'الخبز المر' والبحث عن طريق!

بقلم: السيد نجم
يخلف

"ماجد أبو شرار" يعرفه الساسة وقليل من الأدباء الفلسطينيين. استشهد من جراء قنبلة في غرفة نومه بايطاليا عام 1981م، وهو تاريخ إصدار المجموعة!
يقول الكاتب "يحيى يخلف" عنه في مقدمة المجموعة: "نشرت معظم قصص هذه المجموعة في مجلة "الأفق الجديد" المقدسية، والتي ظهرت في مطلع الستينيات... لعبت دورا كبيرا في تنشيط الحياة الثقافية... وبالرغم من توقف المجلة عن الصدور عام 1966م، إلا أن أثرها على الثقافة في الضفة الغربية والأردن ما زال ماثلا... وقدمت المجلة على صعيد القصة القصيرة عددا من الكتاب، كان من أبرزهم: ماجد أبو شرار، نمر سرحان، صبحي شحروري، محمود شقير، حكم بلعاوي، خليل السواحري، فخري قعوار، ويحيى يخلف. لقد تميز "ماجد" من بين تلك الأسماء، ولفتت قصصه انتباه نقاد الأفق الجديد.
كما أبرز "يخلف" أن فترة كتابة تلك القصص تتميز ببعض الخصائص التي تحمل ملامح المرحلة في إطار مراحل التجربة الأدبية الفلسطينية، والتي تميزت عن غيرها من التجارب العربية، ارتباطها بالمفاهيم الكلية، والتعبير عن الصمود والمواجهة والرفض، كل ذلك في إطار عام حول الوطن، والمواجهة المباشرة مع العدو في حياة الإنسان الفلسطيني اليومي..أو في إطار غير مباشر.. وفى كل الأحوال الأدب الفلسطيني هو أدب مقاوم.

أما ما رصده الكاتب "يخلف" حول كتابات تلك المرحلة:
-أن القصص المنشور على صفحات "الأفق الجديدة" تمثل الارهاصات الأولى لقصة فلسطينية ناضجة.. وهى التي سبقت ورافقت إنشاء "منظمة التحرير الفلسطينية" (أنشأت عام 1965م) حيث بداية الكفاح المسلح.
-أن قصص تلك المرحلة (والمنشورة في الأفق الجديد) تحمل دلالات سياسية واجتماعية للمجتمع المدني الفلسطيني (بعد النكبة في 1948م).
-تميزت قصص "ماجد" بالواقعية ذات المضمون الاجتماعي الملتزم بقضية الكادحين.. مع مسحة تأثر بالفلسفة الوجودية التي شاعت خلال تلك الفترة.

وبعد، فان قارئ قصص المجموعة "خبز مر"، حتما سيجد مصداقية تلك الملامح التي رصدها "يحيى يخلف"..ولا يبقى سوى التقاطها بين ثنايا القصص. وهو ما توافق مع منهجي في تناول الأدب النثري الفلسطيني مرحلة فأخرى.

