رواية صدام حسين الثالثة: الرئيس عندما يريد اضافة كاتب الى القابه

بقلم: السيد نجم
ما الخيال إلا وسيلة لاستحضار المحتمل والمتوقع

إنهم يكتبون الرواية..
ظاهرة ممارسة الكتابة الأدبية عند غير الأدباء، تعد من الظواهر اللافتة والتي يلزم دراستها. فقد عرف عن الطبقة الإقطاعية ثم الرأسمالية الجديدة، إبان الثورة الصناعية في أوروبا، عرف دورها البارز في الحفاظ على التراث الفني بكل جوانبه وأشكاله. سواء باقتناء الأعمال التشكيلية، أو الإنفاق على الفنانين والموسيقيين مع إقامة الحفلات وتشييد القصور المزينة بأعمال النحت والزخارف.
أما وقد تولت الحكومات تلك المهمة مع تحول أشكال المجتمع وأصبح أكثر تعقيدا، أصبحت ممارسة الفنون ودراستها أكثر شعبية وشيوعا، ونالت فئات الموهبين أدبيا وفنيا الاهتمام الواجب بحسب درجة وعى ونضج تلك الحكومات، حتى مع النظم الفاشية التي وظفت الفنون من أجل الأهداف الإيديولوجية فقط.
زاد التخصص وتحددت السبل، بحيث أصبح من المستحيل الجمع بين ممارسة الفنون بشكل واع ومتابع مع ممارسة المهن المختلفة.. إلا ما ندر مع بعض الأطباء والصحفيين وربما لغيرهم، حيث تتغلب الموهبة ويعرف عنهم جانب الموهبة أكثر من مهنتهم الأصلية.
أما أن نقرأ بين الحين والأخر في عالمنا العربي..أن أحد الساسة البارزين، وربما من الملوك والرؤساء يمارسون فنا ما، وخصوصا الرواية. يبدو أنه يلزم التوقف أمامها، والبحث في مضمونها ودلالاتها.
الإصرار على ممارسة هذا الفن أو ذاك يعد أمرا محمودا، الإصرار على الإعلان عنه ونشره على الناس، وفرضه عليهم.. هنا مربط الفرس؟!
هل يمكن تفسير تلك الظاهرة من خلال التحليل النفسي؟ أم من الزاوية السياسية باعتبارها جانبا أيديولوجيا للكاتب/الرئيس؟
ربما الاقتراب من الرواية الثالثة، للرئيس المخلوع الأسير صدام حسين، يوضح بعض من جوانب الصورة!
إنها رواية "أخرج منها يا ملعون"، التي حصلت عليها "الشرق الأوسط" من بغداد، وهي على شكل "ملازم" جاهزة للطباعة، وقد حملت الصفحة الأولى منها تأشيرة بخط اليد جاء فيها:
"تطبع لطفا"، يليها توقيع ثم تاريخ 18-3-2003، أي أنها أعدت للنشر في الشهر الذي كانت فيه القوات الأميركية على أهبة الاستعداد لغزو الأراضي العراقية، والتي انتهت باحتلال العراق (حتى تاريخه).
كما تلاحظ أن الصفحة الأخيرة من الرواية، تتضمن تلك الجملة: "ريع هذه الرواية للفقراء واليتامى والمساكين والمحتاجين والأعمال الخيرية".. أما سعر النسخة فهو 1500 دينار (حوالي دولار).
تلك الرواية الثالثة للكاتب/الرئيس، سبقتها روايتان: "زبيبه والملك" و"القلعة الحصينة". وقد ناقشت الصحف والدوريات خلال الإعلان عن الرواية الأولى والثانية..هل حقا تلك الروايات كتبها "صدام"؟.. أما الآن فأظن أن السؤال يجب أن يختلف.. لماذا كتبها "صدام"؟

