المظلومية القومية.. وتوظيفها أمريكيا

بقلم: د. عبدالله يوسف الجبوري

تحدثنا قبلا عن المظلومية التي اتخذت منها بعض القوى الوطنية ذريعة لشحذ همة أمريكا في سبيل أن تصل بهذه المظلومية الى السلطة، ولكنها وصلت الى سلطة بلا سيادة ن ومقاعد سياسية بدون رصيد يمكنها أن تحقق أهدافها التي طالما نادت بها وهي توظيف المظلومية التي تعاني منها قطاعات شعبية عربية أو غير عربية كطريق لإنقاذ اكبر ما يمكن إنقاذه من ظلم تحت وضع الدكتاتورية والحكم الفردي.
وإذا كانت المظلومية القومية التي حاولت أمريكا أن تسحب الشعب الكردي أن يستظل بها ويدفع بأمريكا نحو التقرب منه، لا بد أن يدرك أن أمريكا عندما توظف مظلوميته لا بد أن يكون هناك ثمن ن وهذا الثمن ربما لا يقبل به غالبية الشعب الكردي، فصحيح أن الشعب الكردي على سبيل المثال كان قد تعرض لظلم الأنظمة العراقية، لكنه لا يمكن النظر الى هذه المظلومية فقط من وجهة نظر أمريكا التي طالما حاولت تمديد فترة عدم تعاطفها مع الكرد ولجأت الى أسلوب الترضية الإعلامية، بل لقد وضعت طاقتها الأستخباراتية ضد القوى الوطنية الكردية في العراق، ولم تتحرك حتى هذه اللحظة لصالح المظلومية القومية في سوريا وتركيا وإيران، ولكن بالنسبة للمظلومية القومية الكردية في العراق كانت قد وظفتها أمريكا في اللحظات الأخيرة لحرب الخليج الثانية عندما بات من الواضح أن أمريكا لم تكن لتسعى في عام 1991 الى إحتلال العراق خوفا من تقاسم العراق من قبل القوى التي أسهمت بشكل فاعل في تحرير الكويت وتدمير القوة العسكرية العراقية.
وفي هذه المرحلة فقط عندما أصبح الأمر يقتضي أن تطل إسرائيل مباشرة على منطقة غرب آسيا وشمال الخليج العربي، فقد أوحت للبيت الأبيض الأمريكي أنه من غير الممكن ترك الأبواب في كردستان مغلقة أمام التواجد الأستخباراتي للموساد، وهذا يعد العامل الأهم في الدعم الأساس لقضية التحول في الفكر الأمريكي بأتجاه المظلومية القومية لأكراد العراق، وهكذا فأن إسرائيل باتت على مشارف غرب آسيا ومطلة على بحر قزوين ومنطقة الأناضول المهمة بحسب المخطط الأمريكي والمخطط الإسرائيلي، ومن هنا فهي سوف تطل على الخليج العربي والبحر العربي مستقبلا.
وهكذا ومن أجل أن تمر قضية التواجد الإسرائيلي فقد تحول المخطط الأمريكي الى قضية أكثر تعقيدا ويمكن توظيفها لخدمة المظلومية القومية وبلباس وطني وطائفي، فقد تزامنت قضية المظلومية الطائفية في آن واحد، مع المظلومية القومية، وتم تحديد ملامح التحرك الإسرائيلي، فقد سعت إسرائيل الى عملية تنظيم الهجرة المنظمة لعموم شيعة جنوب العراق ووظفت لذلك قوى خفية أهمها الدور الإيراني لتأجيج مظلومية الشيعة، لتدعم قضية المظلومية القومية للكرد.
وإذا ما نظرنا سريعا الى تداخل هذين المفهومين في آن واحد لتبين لنا حقيقة الأطماع الإسرائيلية بعيدة المدى في منطقة شمال الخليج العربي، والأطماع الإقتصادية والبعد الجيوبولتيكي الأمريكي في ذات الوقت مع مصالح إسرائيل، ولا سيما في العراق.. وأكثر من ذلك تجاهلت المظلومية القومية لعرب الأحواز لكننا نجد أن أمريكا لا يمكن أن ترفع من هذه المظلومية ولا من سخونتها السياسية في الوقت الحاضر، لأنها تواجه المأزق الإيراني الذي تعرف انه لا يمكن أن يكون سهلا بسبب إمكانية إيران النووية وتماسكها السياسي وقوتها البشرية والعسكرية، مما دفع بأمريكا الى مغازلتها، لا بل تشير المعلومات غير المعلنة أنها ذات شراكة في التخطيط غير المباشر في غزو العراق لقاء سكوت أمريكا عن رفع درجة المظلومية القومية لعرب الأحواز، ومظلومية الكرد والبلوش وغيرهم من القوميات، وربما أسهمت مظلومية الشيعة في العراق كثيرا في سكوت إيران لصالح مخطط تدمير مرتكز قومي مهم في الجانب الشرقي للأمة العربية، وبات من المؤكد أن المظلومية الطائفية رفعت في ذات الوقت الى مستوى المظلومية الكردية لأكراد العراق دون غيرهم، لأن الهدف بالدرجة الأولى إحتلال العراق بحسب المخطط المرسوم إسرائيليا.
إن الأحواز بمكونها العربي الخالص وتصاعد نضالها ضد التعصب القومي الفارسي وغير الفارسي، وتفكير أمريكا بالموقع الاستراتيجي لإيران وتأثيرها المباشر على كل من الوضع العراقي والوضع الأفغاني دفعا بأمريكا على أن تنتهج طريقها بأتجاه عدم تحريك الملف العربي في الجنوب والجنوب الغربي لإيران، وكذلك فيما يتعلق بملف بقية القوميات ومنها ملف القومية الكردية وشطبها من قائمة المظلومية القومية التي تسعى أمريكا أن توظفها بين الحين والآخر ضد الأنظمة السياسية التي تنتهي صلاحيتها في خدمة المصالح الأمريكية. ففي المثال العراقي هناك المثال الإيراني والمثال التركي والمثال اللبناني الطائفي القومي أيضا، لكننا نجد انها تغاضت او غضت الطرف عن ملفات عديدة لأنها تجد انه من غير الممكن تحريكها الآن، واكتفت بالنموذج العراقي لتفعيل المظلومية الدينية والمظلومية القومية في آن واحد وألبست هاتين المظلوميتين لباسا خاصا يتلاءم مع مصالحها فيما يتعلق بالنموذج العراقي، وربطت بين النظام العراقي وبين الإرهاب، وبينه وبين أسلحة التدمير الشامل، في حين انها لم تفعل المظلومية القومية والدينية في قرار الأمم المتحدة ذي الرقم 688 وبقية القرارات التي يمكن أن تحل قضية الشعب العراقي لو كانت أمريكا صادقة النية منذ غزو الكويت عام 1990.
فالمظلومية القومية في فلسطين نجد أن أمريكا تضعها في خانة مغايرة تماما لما تطرحه من مظلومية الشعوب، وذلك واضح في قضية إحتلال الأرض العربية وعدم إعطاء الشعب الفلسطيني حقه في التصرف بأبسط حقوقه القومية، ومع ذلك نجد أن المظلومية القومية للشعب الفلسطيني لا يمكن أن ترقيها أمريكا الى مستوى بقية المظلوميات القومية التي سادت الساحة الدولية مثل ما جرى في يوغسلافيا السابقة وقضيتي البوسنة والهرسك، وما تزامن معهما في حرب تفتيت يوغسلافيا، ونحن لا نعتقد أن ما يجري في فلسطين على سبيل المثال لا يمكن مقارنته أو إعتباره أقل مما جرى في البلقان، وان ما يمكن أن تدعيه أمريكا فيما يتعلق بمظلومية الشيعة والأكراد في العراق ليس أكثر مما يعانيه الشعب العربي في فلسطين، ولكن قبول القوى لما تطرحه أمريكا بشكل مجرد دون البحث في أهداف أمريكا ومخططاتها غير المعلنة، هو الذي أسهم الى حد ما في تبني أمريكا للمظلومية القومية ومنحتها هذا الانحياز غير العادل لصالح مصالحها ومخططاتها في المنطقة.