تضم المجموعة 12 قصة قصيرة (توجد قصص أخرى، ربما ستنشر مستقبلا) وهى:"صورة"، "مكان البطل"، "النجار الصغير"، "أفاعي الماء"، "سلة الملوخية"، "برازق"، "تمزق"، "جسر منتصف الليل"، "الخبز المر"، "وأنهار الجدار"، "الشمس تذوب"، "الزنجية". يقع الكتاب في 93 صفحة، وهو ما يكشف عن حجم القصص.. فلا توجد تلك القصص المطولة تحت عباءة القصة القصيرة، كما كان شائعا في قصص تلك الفترة في الكتابة القصصية العربية. كما أن تاريخ كتابة تلك القصص ما بين 59 حتى 64، أي حوالي خمس سنوات. قصة "الخبز المر" "فائق" شاب يعمل مع "أبوخميس" الشيخ وقد بلغ الخمسين من عمره، يعملان عملا قاسيا في منجم للفوسفات. الأول يحمل خصائص الشباب من فتوة وعفوية ورغبة في البحث، على الرغم من كل الظروف الصعبة التي يعمل في ظلها. بينما الآخر شيخا مهموما طول الوقت ولا رغبة عنده إلا في الصمت!
نجح الشاب في اقتحام شرنقة الشيخ، فعرفنا هموم الرجل وآماله.. "سهيلة" ابنته المتفوقة في الدراسة حصلت على المرتبة الأولى في صفها.. الملعونة "ليلى" تحلم بسيارة حمراء ناعمة. أما الهم الأكبر فهو مرض الشيخ..بدأ نور العين يذوى، ولا يريد الشكوى حتى لا يفصل من العمل. المصدور لم يكشف عنها إلا قبل غيابه الغامض عن العمل..أنه مصدور، مريض بداء السل، وأيضا يطوى آلامه داخل صدره.
كل ما كان يتمناه، ويكرره كحلم متجدد وأمنية غالية يرددها للشاب: كان يتمنى ألا يموت إلا بعد أن تكتمل ابنته سهيل دراستها الثانوية.
لكن: "ذات صباح لم يحضر أبوخميس إلى العمل.. علمت أن المرض بدأ ينتصر، وذهبت إلى بيته... نوبات السعال بدأت تخمد وتهدأ، جذوة الحياة في عينية تخبو رويدا رويدا، ونظرة مسكينة محملة بألف معنى تواجهني كلما نظرت إلى عينيه، وسهيلة وأمها والبنات ينتحبن بصوت خافت، وأغمض عينيه ورفع كفه المعروقة، وانتفض، وسقطت كفه على صدره وأسدلت الغطاء على الوجه الهارب من الحياة" ص70 قصة "مكان البطل" "قلة....أولئك الذين كانوا يعلمون أن العاصفة وشيكة..وستأتي مزمجرة عنيدة طاحنة..أما الكثرة..فقد استسلموا لراحة لا لذة فيها...فهم يعلمون أن الراحة سيعقبها تعب.. وينظر إبراهيم إلى ساعته ويسحب نفسا أخيرا من لفافته ويلقيها ثم يدوسها....يتمتم:"إنها النهاية...".ص18
تلك هي بداية القصة، والتي كتب تحت عنوانها إهداء "إلى روح البطل..إبراهيم أبودية" (وهى الوحيدة المهداة إلى أحدهم).
أما امه فقد كتب عليها "القدس تستسلم".. وهو ما أغضبه، حتى أنه مزق الجريدة. يخرج من حجرته ويطلع على أحوال الجنود (الوحدة تحتل إحدى القلاع الهامة عسكريا). يقابل الجندي "جبر"، يتحاوران حول أخبار الهجوم الوشيك من الأعداء على القلعة..وهو الهجوم الخامس بعد فشل الأربع هجمات السابقة!
الساعة عبرت لسادسة مساء، وقرب الهجوم على بدايته، ويشرد القائد "إبراهيم"..في زوجته وأسرته، في أفاعيل العدو الغاصب، في الاحتمالات المنتظرة..إلا أن "جبرا" الجندي النشط جاء بالخبر..الهجوم هذه المرة مع استخدام الدبابات!
تكفل "جبر" و"عبدالرحمن" بالامر على أمل إعاقة الأعداء بدباباتهم المدرعة. بدأت المعركة، واستمرت لثلاث ساعات ..فقد اثنين حتى الآن وبقى ثمانية وستون. ويذوب سواد الليل مع أنفاس النهار الجديد.. موت وحطام في كل مكان.. والمصيبة أن الدبابات بدأت الآن تأخذ دورها في المعركة. اتصل "إبراهيم" بالقيادة، أمروه بالانسحاب..وفورا. تابع الموقف، فأمر رجاله بالانسحاب، وبقى "جبر " المصاب..وحتى أستشهد في موقعه.
"في السنوات القليلة التي تلت موت "جبر"، والتي قضاها "ابراهيم" طريح الفراش بعد إصابته في أحدى المعارك، كان يستدعى "سالم" وأخوته ليذكرهم بولدهم "جبر"..البطل الذي منح الحياة زملاؤه نظير موته."
***
هاتان القصتان "أنموذج" لكتابة القصة عند ماجد أبو شرار:
-القصة هي حالة إنسانية..سواء بالتناول العسكري البطولي أو المباشر، أو التناول الاجتماعي لعامل أو غير عامل.
-البطولة تعنى "الاستشهاد"، والعمل من أجل الوطن. كما أنها "الصبر" عن علات المرء من جراء هذا الوطن المحتل أو الفقير أو العاجز.
-الخصائص الفنية هي من ملامح كتابة القصة في زمنه ومكانه، وربما تعد القصة عنده أكثر نضجا فنيا، منها عند آخرين من أبناء جيله.
فالراوي العالم بكل خفايا شخصياته ومصائرهم هو المهيمن على العمل، وجهة النظر المباشرة الواضحة تكشف عن نفسها مع السطور الأولى للقصة. لذا كان استخدام ضمير هو الغالب بين القصص..إلا قصص "جسر منتصف الليل"،"تمزق"، و"مكان البطل"، استخدم فيها ضمير الغائب..وقصة "برازق" استخدم فيها ضمير المخاطب.
كما أن غلبة الحكى والسردية جعلت من القصص صور اجتماعية تارة، أو نشيد للبطولة تارة أخرى.. (وهو ما كان شائعا في كتابة القصة في حينه). السيد نجم Ab_negm@yahoo.com