بسيطة ...ارجع بكرة: الروتين سيد المواقف في سوريا

بقلم: ماجدولين الرفاعي
وشو صار.. خليها لبكرة

عندما احتاج حسام لاخراج ورقة اخراج قيد نفوس لأجل معاملة تخص وظيفته اضطر لمرافقة ابن عمه القادم من ألمانيا معه باعتباره ضيفا عنده. لم يستطع حسام تمالك نفسه فقهقه بصوت عال عندما لمح الدهشة في عيني الضيف الذي راح يرقب موظف السجل المدني وهو يضيع بين أكداس الملفات للبحث عن مجلد قريتهم الذي وجده بعد عناء و كان ممزق الأطراف أوراقه مصفرة ومتآكلة وكأن جرذ كان يعبث به قبل حضورهم.
فتح الموظف الصفحات بهدوء وروية خشية تمزقها وضياع تاريخ أسرة بأكمله أسرة لا يوثق وجودها على وجه الكون غير تلك الأوراق الصفراء المهترئة وتساءل لماذا لا يصار إلى اتمتتة المعلومات وحفظ السجلات في ملفات الكترونية تسهل على الموظف عمله الذي لن يكلفه سوى وضع حرف واحد من الاسم لتظهر كل المعلومات دفعة واحدة كما يفعل الغرب.
وحقيقة لازال الروتين سيد المواقف في كافة الدوائر الحكومية في سوريا ونظرية "ارجع بكرة" التي تعود عليها المواطن متداولة بشكل كبير وقد اقترح احد هم أن تقوم المدارس بتدريس مادة اسمها كيفية التعامل مع المواطن.
ظاهرتان في دوائرنا الحكومية تبدو كعلامة فارقة الروتين وسوء التعامل من قبل الموظفين الاكارم.
فما إن يدخل المواطن دائرة حكومية حتى يطالعه وجه احد الموظفين أو الموظفات لا لون له وقد غادرته ابتسامته منذ دهر، يسأله بعد ربع ساعة من وقوفه أمامه عن حاجته وقبل أن يتمكن من الإجابة يرد عليه الموظف بجلف ونزق ضعها على مكتبي وارجع بعد أسبوع أو بأحسن الأحوال يقول له "ارجع بكرة" وهنا تبدأ توسلات المواطن بان تنتهي معاملته في نفس اليوم كونه قادم من قرى ومدن بعيدة وانه لا يستطيع المبيت وبين اخذ ورد يحدد الموظف قيمة الرشوة التي سيأخذها ثمن ابتسامته وتحركه عن مقعده باتجاه الأرشيف والأكداس من الأوراق والمجلدات والتخلي لمدة دقائق عن جريدته التي امضي النهار في فك رموزها وحل الكلمات المتقاطعة فيها مستعينا بجميع الموظفين في نفس الغرفة. مجموعة من الأصدقاء أتعبهم الجدال حول فكرة واحدة هل سوء التعامل من قبل بعض الموظفين متأصل أم انه عرض طارئ ودخيل!! ذهب فراس إلى وزارة الداخلية لإحضار بعض الأوراق المطلوبة لتثبيت زواجه من زوجته الأجنبية والتي اشترطت المحكمة لتثبيت زواجه منها حصوله على موافقة أمنية من وزارة الداخلية وموافقة شعبة التجديد والحصول على أوراق تثبت إنها مسيحية وطلبات متعددة وكان عليه التوجه حسب التسلسل الى وزارة الداخلية مكتب معني بتلك المسالة ليجد الموظفة المختصة منهمكة بصبغ اظافرها بالمانكير ألقى عليها التحية لكنها لم ترفع رأسها على الأقل لترد ها وعندما طلب منها الورقة التي جاء من اجلها صرخت في وجهه بلهجة حادة:هل تريدني أن ألوث الأوراق؟ وتابعت: هيا اقترب واسحب ورقة من هذا المجلد وغادر.
قالت منى: ذهبت إلى مديرية التربية لإجراء معاملة من اجل الحصول على ساعات تدريس مادة اللغة العربية وتهت بين غرف المديرية وأنا أتنقل بين غرفة وأخرى ولكني ثابرت على متابعتها ولم يتبقى سوى توقيع احد الموظفين والذي تجمع أمام بابه العشرات في انتظاره وقد تأخر كثيرا لكن الحاجب وصل أخيرا واخبرني هامسا لن يتأخر فقط يشتري بعض الخضار لزوجته ويعود!
ويبدو أن سوء التعامل والإهمال عناوين مشتركة تمتد حتى سفاراتنا في الخارج والتي ينبغي أن تكون وجه البلد الحضاري المشرق ليجد المغترب نفسه في بلده كلما دخل تلك السفارات بموظفيها المحنطين منذ العديد من السنوات بملامح وجوههم المكفهرة وقسماتهم التي صلبتها كثرة العبوس والنكد وتعاملهم ضمن روتين مقيت.
أكد لي احمد واقسم انه أرسل جواز سفره للتجديد في سفارة بلده في مكان اغترابه ولكنهم كالعادة قالوا له "ارجع بعد مدة" وكونه يقيم في مدينة بعيدة جدا عن العاصمة ولا يستطيع العودة لإحضاره قبل أن يطمئن لإنهاء تجديده طلب راجيا أن يتم سؤالهم عبر الهاتف ولعل احد الأصدقاء يرسله له بالبريد في حال الانتهاء منه وهنا بدأت سلسلة اتصالاتها اليومية إلى السفارة
سائلا عن إنهاء معاملته لكنهم كانوا دوما يجيبون بالنفي حتى اضطر للسفر مرة أخرى مدة تسع ساعات وأكثر للوصول إلى السفارة والتي انكرت وجود جواز سفره عندهم ولكن الموظف المختص أكرمه بالبحث عن الجواز بين أوراقه التي بدأت تتناثر على الأرض واحمد ينحني ويلملمها وكانت تلك الانحناءة السبب المباشر في إيجاد الجواز وقد وجده أخيرا تحت قائمة من قوائم المكتب الذي يجلس إليه الموظف ويبدو أن الأخير انزعج من اهتزاز المكتب فثبته بوضع جواز السفر تحته.
تلك بعض الحالات البسيطة التي تظهر التعامل السيئ من قبل بعض موظفي الدولة وما لم يقل أكثر بكثير مما قيل.
متى إذا نستطيع التخلص من تلك الرداءة لكي نسير قدما باتجاه مستقبل واعد تنظمه أخلاقياتنا واستخدام تكنولوجيا العصر لعلنا نلحق بركب الحضارة الذي سار أمامنا كثيرا دون أن نتمكن من اللحاق به؟ ماجدولين الرفاعي