لقد طرحت أمريكا قبل سنوات مظلومية الأقباط في مصر ولكن الشعب المصري بقدرته الداخلية على التماسك أستطاع أن يفشل جانب مهم من مخطط المظلومية التي ترفعه أمريكا، ولو انها حاولت أن تجعل منه ملفا داخليا مزدوجا، أي ملف المظلومية الدينية والمظلومية القومية او العرقية،، ولكن جاءت النتائج المطلوبة من الطرف الأمريكي على غير ما يرام، فلذلك توجهت إدارة بوش ووظفت المظلومية القومية والعرقية في السودان، وفعلا نجحت الى حد ما لكن ليس وفقا للنموذج العراقي الحالي، وباتت تدخل البيت من الشباك الخلفي، فاستخدمت التمرد في جنوب السودان وفبركته على شكل مظلومية عرقية ودينية، وكذلك دفعت بملف دار فور وغيره من الأقاليم السودانية الى الواجهة،لتسهيل السيطرة على السودان من الناحية الإقتصادية بعد أن تبين الفشل العسكري في العراق وهي لا تريد أن تقع في مستنقع آخر.
فأمريكا لم تعد بحاجة الى مزيد من الجهد في سبيل السيطرة على الوضع في منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، فالمظلومية القومية أصبحت تنتقى بشكل يتماشى مع مصالح أمريكا وكأن المظلومية ليست مظلومية شعوب بقدر ما هي مظلومية لمصالح أمريكا.
فلو تتبعنا مسار الخط البياني لإهتمام أمريكا بالمظلومية القومية نجد أن قوميات ترزح تحت وطأة الظلم الأمريكي، او تخضع للمظلومية من النظم السياسية التي أوجدتها أمريكا، فالبربر في شمال أفريقيا لم يتم الإلتفات لهم او النظرة إليهم على أنهم تشكيل قومي مشارك في الحياة الإجتماعية والسياسية ولهم ثقافتهم، في حين أن هناك تملق امريكي لبعض المظلوميات ونحن لا نريد أن ننكر بأن هناك مظلومية قومية، ففي الجزائر وفي المغرب وفي ليبيا هناك الأمازيغية، وهي قومية لها قيمها وتقاليدها وقوانين حياتها، متمثلة بلغة حية يكتب فيها تراث أمة وحضارة شعب، لكن لم تتم إلتفاتة من قوى دولية عديدة او من منظمات ذات علاقة مباشرة بحقوق هذه القومية، أما حين تريد أمريكا أن توظف هذه المظلومية فإنها تختلق ملايين الأسباب لتحارب الحاكم بما هو حاكم عليه، وتنحاز لفئة صغيرة وتتجاهل الفئة الكبيرة.
لقد أكدت أحداث جنوب السودان والنموذج الكردي في العراق انحرافا في الانتباه الى حقيقة ما تريده أمريكا، فالشعب الكردي رغم موقف قوى عراقية وطنية الى جانبه، ليس الآن ولكن منذ عشرات السنين، إلا أن أمريكا تعامت عن مطالبهم، وحين رأت في تحفيز المظلومية القومية مصالح لها، برزت على السطح قضايا الشعب الكردي، في حين انها مساهم حقيقي في دعم النظام السياسي السابق في العراق، وتجاهلت نداءات الدول الأوربية ومنظمات حقوق الإنسان في إدانة التطهير العرقي وضرب حلبجة بأسلحة الدمار الشامل، ولكنها اليوم تريد أن تجعل من هذه المظلومية، بل جعلتها جسرا للوصول الى مصالحها وربما مصالح إسرائيل في ترتيب الوضع القومي للشعب الكردي، والإنتصار مؤخرا لعمليات الأنفال والتهجير المتعمد لآلاف القرى والعوائل من مناطقهم التي تشكل جزء من مظلوميتهم القومية حقا، ولكن ربما جاء ذلك متأخرا ولكنه جاء في الوقت المناسب من وجهة نظر المصالح الأمريكية في المنطقة ومشروعها المستقبلي الذي لا يمكن للقوى التي سعت الى تفعيل المظلومية القومية والطائفية إنكار حقيقة ما تريده أمريكا وبكل صراحة وعلانية.
إن على القوى المناهضة للحكومات التي ترعاها وتتستر على أفعالها أمريكا، أن لا ينزلقوا في طريق تأجيج مفهوم المظلومية القومية او المظلومية السياسية، ويخضعون للنفاق الأمريكي الذي لا يمكن أن يتعامل بذات المنهج مع المظلومية القومية للعرب في فلسطين واستعادة حقوقهم، ولا يمكن للقوى التي تعمل ربما الآن لتأكيد مظلوميتها السياسية وتحاول أن تثير المظلوميات الأخرى لمساندتها، أن تتجاهل ما تريده إسرائيل وتنفذه أمريكا لا سيما إذا ما تم توظيف مفهوم المظلومية القومية او المظلومية الطائفية كما جرى في العراق.
الأحواز الأمازيغية وجنوب السودان ودار فور، وكردستان الكبرى كلها ربما مشاريع سوف توظف لصالح المشروع الأمريكي في منطقة محددة ترتكز أساسا على عقيدتين أساسيتين هما العروبة والإسلام، وهي تدرك حقيقة أن هناك جسم موحد لا يمكن فصله هو أن الدين الإسلامي لا يمكن أن يستقيم بدون العروبة، وان العروبة لا يمكن فصلها عن الروح العظمى، وهي الإسلام، ومن هنا تسير المحاولة الأمريكية للتدخل في مناهج التعليم التي بنيت أساسا على تعميق المفهوم التربوي الذي يقوم على المنهج الإسلامي، ولا يمكن للشعب العربي وشعوب المنطقة الاستغناء عن مفاهيم راسخة، لأن هذه المفاهيم أصلا تنمو بإطار ديني وتربوي بيتي بعيدا عن تأثير الفكر المستورد والعولمة وقبل أن يصل الفرد الى محيطه الاجتماعي او محيطه التربوي فأنه يتشبع بالفكر الديني الإسلامي، وهنا تصبح المدرسة مكملة لمنهج يومي وتربوي يبدأ داخل الأسرة، ولا أعتقد أن أمريكا غافلة عن ذلك لكنها تحاول جاهدة أن توظف أكثر من عامل ليوقف التربية البيتية قبل الوصول الى المدرسة التي ستشرف عليها أمريكا مباشرة او عبر أناس يلبسون الثوب الإسلامي، ولكنهم جزء من المشروع الأمريكي.
ومن هنا فان قضية توظيف المظلومية القومية جاء على أيدي أمريكية وبأسماء عربية او أسلامية قد تتكشف حقائقها في القريب العاجل، مما يفكك مفهوم المظلومية وتظهر الوحدة القومية والدينية في آن واحد، أي استعادة الشعور الوطني والقومي في آن واحد لتتفكك الرؤية الأمريكية وينتهي المشروع الذي ربما يحرص البعض على إنجاحه لكنه ولد ميتا الى حد ما.
فالبيئة الإسلامية التي تتجاهل تنميتها بعض القوى السياسية غير العربية تصطدم في النهاية بجدار الحماية القيمي الذي يسد الفجوة التي تسعى أمريكا أن تحدثها في الجسم العربي وفي الروح الإسلامية، من خلال تفعيل مفاهيم المظلومية الزائفة. د. عبدالله يوسف الجبوري
المشرف العام لشبكة أخبار العراق
نائب رئيس تحرير جريدة المغترب العربي