الصفحة الأولى من الرواية، تبدو هكذا: النص الكامل لرواية "أخرج منها يا ملعون"
لكاتبها: صدام حسين
"أخرج منها يا ملعون"
هرب الشيطان بعد أن كثرت
أعداد من يقوم بواجبه من البشر
رواية لكاتبها: "صدام حسين"
يلاحظ القارئ مجموعة من الملاحظات التي قد تبدو طريفة أكثر من كونها أدبية..تكرار اسم الكاتب في أكثر من موضع بالصفحة، الجملة التفسيرية لمضمون الرواية كما الروايات الأولى في العربية منذ أكثر من قرن، الملمح الأخلاقي والواعظ للشرح المفسر لذلك المضمون، عنوان الرواية يشي بالجانب الميتافيزيقي والغيبي في تفكير الكاتب/الرئيس.
تقع الرواية في حوالي ثمانون صفحة من القطع الصغير، متصلة بحيث تتابع الأحداث والمواقف متواصل على التوالي، بدون فصول وان قسمت إلى أجزاء مختلفة الأحجام بفواصل من التنقيط.
لم تتضمن الرواية وصفا نفسيا أو تحليليا للمواقف والشخوص، حرص الكاتب –كل الحرص- على إبراز "الخير" و"الشر" برموز كاشفة وغير فنية.
زمن الرواية ومكانها، الزمن القديم خلال فترة محاربة العرب "للرومان"، وشخوص الرواية تعيش بالجزيرة العربية.
من النص:
"تعيش الشياطين، حسب اعتقاد من يعتقد بذلك، وتفرخ بين أعمدة الخشب في البيوت العتيقة، حيث تشكل تلك الأعمدة مساند شقوقها أو بين أعقاب النبات والحطب، حيث يخزنان، أو في المغاور، والشعاب والألواح المهجورة..... أما الآن فقد تكون موجودة في وسائل الاتصال وفى شاشات التلفاز، وفى المقتنيات الحديثة، وما يمكن أن تغرى به، أو في عيني امرأة شرهة سوتهما بأصباغ هذا الزمان وفق نزعتها.... وهى في كل الأحوال موجودة حيثما وجد طمع وطامعون، وشر وأشرار.... ". كل الأحوال بقى الشيطان متخللا ومستقرا في ضمير وعقل وتفكير وفعل من يقبل ولايته عليه....".. (واضح المدخل الأخلاقي)
". إبراهيم يحكى جانبا من هذا لأيتام أولاده الثلاثة، الذي قتل آباؤهم في غزوات ومنازعات قبلية وما أكثرها في ذلك الزمان في شبه الجزيرة العربية.." ..(تتوالى الأحداث بسرد حواري بين الجد وأحفاده، لإبراز بعض المعلومات عن قصة خلق الإنسان، وبداية الشر على الأرض)
وفى نقلة يشير الكاتب إلى كبر الأحفاد وبلوغهم سن الرشد، وإبراز بدايات الصراع فيما بينهم ومع الغزاة.
كان الحفيد "حسقيل" صاحب "أنموذج" الشر، فهو الذي ناقش الجد في أهمية "الذهب" باعتباره أصل الثروة والهدف المرجو من الحياة.. بينما يرى الجد أن "العمل" هو أصل الثروة.
ومع متابعة الأحداث وإبراز الشر في "حسقيل".. خرج الأحفاد للعمل، بينما اختار "حسقيل" حرفة "الحدادة"، لأن العرب لا يرغبونها، ولن يجد منافس له. ويبدأ بصناعة حدوة الحصان، وانتهى بصنع السيوف الباترة.
كما بدت سريرة "حسقيل" الشريرة من خلال حادثته مع ابنة زعيم القبيلة الذي أكرم مقامهم، وقد حاول الاعتداء عليها.. وهكذا كان الجزء الأول والأكبر من الرواية.. حيث توالت الأحداث المعبرة عن الصراع بين الخير والشر.. بين الإخوة الأخيار و"حسقيل" الشيطان الذي تعاون مع المعتدين "الروم"!
الخاتمة:
"رأى "سالم" منظر النار وهى تشب في البرجين، وقد أرخى الليل سدوله، وما يزال يطارد بقايا قوم الروم المهزومين قريبا من ديارهم.. ردد سالم عند ذاك بصوت متهدج، بعد أن فاضت الدموع من عينيه...(بسم الله الرحمن الرحيم، ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول)، وردد أيضا (بسم الله الرحمن الرحيم، قل اللهم مالك الملك، تأتى الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، انك على كل شيء قدير)، صدق الله العظيم.
ترى، هل كانت تلك الرواية نبؤة "صدام" بما انتهى إليه؟!
أم ترى محاولة خاصة منه لتفسير ما عايشه من أحداث، وما يتوقعه من نتائج، ومع ذلك غلبته العقلية الميتافيزيقية، على الرغم من كونه على رأس هيئة اتخاذ القرارات المصيرية في بلاده، إن لم يكن صاحب القرار الوحيد؟!
ومع ذلك وقبله، لماذا كتبت تلك الرواية وغيرها.. سواء منه أو من غيره من أصحاب القرارات المصيرية والشخصيات السياسية في العالم العربي؟
إذا كانت "الكتابة" عمل فردي، يسمح بالشطط والخيال بحسب قوانين خاصة بفنون جنس النص المكتوب.. فقد تعد عملية الكتابة نفسها تنفيسا وتعبيرا عما يجيش في النفوس من احباطات وطموحات معا، وهى مقبولة عند محترفي هذا الفن أو ذاك. أما الساسة والحكام فلهم غلبة العقلانية والموضوعية، وما الخيال إلا وسيلة لاستحضار المحتمل والمتوقع. وفى حالة لجؤ الأخير للكتابة فليس إلا للتعبير عن العجز في تحقيق ما يتخيله السياسي في الواقع المعاش.
ربما ما سبق يعد تفسيرا، إلا أنه ليس كل التفسير. قد تكتب "الرواية" عند السياسي من مدخل الشمول والاحاطة بكل اهتمامات البشر ومهارتهم!
تلك الوقفة ليست للاحاطة بالرواية، قدر محاولة خاصة للتعرف على أسباب قيام بعض الساسة بالإصرار على مطالعة بريق لقب الكاتب ليضاف إلى جملة الألقاب! السيد نجم Ab_negm@yahoo.com