هداية درويش، وهدى العمر في 'همس ريشة وبوح قلم'

بقلم: أحمد فضل شبلول
مجدافان للنهر

تجربة إبداعية نسائية سعودية جميلة، جمعت بين الريشة والقلم، بين الفنانة التشكيلية هدى العمر، والكاتبة الأديبة هداية درويش، وقدمت لها الكاتبة د.خيرية السقاف.

رسمت هدى العمر أحاسيسها ومشاعرها بألوانها وخطوطها وظلالها وأضوائها، وكتبت هداية بقلمها وحروفها وسطورها ونقاطها.
أيهما أسبق: كتابة هداية، أم لوحات هدى؟
بمعنى آخر، هل رسمت هدى أولا، فرأت هداية ما رسمته، فترجمت مشاعرها تجاه اللوحة بكلمات تحمل إحساسها ورؤيتها للعمل الفني الذي أمامها؟ أم أن هداية كتبت أولا، فقرأت هدى ما كتبته، وترجمته إلى ألوان وخطوط وظلال؟
لقد اندمج العملان معا، بطريقة تجعل من الصعب الإجابة على السؤال. وإن كنت أخمِّن أن لوحات هدى العمر هي السابقة على كتابة هداية درويش.
أيًّا كان الحال فقد صدرت الأعمال الفنية والكتابة الإبداعية (الأقرب إلى روح الشعر) في كتاب واحد يحمل اسم "همس ريشة وبوح قلم"، وكأننا أمام معرض تشكيلي نشاهد من خلاله ثماني وعشرين لوحة تشكيلية ذات ألوان قوية وصريحة وجذابة، تكشف عما يمور في الأعماق من حب وتناقض وصراع وألفة ومعاناة وأحلام وكوابيس، سواء أعماق البحار، أم أعماق الإنسان. إنه الإنسان/البحر في كل حالاته وبكل تناقضاته في معظم أعمال هدى العمر.
أما كلمات هداية درويش فقد جاءت أقرب إلى الشعر، منها إلى الحكي أو القص. تقول أمام لوحة "وحدة وانتماء":
منذ ذاك المساء المسكون بالفرح
وأنا أتجول في حارات عينيك
أذوب في أزقة كلماتك
منذ ذاك المساء وأنا أحمل بين كفي .. أشواقي
أبحر فوق زورق من حيرة
أغرق في طوفان أحلامي
كل أحزان العالم أمام حزنك لا تعنيني
ومسحة حزن من عينيك تشقيني
يبكيني صمت حزنك
وتشرق شمس عمري .. لفرحك ..
فأنت وحدك حلمي
هويتي .. وانتمائي
فهل أكون جزءا من حلم مر .. بك؟
يذكرني عنوان الكتاب، بعنوان "مؤتمر الريشة والقلم" الذي حضرتُ فعالياته أثناء الافتتاح التجريبي لمكتبة الإسكندرية عام 2002. وكانت تدور حول أعمال الفنان التشكيلي المبدع صلاح طاهر، والكاتب العالمي نجيب محفوظ.
ومن خلال تجولنا في معرض هدى العمر، وكلمات هداية درويش، وجدنا أن الحس العروبي لا يغيب عن هذه الأعمال، فهناك لوحات عن القدس وعن الطفلة الشهيدة إيمان حجو، وعن صرخة الحجر، وفلسطين يا زهرة المدائن. وكذلك قرأنا كلمات هداية تدور حول القضية العربية الفلسطينية، ومذابح اليهود في فلسطين:
آه .. يا مقدسية
آه .. وألف آه .. يا أُخية
ارفعي الرأس وقولي .. إنا ها هنا باقون
على ترابنا … تلالنا .. وسهولنا .. باقون
فوق ركام بيوتنا ..
وبين أريج المسك من شهدائنا .. باقون.
تقول د. خيرية السقاف تحت عنوان "مجدافان للنهر":
"هداية درويش تلون الحرف، تبوح بالمشاعر
وهدى العمر تصادق اللون، تفضي بالإحساس
واحدة تكتب كما تعيش رحلة إنسان كالنسمة، رقيقة كحرفها، عميقة كحسها.
والثانية ترسم كما تشعر رحلة إنسان كالدمعة، طيفية كريشتها، مبحرة كخيالها".
لاشك أنها تجربة إبداعية ثرية، نحتاج إلى تعميمها في مناطق كثيرة من مناطق الإبداع العربي الأدبي والتشكيلي.
لقد أصدر د. عبد الغفار مكاوي كتابه الجميل "قصيدة وصورة" في سلسلة عالم المعرفة بالكويت، ورصد فيها (ترجمةً وتأليفا) بعض القصائد التي كُتبت عن ـ أو حول ـ أعمال فنية، وكان معظمها من الآداب الأجنبية والفنون الغربية. وكتبتُ من قبل قصيدتي "خماسين مختار" المستوحاة من تمثال "الخماسين" للفنان محمود مختار.
ولاشك أن الأمر يحتاج إلى دراسة أعمق لرصد هذا التأثير والتأثر، بين اللون والكلمة، أو بين اللوحة والقصيدة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية