اصل العولمة وآثارها

بقلم: د. خليل حسين

القسم الاول
العولمة كمصطلح
شكل سقوط الاتحاد السوفياتي في بداية العقد الاخير من القرن العشرين تحولا هاما، ان لجهة المفاهيم والعقائد، او الظواهر التي رافقها اومهد ذلك الانهيار لها، ومن تلك الظواهر " العولمة" حيث تناولها العديد من المفكرين والباحثين بالدرس والتحليل، وشملت اوجه مختلفة لتلك الظاهرة، سياسية كانت ام اقتصادية، اجتماعية ام ثقافية، اعلامية ام اعلانيا، الى ما هنالك من اوجه جذبت الكثير من مخيلة الكتاب والباحثين.اضافة الى ذلك فقد كثرت الندوات والمؤتمرات التي تناولت هذه الظاهرة وحملت عناوين جذابة ومثيرة للنقاش والجدل العلمي، تحت مسميات عدة كالعولمة، والنظام العالمي الجديد والكوكبة والكونية..الى ما هنالك من من اسماء وعناوين. وقد صدرت العديد من المؤلفات والابحاث باللغات كافة، بحيث ان المتتبع والباحث يحار في كيفية التدقيق فيها، وبخاصة ان كل كاتب عالج موضوعاتها من زاوية معينة، كالجانب الاقتصادي او السياسي او الاجتماعي او الثقافي او الاعلامي. وعلى الرغم من ارتباط العولمة لدى الكثيرين بالرفاه الاقتصادي وما يندرج في اطاره، فان العولمة يمكن ان تشمل جوانب كثيرة تستحق الدرس والتحليل والمتابعة الجادة نظرا لما يمكن ان تتركه من آثار سلبية او ايجابية في غير مجال واتجاه.
وما من ظاهرة عالمية اختلفت حولها الآراء، وتضاربت المفاهيم، وتباينت الرؤى مثل ظاهرة العولمة؛ فقد تعددت آراء المفكرين حول تعريفها وتفسيرها، وتقدير أبعادها وتقييم انعكاساتها على المستوى الدولي والإقليمي والوطني، بل ذهب البعض منهم إلى اعتبارها فرضية لم يتم اثباتها بعد وبأنها ظاهرة غير مكتملة الملامح والقسمات، ذلك رغم أن الاغلبية توافق على اعتبارها حركة تاريخية وظاهرة قديمة ومستمرة. وعلى الرغم من اتفاقهم على التواجد القوي لتطبيقاتها في الدول الصناعية المتقدمة إلا أن بعض آثارها قد طاولت دولا أقل نموًا في مختلف اوجه الحياة.
وتعود بدايات استخدام مصطلح "العولمة" إلى كتابين صدرا عام 1970، الأول لمارشال ماك كوهان "حرب وسلام في القرية الكونية" والثاني" أمريكا والعصر التكنتروني" لزبيغنيو بريجنسكي؛ ومنذ السبعينيات شاع استخدام مصطلح العولمة بعد التطور المتسارع في تقنيات الاتصال وشبكاتها الدولية وصولا إلى أن بات اليوم على كل شفة ولسان. اولا: الدلالة اللفظية للعولمة العولمة ثلاثي مزيد، يقال: عولمة على وزن قولبة، وكلمة "العولمة" نسبة إلى العَالم - بفتح العين - أي الكون، وليس إلى العِلم - بكسر العين- والعالم جمع لا مفرد له كالجيش والنفر، وهو مشتق من العلامة على ما قيل. وقيل: مشتق من العِلم، وذلك على تفصيل مذكور في معاجم اللغة العربية. فالعولمة كالرباعي في الشكل فهو يشبه - دحرجة - المصدر، لكن – دحرجة- رباعي منقول، أمّا عولمة فرباعي مخترع من قبل الكتاب إن صح التعبير، وهذه الكلمة بهذه الصيغة الصرفية لم ترد في اللغة العربية، والحاجة المعاصرة قد فرضت استعمالها، وهي تدل على تحويل الشيء إلى وضعية أخرى ومعناها: وضع الشيء على مستوى العالم وأصبحت الكلمة دارجة على ألسنة الكتاب والمفكرين في أنحاء الوطن العربي. بينما يرى محمد عابد الجابري أن الكلمة مشتقة من الصيغة الصرفية فوعلة، وهي تدل على تحويل الشيء إلى وضعية أخرى، مثل قولبة أي وضع الشيء في قالب وبالتالي يأخذ شكله، وبهذا المعنى يكون معنى عولمة وضع هذا الشيء على مستوى العالم.أما خالد الحروب فيرى أن العولمة تفترق عن التعولم، والتعولم هو المعنى الصحيح للمصطلح الإنجليزي Globalization لان عولمة تعني الصورة النهائية، أو الصورة الجامعة للظاهرة، بينما التعولم تعني العملية المستمرة اليومية.
والاختلاف حول الاشتقاق ليس لغويا فقط، بل له دلالاته ومضامينه الفكرية. ويلاحظ في هذا المجال ان استخدام اسماعيل صبري للكوكبة مرتبطة بفهمه للمسألة من حيث اشتراط مشاركة كافة سكان المعمورة في هذه الظاهرة؛ أما خالد الحروب فيرى أن التعولم تعبير عن عملية ليست بجديدة، بل قديمة جدا ومستمرة إلى ما لا نهاية ؛ بينما محمد عابد الجابري يرى في تعبير عولمة إعطاء طابع عالمي لنظام صادر عن طرف خاص، وبهذا فان العولمة كنظام أمريكي يأخذ الوضعية العالمية ويجري تعميمه.
وقد قرر ّمجمع اللغة العربية بالقاهرة إجازة استعمال العولمة بمعنى جعل الشيء عالمياً ؛ والعولمة ترجمة لكلمة Mondialisation الفرنسية، بمعنى جعل الشيء على مستوى عالمي، والكلمة الفرنسية المذكورة إنّما هي ترجمة Globalization الإنكليزية التي ظهرت أولاً في الولايات المتحدة الأميريكية، بمعنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل ؛ فهي إذا مصطلح يعني جعل العالم عالمًا واحدًا، موجهًا توجيهًا واحدًا في إطار حضارة واحدة، ولذلك قد تسمى الكونية أو الكوكبة.
وبهذا المعنى اللغوي يمكننا القول أنّ العولمة إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعني: تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة، وجعله يشمل الجميع أي العالم كله. وقد جاء في المعجم العالم الجديد ويبستر WEBSTER أنّ العولمة Globalization هي: إكسابُ الشيء طابعَ العالمية، وبخاصة جعل نطاق الشيء، أو تطبيقه، عالمياً.
وفي سياق فهم المصطلح، فان كثيرا من المصطلحات قد ارتبطت بالعولمة مثل القرية الكونية، القرية العالمية، المجتمع العالمي، ثورة الاتصالات، المركز والأطراف. كذلك فان كثيرا من المفاهيم والنظريات قد بدأت تأخذ مكانا لها في الحوار المحتدم، فنظريات مثل نهاية التاريخ، صدام الحضارات، النظام العالمي الجديد ونهاية الأيدلوجيا، ارتبطت بشكل أو بآخر بمفهوم العولمة وكانت تفسر لدى البعض كسبب لها مثل ثورة الاتصالات أو نتيجة لها مثل النظام لعالمي الجديد.
وقد أطلق على العولمة بعض الكتاب والمفكرين "النظام العالمي الجديد"- New World Order- وهذا المصطلح استخدمه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في خطابه للأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج في آب / أغسطس 1990. وفي معرض حديثه عن هذا القرار تحدّث عن فكرة:عصر جديد، وحقبة للحرية، وزمن للسلام لكل الشعوب. وبعد ذلك بأقل من شهر أشار إلى إقامة - نظام عالمي جديد- يكون متحرراً من الإرهاب، واكثر أمنا في طلب السلام، عصر تستطيع فيه كل أمم العالم أن تنعم بالرخاء وتعيش في تناغم.
وربّما يوحي هذا الإطلاق- النظام العالمي الجديد- بأن اللفظة ذات ابعاد سياسية بحتة، ولكن في الحقيقة تشمل ابعادا سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وتربوية؛ بمعنى آخر تشمل مضامين تتعلق بكل جوانب الحياة الإنسانية. ولقد فرضت العولمة نفسها على الحياة المعاصرة، على العديد من المستويات، سياسياً واقتصادياً، فكرياً وعلمياً، ثقافياً وإعلامياً، تربوياً وتعليمياً. وتدليلا على ذلك من وجهة النظر الاميريكية يقول الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون: " ليست العولمة مجرد قضية اقتصادية بل يجب النظر إلى أهمية مسائل البيئة والتربية والصحة". اما فيما يختص بالنظام العالمي الجديد فهو في حقيقة الأمر وطبيعة أهدافه، نظامٌ صاغته القُوة المهيمنة والمسيطرة لإحداث نمط سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وإعلامي واحد، ومحاولة فرضه على الدول والمجتمعات الإنسانية. ثانيا: ماهية العولمة إن صياغة تعريف دقيق للعولمة، يبدو امرا صعبا نظراً لتعدد وجهات النظر، حول نشأتها ومصادرها وأصولها ومبادئها، والتي تتأثر أساساً بوجهة نظرالباحثين واتجاهاتهم الأيديولوجية إزاء العولمة رفضاً أو قبولاً، لكونها كما يقول صادق جلال العظم:" ظاهرة قيد التشكل والتكوين والصنع مما يعني امرين، أولاً: أنها مازالت قيد الوصف والرصد والدرس والتحليل والتفسير في كل مكان عموماً؛ وثانياً: أن كل شيء عنها وحولها مازال حتى اللحظة، موضع سجال ونقاش وجدال وفرضيات واقتراحات وإدانات و إشادات لا أكثر".
فعلى سبيل المثال، هناك وجهات نظر مختلفة بين اليمين المؤيد لمسار العولمة الذي يراها ظاهرة إيجابية، وبين اليسار المناهض لهأ والذي يرى فيها ظاهرة سلبية، وتشكل اسلوابا جديدا للهيمنة الرأسمالية، بل وأكثر من ذلك، يلاحظ وجود وجهات نظر متباينة بين اليسار التقليدي الذي يراها أحد أشكال الاستعمار الجديد، واليسار الجديد الذي برى يإمكانية التوافق معها دون التنازل عن الإرادات الوطنية المستقلة. وأيضاً قد تتعدد وجهات النظر في اليمين، بين يمين تقليدي مدافع عن اقتصاد السوق الحر والمنافسة والشركات متعددة الجنسيات، واليمين المعتدل الذي يراها أحد وسائل التنمية الاقتصادية للبلاد النامية بما يسمح لها بالتصنيع والمنافسة ودخول الأسواق العالمية وزيادة الدخل القومي ورفع مستوي المعيشة.
وهكذا فالخلاف في وجهات النظر في العولمة بين اليسار واليمين، بين الاشتراكية والرأسمالية، بين النظم الوطنية والتابعة، بين الخصوصية والعولمة، وايضا بين وجهة نظر إسلامية ووجهة نظر غير إسلامية. تبدو واضحة وجلية وهذا ما ستبرزه مجموعة التعريفات التي سنوردها في هذا السياق.
فمن حبث اسم المصطلح ودلالاته يرى أحمد عبد الرحمن ان العولمة تُبنى على نوع من الاتحاد أو التماثل، أو حتى التطابق بين البشر الذين يعيشون على ظهر هذا الكوكب، ولذا فإن السياسات التي تبنى عليها، تبتغى أن تكون عالمية، تتخطى التنوعات والتباينات والخصائص الفارقة للأمم والثقافات، ولأن حياة البشر متعددة الجوانب، فكان من المحتم ان يجرى البحث في العولمة الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والقانونية.
