت ليس من عام 1967 ولكن بالأحرى من عام 1948 وحتى اليوم.
مرحلة كان مشروع الحلم الصهيوني فيها ينمو ويزدهر، والأرض التي يقف عليها تتسع لتزيد من شهية المستوطنين لمزيد من التوسع دونما حدود.
اما مصير العرب الذين أصبحوا بالفعل هنود حمر القرن العشرين فلم يكن ليثير أدنى قدر من الاهتمام خارج حدود منظمات الإغاثة الإنسانية الدولية.
في جنوب لبنان كان الانسحاب الاسرائيلي الأول تحت ضغط المقاومة اللبنانية، وقد أظهر في حينه محدودية قدرة اسرائيل على تحمل مقاومة عربية تتسم بالصلابة والاستمرار.
وحين انكشف سر شمشون لم يعد مستغرباً أن يلتقط الشعب الفلسطيني الإشارة لينخرط في أوسع حركة مقاومة وأشدها تأثيراً كلفته تضحيات باهظة - رغم أنه كان مستعداً دائماً لتقديم المزيد- لكنها أسفرت في النهاية عن تحولات عميقة داخل المجتمع الاسرائيلي ظلت تختمر لسنوات في ظل ستار كثيف من التكتم وتحت غطاء الإفراط في استخدام العنف والقوة العسكرية لمحاولة إقناع الفلسطينيين بعدم جدوى المقاومة وفداحة ثمنها.
عاماً بعد عام ومع تتابع موجات المقاومة والعمليات الاستشهادية أصاب الإجهاد المجتمع الإسرائيلي الذي أصبح يعيش في حالة استنفار وقلق دائمين، ثم بدأ يصحو على حقيقة محدودية قدرته في الهيمنة على الشعب الفلسطيني وتركيعه ودفعه نحو الاستسلام.
في ميدان الصراع تحترق كثير من الأوهام والأفكار المسبقة وخلال السنوات الأربع الماضية احترقت فكرة إسرائيل التي لا تقهر وقدرة التقدم العسكري والتكنولوجي لإسرائيل على حسم الصراع وكذلك فائدة الدعم الأمريكي في هكذا صراع ضد مقاومة ذات صفة شعبية مسلحة بأسلحة بدائية مع شحنة لا تنفد من التصميم والزخم الجماهيري.
أما رصيد إسرائيل السياسي فقد كان يتآكل كل يوم في العالم وسمعتها تهبط إلى الحضيض، وحين أعلنت نتائج الاستبيان الذي جرى في عدد من ا لدول الأوروبية حول أسوأ الدول سمعة وجاءت إسرائيل في المقدمة كان ذلك بمثابة صدمة للطبقة السياسية الاسرائيلية أضيفت للشعور بالعجز الناتج عن الفشل في احتواء مقاومة الشعب الفلسطيني.
في النهاية وصل التحول في التفكير إلى مركز القرار، وقد أعلنها شارون بالفم الملآن في شرم الشيخ لقد انتهى الحلم الصهيوني، وللأسف فإن تصريحه الملفت مر بدون أن نقف عنده ونتمعن في النظر لمدلولاته.
اليوم يتحطم الحلم الصهيوني في غزة مع تحطم كل منزل في المستوطنات، وتخرج للنور حقائق جديدة صاغها صراع السنوات الماضية بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني.
بالنسبة لشارون الذي جلس يبكي وهو يشاهد ترحيل المستوطنين وهدم المستوطنات، قد يكون هذا التراجع نهاية ما يستطيع تقديمه من (تضحيات مؤلمة) من أجل تمكين إسرائيل من البقاء، والخروج من أزمتها الخانقة بأقل خسائر ممكنة، لكن ذلك لا يعدو ان يكون مسألة متعلقة بشارون ذاته المهدد بالقتل من المتطرفين اليهود والذي امتدت سنوات حكمه أكثر مما ينبغي على كل حال.
أما مصير الصراع العربي – الصهيوني فمسألة أخرى، فهذا النصر الجزئي الهام محسوب لخط المقاومة وليس لخط أوسلو، من أجل ذلك سينتج عنه تقوية لخط المقاومة وتجذ ير له وليس العكس، واذا لم تبادر اسرائيل للانسحاب تلو الانسحاب من الضفة الغربية واخلاء المستوطنات واحدة بعد الأخرى سواء تم ذلك على يد شارون أو غيره فالمقاومة لن تتوقف بالتأكيد.
تفكيك مستوطنات غزة أرسى سابقة لا يمكن أن تتوقف مفاعيلها قبل أن يتم تفكيك كل المستوطنات في الضفة الغربية.
ذلك الهدف يبدو اليوم صعبا وبعيد المنال، ولكن من كان يصدق أن شارون سيرسل جنوده وآلياته ليس لهدم بيوت الفلسطينيين ولكن لهدم بيوت المستوطنين اليهود ؟
ربما يؤدي الانسحاب الاسرائيلي من غزة على المدى الأبعد الى اضعاف اليمين الاسرائيلي وافساح المجال أمام تيار سياسي أقل تطرفا للوصول للحكم، وقد يستند ذلك التيار الى سابقة الانسحاب من غزة لتوسيع الحلول المطروحة باتجاه المزيد من الانسحاب وتفكيك المستوطنات.لكن ذلك يبقى مجرد احتمال للمستقبل، أما الاتجاه الذي يمثله شارون في الوقت الراهن فيبني استراتيجيته على أساس الاستعاضة عن الدولة الفلسطينية بكيان يضم غزة وجزءا من الضفة الغربية يقل عن 40 بالمئة من مساحتها، مع تعزيز وضع المستوطنات خاصة حول القدس.
فرض الأمر الواقع بدلا من التفاوض، ودفع الفلسطينيين للتكيف مع هذا الحل، واستغلال الفرصة لفك عزلة اسرائيل ونزع سلاح المقاومة وتوسيع التطبيع مع الدول العربية، وربما تتم اضافة عناصر دولية تتمثل في السعي لانعاش الوضع الاقتصادي للضفة والقطاع، كل ذلك يشكل الحل النهائي وفق تصور شارون، حل نهائي بأقل التكاليف.
لكن مقاومة الشعب الفلسطيني التي أرغمت حكومة شارون على الانسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات لن يكون من السهل احتواؤها، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يلتقط أنفاسه، وأن يحتفل بالنصر الجزئي الذي أحرزه في صراعه الطويل مع المشروع الصهيوني ريثما يحين الوقت لهبة جديدة من المقاومة تقتلع آخر جذور الاستيطان في الضفة الغربية. معقل زهور عدي