ومن وجهة نظر يسارية يرى إبراهيم غليون: "إن العولمة هي ثمرة تطورات موضوعية مرتبطة بالثورة التقنية العملية، لكن هذه التطورات ليست مستقلة عن الاستراتيجيات الدولية من جهة، ولا تعمل من دون الأهداف التي تحددها لها من جهة أخرى، لأنها: تحولات تقنية وعلمية. وهذه الاستراتيجيات ليست واحدة، ولكنها تختلف باختلاف مواقع الجماعات ومواردهم ونظمهم الاجتماعية والسياسية وثقافتهم وأخلاقياتهم.
أما تعريف العولمة في بعدها الاقتصادي، فيقول صادق جلال العظم: العولمة هي وصول نمط الإنتاج والرأسمالية عند منتصف هذا القرن تقريباً إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول، إلى عالمية الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله، فتكون العولمة بهذا المعنى، هي رسملة العالم على مستوى العمق، بعد أن كانت على مستوى السطح.
فيما ينتقد انتوني غايدن النظر للعولمة من وجهة محددة حيث يقول إن العولمة تجربة بشرية وتاريخية جديدة، بل وثورية. ويتبع ذلك بالقول أن الخطأ الأكبر في معالجات العولمة يكمن في النظر إليها من زاوية اقتصادية فحسب، إذ هي تتعدى ذلك لتشمل المجالات السياسية والتكنولوجية والثقافية. وأنها تأثرت بشكل كبير بالتطور الهائل الذي شهده العالم في مجال الاتصالات منذ عقد الستينات. وفي البعد العسكري، يعرفها عبد الرازق عيد، بأنها: توسع رأسمالي يحمل في يده مسدساً نووياً جديداً؛ إنها عولمة الارتزاق والعسكرة القائمة على إشاعة ثقافة استهلاكية.
أما فرنسيس فوكاياما صاحب أشهر نظرية فكرية في ربع القرن الماضي فيقول: العولمة هي عودة إلى الهيجلية المتجددة، وانتصار الأفكار الليبيرالية التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث ينتهي التاريخ عندها، ويدور في فلكها إلى ما لا نهاية.
لكن مقولة فوكوياما السابقة، قد لاقت معارضة شديدة، دولياً ومحلياً، ومن هذه الآراء المعارضة: إن التاريخ حقل صراع مستمر، ولن يتوقف عن الحركة لأي سبب كان، طالما أن حركة التاريخ هي المؤشر الأساس على بقاء المجتمع في حالة صحية، وأن النظام الأميريكي نفسه، عرضة للتبدلات الجذرية، كما حصل للنظام السوفياتي، كما أن حركة التاريخ شهدت ولادة وتطور وانهيار امبراطوريات كثيرة، دامت سيطرتها قروناً عدة.
ويصف وليم جريدر العولمة "بأنها آلة عجيبة نتجت عن الثورة الصناعية والتجارية العالمية، وأنّها قادرة علي الحصاد وعلي التدمير، وأنّها تنطلق متجاهلة الحدود الدولية المعروفة، وبقدر ما هي منعشة، فهي مخيفة. فلا يوجد من يمسك بدفة قيادتها، ومن ثمّ لا يمكن التحكم في سرعتها ولا في اتجاهاتها " وهي " نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني غير المحدود، دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم، والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم".
اما تعريفنا للعولمة فهي مجموعة من المبادئ السياسية والاقتصادية، ومن المفاهيم الاجتماعية والثقافية، ومن الأنظمة الإعلامية والمعلوماتية، ومن أنماط السلوك ومناهج الحياة، تهدف الى ادخال الدول والمجتمعات فيها وتبنّيها والعمل بها، والعيش في إطارها؛ وتتميز العولمة بمجموعة من العلاقات والعوامل والقوى، تتحرك بسهولة على المستوى الكوني متجاوزة الحدود الجغرافية للدول ويصعب السيطرة عليها، وتساندها بيئة قانونية وطنية ودولية، كما تستخدم آليات متعددة، منتجة لآثار ونتائج تتعدى نطاق الدولة الوطنية إلى المستوى العالمي؛ لتربط العالم في شكل كيان متشابك الأطراف.
ثالثا: نشأة العولمة ثمة بعض الاختلاف بين من ارخ للعولمة، فيرى فيها البعض ظاهرة قديمة، عمرها خمسة قرون، أي ترجع إلى القرن الخامس عشر زمن النهضة الأوربية الحديثة، حيث التقدم العلمي في مجال التجارة، ويدل على ذلك، أن العناصر الأساسية في فكرة العولمة وهي: ازدياد العلاقات المتبادلة بين الأمم، سواء المتمثلة في تبادل السلع والخدمات، أو في انتقال رؤوس الأموال، أو في انتشار المعلومات والأفكار، أو في تأثر أمة بقيم وعادات غيرها من الأمم ؛ بينما يرى الفريق الثاني أنً العولمة ظاهرة جديدة، فما هي إلا امتداد للنظام الرأسمالي بل هي المرحلة الأخيرة من تطوره، وقد برزت في التصف الثاني من القرن العشرين نتيجة أحداث سياسية واقتصادية معينة منها: انتهاء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية، ثم سقوط الاتحاد السوفياتي سياسياً واقتصادياً عام 1991، وما أعقبه من انفراد الولايات المتحدة الأمريكية في قيادة العالم المعاصر السياسية والاقتصادية والعسكرية ومنها: بروز القوة الاقتصادية الفاعلة من قبل المجموعات المالية والصناعية الحرة عبر شركات ومؤسسات اقتصادية متعددة الجنسيات مدعومة بصورة قوية وملحوظة من دولها.
ويرى توماس فيردمان، إن العولمة الحالية هي مجرد جولة جديدة بعد الجولة الأولى التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بحكم التوسع الهائل في الرحلات البحرية باستخدام طاقة البخار والتي أدت إلى اتساع حجم التجارة الدولية بشكل لم يسبق له مثيل. ويرجع هانس بيتر مارتين وهارالد شومان البداية الحقيقية للعولمة إلى العام 1995، حيث وجّه الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف الدعوة إلى خمسمائة من قادة العالم في مجال السياسة والمال والاقتصاد في فندق فيرمونت في سان فرانسيسكو لكي يبنوا معالم الطريق إلى القرن الحادي والعشرين. وقد اشترك في هذا المؤتمر المغلق أقطاب العولـمة في عالم الحاسوب والمال وكذلك اقطاب الاقتصاد الكبار، وأساتذة الاقتصاد في جامعات ستانفورد، وهارفرد وأكسفورد. واشترك فيها من السياسيين، الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، ووزير خارجيته جورج شولتز، ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر وغيرهم.
ويمكن النظر إلى فكرة العولمة بالعودة للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي للعلاقات الدولية، وبشكل خاص، الفترات المبكرة للزيادة السريعة في حجم التجارة، والاستثمارات، والاتصالات، وهناك وجه آخر لتاريخ العولمة يتمثل في أنه تاريخ أفكار أكثر منه تاريخاً لحياة اقتصادية.
ويعتبر النصف الثاني من القرن الثامن عشر تقريباً، إحدى الفترات في تاريخ فكرة التدويل (العولمة) التي قد ترتبط بشكل وثيق وخاص بعالم اليوم. فعلى مدى التاريخ الإنساني، اقتبست الأمم بعضها عن بعض، أفكاراً وعلوماً وفنوناً وتقنيات، واتفقت واختلفت، وتسالمت وتقاتلت، وكان لابد من وجود قواعد لتنظيم التجارة بينها، ومعاهدات وعهود سياسية وثقافية ودولية وتبادل سفراء وسفارات وتبادل زيارات للملوك والحكام والأمراء، وكل هذه القواعد تعتبرعامة هدفت الى تنظم حركة العالم منذ زمن قديم.
والعولمة أيضاً، باعتبارها مرحلة من مراحل العلاقات التاريخية للإنسان ليست ظاهرة جديدة، بل قديمة قدم التاريخ، عندما كانت تتصدر حضارة ماعلى باقي الحضارات وتقود العالم؛ وقد حدث ذلك مع مجموع الشرق مرة، في الصين والهند وفارس وبلاد ما بين النهرين وكنعان ومصر القديمة، وحدث ذلك مع الحضارة العربية - الإسلامية عندما هيمنت على حضارات الشرق والغرب وأصبحت مركزاً للعالم ومصدراً للعلم، تنقل إبداعاتها من العربية إلى اللاتينية والعبرية، وقام بذلك أيضاً مجموع الغرب مرة أخرى، ثم اليونان والرومان، ثم الغرب الحديث، عندما بلغت الذروة إبان المد الاستعماري في القرن التاسع عشر قبل أن ينحسر في القرن العشرين.
وقد تجلى هذا المد الاستعماري، على أيدي الأوربيين، ثم أولادهم في شمال أمريكا في موجات متتالية:
- تركزت الموجة الأولى حول فتح القارة الأمريكية وتحويلها إلى نظم تابعة ذات طابع طرفي.
- أما الموجة الثانية فقد تجلت في الفتح الاستعماري على أيدي الأوربيين، الذي شمل القارتين الأفريقية والآسيوية خلال القرن التاسع عشر. ثم أنتج هذا التوسع استقطاباً على الصعيد العالمي، اذ لم يكن له مثيل خلال الألفيات السابقة لتاريخ الإنسانية، فبينما كان مدى التفاوت في توزيع الثروة بين حوالي 80 % من سكان الكوكب، لا يتجاوز نسبة 1 الى 2 قبل الثورة الصناعية، صارت هذه المعادلة تساوي بعد قرنين من التوسع الاستعماري 1 الى 60.
- اما الموجة الثالثة فتظهر في التوسع الاستعماري الذي ظهرت ملامحه في أعقاب انهيار النظم الاشتراكية والشبوعبة والوطنية الشعبية في العالم الثالث.
أما برتسون فقد حدد تطور نشوء العولمة في خمس مراحل:
- المرحلة الجينية في القرون الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر.
- مرحلة النشوء في القرن الثامن عشر
- مرحلة الانطلاق في القرن التاسع عشر.
- مرحلة الصراع من أجل البيئة في النصف الأول من القرن العشرين.
- مرحلة عدم اليقين في النصف الثاني من القرن العشرين
ويقول عبد الرحمن بكر الياسين، إن العولمة لم تكن حديثة الفكرة، بل توالت عليها ظروف وأحداث زمانية، وحداثة فكرية ومعرفية، حتي ألبستها ثوباً حركياً منسوجاً بنسيج العصر وتقنياته المتسارعة. فقد قامت الحضارات الإنسانية منذ القدم على معطيات بررتها دوافع نفعية بذلت فيها جهود بشرية، وفتحت الباب أمام فكرة جديدة تغزو الوضع التقليدي القائم، لتجدد مناهجه وتهيئته على مسرح النشاطات الحياتية، بتفاعل عناصر أدائه.وهكذا فإن العولمة لم تكن حديثة العهد، ولكنها مثلها مثل ظواهر الحياة الاجتماعية، نتاج عوامل زمانية ومكانية أملتها ظروف معاشية، مكنتها من البروز على حساب القائم التقليدي، بعد مخاض فكري لزمن طويل.
ومما سبق يمكن استخلاص عدة عناصر رئيسة ادت الى نشوء العولمة وأبرزها:
- تحرير التجارة الدولية عبر تكامل الاقتصاديات المتقدمة والنامية في سوق عالمية واحدة، مفتوحة لكافة القوى الاقتصادية في العالم وخاضعة لمبدأ التنافس الحر.
- تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتي تمثلت في ظهور أدوات ومنتجات مالية مستحدثة ومتعددة، إضافة إلى أنظمة الحاسب الآلي ووسائل الاتصال، التي كفلت سرعة انتشار هذه المنتجات، وتحوّلت أنشطة البنوك التقليدية إلى بنوك شاملة، تعتمد إلى حد كبير على إيراداتها من العمولات المكتسبة من الصفقات الاستثمارية من خارج موازنتها العمومية ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين هما: تحرير أسواق النقد العالمية من القيود، والثورة العالمية في الاتصالات الناجمة عن الوسائل والأدوات التكنولوجية الجديدة.
- الثورة المعرفية:وتتمثًل في التقدم العلمي والتكنولوجي، وهو ميزة بارزة للعصر الراهن، وهذا التقدم العلمي جعل العالم أكثر اندماجاً، كما سهّل حركة الأموال والسلع والخدمات، وإلى حد ما حركة الأفراد، ومن ثمّ برزت ظاهرة العولمة.
- تزايد دور المؤسسات المالية الدولية بشكل مباشر وبخاصة في تصميم برامج الإصلاح الاقتصادي وسياسات التثبيت والتكيف الهيكلي في الدول النامية أي التحول إلى اقتصاد السوق.
- تدويل بعض المشكلات الاقتصادية مثل الفقر، التنمية المستدامة، السكان والتنمية، التنمية البشرية، التلوث وحماية البيئة، والهجرة وجقوق الانسان والتوجه العالمين لتنسيق عمليات معالجة هذه المشكلات والتعاون في حلها.
- تعاظم دور الشركات متعددة الجنسيات: حتى ان البعض يطلق على هذا العصر، عصر الشركات متعددة الجنسيات باعتبارها العامل الأهم لهذه العولمة؛ ويرجع تأثير هذه الشركات كقوة كبرى مؤثرة وراء التحولات في النشاط الاقتصادي العالمي إلى الأسباب التالية:
- تحكّم هذه الشركات في النشاط الاقتصادي في أكثر من قطر وإشاعتها ثقافة استهلاكية موحدة.
- قدرتها على استغلال الفوارق بين الدول في هبات الموارد.
- مرونتها الجغرافية.
ومهما يكن الامر من صورة العولمة لم تكن لتظهر فجأة دون بدايات أو مقدمات مهدت لها بصورة فاعلة ومخطط لها. ومن ذلك إنشاء منظمة الأمم المتحدة، وما تبعها من مؤسسات مالية دولية كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي، ثمّ اتفاقية "الغات" - الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة - التي تعود في تاريخها إلى سنة 1947 حيث اجتمعت ثلاث وعشرون دولة صناعية في جنيف للنظر في تحرير التجارة وفتح الأبواب بين هذه الدول، وبدأت سريان هذه الاتفاقية منذ أول يناير 1948، وبلغ عدد الدول الموقعة عليها 143 حتى سنة 2002 ثمّ معاهدة "ماستريخت" التي ضمت خمسة عشر بلداً صناعياً وظهور المناطق التجارية الحرة، والاتحادات الجمركية ثم الأحداث السياسية التي تتمثل بانتهاء الحرب الباردة، ثم قيام الرئيس السوفيتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف عام 1985 بالإعلان عن إصلاح النظام الاقتصادي الشيوعي الذي سمي انذاك "البريوستوريكا" وقد كان هذا الإعلان بمثابة الإعلان عن سقوط الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي سياسياً واقتصادياً، وما تلاه من سقوط حائط برلين عام 1989، واتحاد الألمانيتين، ثم حرب الخليج الثانية عام 1991 وما أسفرت عنه من تثبيت القواعد الأمريكية العسكرية في منطقة الخليج العربي. كل هذه الأحداث ساهمت إلى حد كبير في قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للنظام العالمي الجديد وظهور العولمة كرافد اقتصادي لهذا النظام.
ان الاعلان عن انشاء منظمة التجارة العالمية في العام 1995 في مدينة مراكش المغربية، التي تعتبر امتدادا لاتفاقية الغات، قد شكل اطارا قانونبا وعمليا لعولمة التجارة، اذ تمثل أحد أركان النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وتختص بأعمال إدارة ومراقبة وتصحيح أداء العلاقات التجارية، وتعتبر عاملا مساعدا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتنفيذ وإقرار النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وأخيراً تم دعم صرح العولمة بالتوقيع- في شباط عام 1997 بمدينة جنيف بسويسرا على أول اتفاق دولي يتعلق بتحرير المبادلات الخدماتية المتطورة، وبخاصة فيما عرف "بالتكنولوجيا المعلوماتية" أو ثورة الاتصالات، كما كان آخرها في قمة جنيف للمعلوماتية في 10 كانون الاول/ ديسمبر 2003.
وممّا ساعد على سرعة انتشار ظاهرة العولمة انضمام كثير من دول شرق أوروبا إلى الحلف الأطلسي، وانفتاح دول أخرى عليه، وانضمام كثير من الدول العربية إلى المنظمة العالمية للتجارة، واستمرار دول اخرى في التتفاوض للانضمام اليها، ثم تلاحق المؤتمرات الاقتصادية التي روجت لهذه العولمة كأمر حتمي لا مفر منه، وإظهار مزاياها الاقتصادية والتنموية ومن أشهرها "منتدى دافوس الاقتصادي" ثم المشروعات الاقتصادية الإسرائيلية التي استهدف عولمة الشرق الأوسط والتي تسعى لتحقيقه اقتصادياً وثقافياً عبر بوابات اتفاقيات السلام التي تعقدها منفردة مع الدول العربية، والاتفاقيات الاقتصادية الثنائية والمتعددة مع دول المنطقة وعبر بوابات التطبيع، التي تهيأ لها بكل قوة الولايات المتحدة، وقد أضفى ذلك كله بعداً استراتيجياً جديداً على دعم الدور الأمريكي، لقيادة النظام العالمي الجديد.
ومؤخراً، ساهمت ثلاثة عوامل في الاهتمام بمفهوم العولمة في الفكر والنظرية، وفي الخطاب السياسي الدولي:
- عولمة رأس المال عبر تزايد الترابط والاتصال بين الأسواق المختلفة حتى وصلت إلى حالة أقرب إلى السوق العالمي الكبير، وبخاصة مع نمو البورصات العالمية.
- التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال والانتقال والذي قلّل- إلى حد كبير- من أثر المسافة، وانتشار أدوات جديدة للتواصل بين أعداد أكبر من النّاس كما في شبكة الإنترنت.
- عولمة الثقافة وتزايد الصلات غير الحكومية والتنسيق بين المصالح المختلفة للأفراد والجماعات، فيما يسمى الشبكات الدولية Networking حيث برز التعاون استنادًا للمصالح المشتركة بين الجماعات عبر القومية ما أفرز تحالفات بين القوى الاجتماعية على المستوى الدولي، وبخاصة في مجالات البيئة، أو في المجالات غير القانونية كتنظيف الأموال والمافيا الدولية للسلاح وغيرها. رابعا: عناصر العولمة ان التدقيق فيما سبق توضح أنّ العولمة تتكون من العناصر الرئيسية التالية:
- تعميم الرأسمالية: إن تغلّب الرأسمالية على الشيوعية جعلها تعمم مبادئها على كل المجتمعات الأخرى، فأصبحت قيم السوق، والتجارة الحرة، والانفتاح الاقتصادي، والتبادل التجاري، وانتقال السلع ورؤوس الأموال، وتقنيات الإنتاج والأشخاص، والمعلومات، هي القيم الرائجة، وتلعب الولايات المتحدة الاميريكية دورا رئيسا في ذلك عبر المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة، وبخاصة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وعن طريق الاتفاقات الدولية التي تقرها تلك المؤسسات كاتفاقية الغات والمنظمة العالمية للتجارة وغيرها.
- القطب الواحد: اذ تفردت الولايات المتحدة في قيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتفكيك منظومته الدولية (حلف وارسو)، اذ إنه لم تبلغ دولة عظمى في التاريخ قوّة أمريكا العسكرية والاقتصادية، مما جعل هذا التفرد خطيراً على الآخرين في كل المجالات الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية.
- ثورة التقنيات والمعلومات: مرّت البشرية بعدّة ثورات علمية منها ثورة البخار والكهرباء والذرّة، وكان آخرها الثورة العلمية والتكنولوجية وخاصة في مجال التطورات السريعة والمدهشة في عالم الحاسوب الآلي (الكمبيوتر)، اذ توصل الحاسوب الآلي الحالي إلى إجراء أكثر من ملياري عملية مختلفة في الثانية الواحدة، وهو الأمر الذي كان يستغرق ألف عام لإجرائه في السابق؛ أما المجال الآخر من هذه الثورة فهو التطورات المثيرة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتي تتيح للأفراد والدول والمجتمعات الارتباط بعدد لا يحصى من الوسائل التي تتراوح بين الكبلات الضوئية، والفاكسات ومحطات الإذاعة، والقنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية، التي تبث برامجها المختلفة عبر حوالي 2000 مركبة فضائية، بالإضافة إلى أجهزة الكمبيوتر، والبريد الإلكتروني، وشبكة المعلومات الدولية، التي تربط العالم بتكاليف أقل، وبوضوح أكثر على مدار الساعة، لقد تحولت تكنولوجيا المعلومات إلى أهم مصدر من مصادر الثروة، أو قوة من القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية الكاسحة في عالم اليوم. خامسا: وسائل العولمة اما ابرز وسائل تحقيق العولمة فقد ظهرت في عدة وسائل تمّ اللجوء اليها وأبرزها:
- إنشاء التكتلات والمنظمات الاقتصادية والتجارية التي تمرّر من خلالها السياسات لصالح العولمة، ومن ذلك اتفاقية "الغات" - الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية- وتكتل "النافتا" المكون من كندا وأمريكا والمكسيك، والسوق الأوربية المشتركة، و"إيباك" المكون من دول "النافتا" واستراليا ونيوزلندة واليابان وإندونيسيا وماليزيا، ومنظمة التجارة العالمية التي تنتمي إليها كثير من دول العالم.
- استخدام الشرعية الدولية كمنظمة الأمم المتحدة، وأجهزتها السياسية والمالية والثقافية كالبنك الدولي، ومنظمة اليونسكو ومنظمة حقوق الإنسان وغيرها.
- تقديم الدعم الاقتصادي والمعنوي للأنظمة والحكومات التي تتماشى وسياسات الانفتاح الدولي، وفرض سياسة الحصار على الأنظمة المتمردة . واستخدام العقوبات الدولية عبر الأمم المتحدة طبقاً لمعايير خاصة التي تحقق أهداف العولمة.
- تقييد الحكومات في العالم بالاتفاقيات غير العادلة كاتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية والكيماوية في الوقت الذي يسمح فيه لبعض الدول كاسرائيل والهند والباكستان بامتلاك تلك الأسلحة وتطويرها.
- استخدام وسائل الدعاية والإعلام وشبكات الاتصال الحديثة: كالأقمار الصناعية، والقنوات الفضائية، وشاشات الحاسوب، لإحداث التغيرات المطلوبة لعولمة العالم.
يقول العالم الأمريكي المعروف نعوم تشومسكي: "إنّ العولمة الثقافية ليست سوى نقلة نوعية في تاريخ الإعلام، تعزز سيطرة المركز الأمريكي على الأطراف، أي على العالم كله". إنّ هيمنة أمريكا ناتجة من أنّ 65% من مجمل المواد والمنتجات الإعلامية والإعلانية والثقافية والترفيهية تحت سيطرتها، ومن إنتاجها.الأمر الذي أدّى إلى توجس بعض الدول الغربية وخوفها على أجيالها. كما إنّ طغيان الإعلام والثقافة الأمريكيتين في القنوات الفضائية دفع وزير العدل الفرنسي جاك كوبون للقول: "إنّ شبكة المعلومات الدولية بالوضع الحالي شكل جديد من أشكال الاستعمار، وإذا لم نتحرك فأسلوب حياتنا في خطر" وهناك إجماع فرنسي على اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة لحماية اللغة والثقافة الفرنسيتين من التأثير الأمريكي في مجال تدفق البرامج الإعلامية.
- التوسع في قبول الطلاب الأجانب في الجامعات والمعاهد الغربية، ففي أمريكا وحدها أكثر من عشرين ألف جامعة ومعهد مهمتها القيام بالبرامج الثقافية التي ترسخ الثقافة الغربية، وتستخدمهم وسائل للعولمة.
- استخدام الديمقراطية وحقوق الإنسان واعتبارات الحياة المعاصرة ومواثيق الأمم المتحـدة للنفاذ الى الاوضاع الداخلية لبعض الدول.
- المؤتمرات الاقتصادية، ومؤتمرات التنمية والسكان، التي تعقد في كافة دول العالم، واستخدامها للترويج لثقافة وفكرة العولمة.
- سياسة السوق وفتح المجال أمام الشركات الكبرى متعددة الجنسيات للقيام بالاستثمار غير المباشر في دول العالم والاعتماد على تخصيص الشركات والمؤسسات الاقتصادية والخدماتية الوطنية والحكومية، أي نزع ملكية الدولة لها، ونقلها للقطاع الخاص من الداخل والخارج، الامر الذي يؤدي غالبا لإضعاف سلطة الدولة والتخفيف من حضورها لصالح ظاهرة العولمة، ومن ثمّ إحداث هزات مالية في أسواق العالم، وفتح الأسواق المحلية أمام السلع ورؤوس الأموال والمعلومات الوافدة، وهدم الأسوار الجمركية والقيود أمام التجارة الدولية، وعدم إعطاء الدعم لبعض السلع بحجة أن ذلك يضر التنمية، وتسريح الجيوش أو الحد من أعدادها وخصخصة القطاع العام، وتخلي الدولة عن دورها في إدارة اقتصادها وحمايته وفق رؤيتها ومصالحها الخاصة. القسم الثاني
أهداف العولمة وآثارها
روَّج مؤيدو العولمة لمجموعة من المقولات، منها أنّ العولمة تبشر بالازدهار الاقتصادي والتنمية والرفاهية لكل الأمم والعيش الرغيد للشعوب، ونشر التقنية الحديثة، وتسهيل الحصول على المعلومات والأفكار عبر الاستفادة من الثورة المعلوماتية الحديثة، وإيجاد فرص الانطلاق للأسواق الخارجية، وتدفق الاستثمارات الأجنبية التي تتمتع بكفاءة عالية، وبالتالي انتعاش الاقتصاد الوطني والقومي.
الا ان سرعان ما اكتشفت الدول النامية ان احتكارات الشركات الدولية لم يزدها الا فقراً، وخضوعاً للسياسات الرأسمالية فأخذت تستنفر جهودها للدفاع عن حقوقها في مواجهة هذه العولمة. ومن الأقوال التي تظهر مخاطر العولمة على مقدرات الحكومات والشعوب، ما جاء في كلمة للرئيس الفرنسي جاك شيراك، ألقاها بمناسبة اليوم الوطني الفرنسي حيث قال: "إنّ العولمة بحاجة إلى ضبط، لأنّها تنتج شروخاً اجتماعيةً كبيرةً وإن كانت عاملَ تقدُّمٍ فهي تثير أيضاً مخاطر جدّية ينبغي التفكير فيها جيداً ومن هذه المخاطر ثلاثة: أولها أنها تزيد ظاهرة الإقصاء الاِجتماعي، وثانيها:أنها تنمي الجريمة العالمية، وثالثها:أنها تهدد أنظمتنا الاقتصادية".
وبالعودة إلى مفهوم العولمة من وجهة نظر المدافعين عنها، فإنّ أول ما يلفت الانتباه هي النظرة لموضوع التفاعل البشري، اذ تعتبر ان العولمة تفاعل بين طرف ذكي قوي، وطرف متلق ضعيف، طرف يمتلك، وطرف لا يملك. اما لجهة آلية العولمة فيبرزمفهوم تحجيم الآخر عبر العلاقة التي يمكن ان تنشا بين الطرفين ؛ اذ تظهر علاقة التابع والمتبوع كما تدل على أن العولمة هي الفرز الحقيقي، بين منتج ومستهلك، بين من يصنع التكنولوجيا ويؤسس لتقدم علمي سريع، وبين من يستهلك هذه التكنولوجيا ولوبجوانبها السلبية. اولا: الاهداف والآثار السياسية ويمكن ان تبرز تلك الآثار في المظاهر التالية:
- فرض السيطرة السياسية للقوة المهيمنة في النظام الدولي على الدول والشعوب التابعة لها، والتحكم في مركز القرار السياسي وصناعته في دول العالم لخدمة مصالحها، على حساب مصالح الشعوب وثرواتها الوطنية والقومية وثقافتها ومعتقداتها.
- إضعاف فاعلية المنظمات والتجمعات السياسية الإقليمية والدولية والعمل على تهميشها كقوى مؤثرة في الساحة العالمية والإقليمية، ومن ذلك: منظمة الدول الأميريكية، ومنظمة الوحدة الأفريقية، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والمتابع لنشاطات هذه المنظمات يلاحظ أنها لم تستطع اتخاذ أي موقف تجاه القضايا السياسية المعاصرة وتجاه الأحداث الجارية.
- إبقاء ما امكن من الدول منقوصة السيادة، بهدف احتوائها سياسيا واقتصاديا.
- كما تساعد العولمة على إضعاف سلطة الدولة الوطنية، وإلغاء دورها وتقليل فاعليتها، فالعولمة نظام يقفز على الدولة والوطن والأمة، إنّها نظام يفتح الحدود أمام الشبكات الإعلامية، والشركات المتعددة الجنسيات وتلغي الحواجز وكل من يقف في طريقها.
- إضعاف دور الأحزاب السياسية في الحياة السياسية في كثير من دول العالم، في الوقت التي بدأت فيه المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية تمارس دوراً متزايداً في الحياة السياسية. ثانيا: الاهداف والآثار الاقتصادية ترتبط عملية العولمة بتدويل النظام الاقتصادي الرأسمالي، حيث تمّ توحيد الكثير من أسواق الإنتاج والاستهلاك، وتمّ التدخل في الأوضاع الاقتصادية للدول، وبخاصة دول العالم الثالث، عبر المؤسسات المالية الدولية: كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، حيث تمارس الإملاءات الاقتصادية وبرامجها المغايرة لمصالح الشعوب، وبالتالي تحقق العولمة عدة أهداف كبيرة في المجال الاقتصادي ابرزها:
- الهيمنة على اقتصاديات العالم من خلال القضاء على سلطة وقوة الدولة الوطنية في المجال الاقتصادي، بحيث تصبح الدولة تحت رحمة صندوق النقد الدولي عبر سياسة القروض ذات الشروط القاسية والمحددة الاهداف سلفا، وخاضعة لسيطرة الاحتكارات والشركات الكبرى على اقتصاد الدول، ولعل اقتصاديات الدول العربية وغيرها كتركيا والمكسيك وماليزيا من النماذج الواضحة للدول التي عصف بها تيار العولمة لصالح المستثمرين.
- تحقيق مصالح المجموعات الغنيّة في الدول الغربية والقوى المتحالفة معها في الدول الأخـرى علـى حسـاب شـعوب العالـم الثالث، وممّا يدل على ذلك فشل تجربة "النمور الآسيوية":ومنها إندونيسيا وماليـزيا، حيث لم تسـتطع تحقيـق المصالح الاقتصـادية المطلـوبـة لشـعوبها، إذ عملت الشركات المتعددة الجنسيات على إحداث هذا الفشل، فبالنسبة إلى الدول النامية، تمثل الاستثمارات الخارجية المباشرة جزءا متزايدا من الأموال التي تتلقاها من الخارج فيما يراوح مستوى المساعدات العامة مكانه. ففي مجال الصناعات الانتاجية مثلت الاستثمارات المباشرة عام 1998 نحو37 في المئة من "التكوين الخام لرأس المال الثابت" في هذه البلدان. وظهر الاستقرار النسبي للاستثمارات الخارجية المباشرة خلال الأزمة المالية التي عصفت بآسيا الشرقية ابتداءا من العام 1997. وفيما سحبت نسبة كبيرة من الرساميل القصيرة الأجل المودعة في تلك المنطقة، استؤنف وصول الاستثمارات الخارجية المباشرة عام 1998 باستثناء اندونيسيا التي كانت تعاني من أزمة سياسية. الا انه يجب ملاحظة ايجابية هذه الاستثمارات على انها في حقيقة الامرعمليات دمج وشراء بين الشركات على المستوى الدولي، وبمعنى آخر كانت نتيجة الأزمة أن تسببت في سيطرة الشركات المتعددة الجنسية على عدد من الشركات القائمة في هذه البلدان.
وتعتبر هذه الشركات الأرض كلها سوقًا كبيراً لها، تتنافس في اقتسام هذه الأراضي دون أي اعتبار، وهي نادراً ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة طويلة الأمد وإنما تدخل بما يعرف بالأموال الطائرة، في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة الفوائد والتي تحقق لها عوائد هائلة، دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية. وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة، فإنّها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية، وهو ما يعرقل الاقتصاد المحلي، اضافة الى ذلك، فإن معظم أنشطتها تقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد. فالقسم الأكبر من الاستثمارات الخارجية المباشرة الأوروبية بقيت داخل دول أوروبا وارتبطت جزئيا بديناميكية توحيد السوق الأوروبية ورجعت في الغالب إلى عمليات دمج وشراء بين الشركات. فعلى الصعيد الدولي تأتي الولايات المتحدة على رأس قائمة الدول المصدرة للاستثمارات بين 1990 و2001 أمام بريطانيا (14 في المئة من الاستثمارات الخارجية المباشرة العالمية) فيما تحتل فرنسا المرتبة الثالثة (10، 5 في المئة). أما حصة اليابان فهي على تناقص واضح: خمسة في المئة من الاستثمارات الخارجية المباشرة بين 1990 و2001 بعد أن كانت تصدر 18 في المئة بين 1982 و1989. وعلى العكس تلعب دول شرق آسيا الأخرى دورا متزايدا مع حجم يزيد اليوم على حجم اليابان. لكن نصف استثمارات هذه المنطقة مصدرها هونغ كونغ وهي موجهة في الغالب إلى الصين. أما من ناحية البلدان المتلقية للاستثمارات، فإن الولايات المتحدة تحتل موقعا مهيمنا مع نسبة 21 في المئة من الاستثمارات الخارجية المباشرة العالمية بين 1990 و2001. أما التدفقات في اتجاه اليابان فهي ضعيفة جدا، فيما تمركزت الاستثمارات المباشرة في البلدان النامية في مناطق محددة: 6 في المئة من المجموع العالمي للصين و7، 5 في المئة لسائر انحاء شرق وجنوب شرق آسيا و 10 في المئة لمنطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية. وعلى العكس تعاني كل من آسيا الوسطى وافريقيا حالة من التهميش.
وبمكن تلخيص مظاهر وآثار العولمة على الدول النامية في التالي: - إنهاء دور القطاع العام وإبعاد الدولة عن إدارة الاقتصاد الوطني، أي الاتجاه نحو التخصيصية.
- عولـمة الوحدات الاقتصادية وإلحاقها بالسوق الدولية لإدارتها مركزياً من الخارج.
- إدارة الاقتصاديات الوطنية وفق اعتبارات السوق العالمية بعيداً عن متطلبات التنمية الوطنية.
- السيطرة الاقتصادية ذات المظاهر المتعددة، منها: شراء موارد الدول النامية وموادها الخام بأقل الأسعار، وإعادة تصنيعها ثمّ بيعها في صورة جديدة بأغلى الأسعار.
- إغواء الدول النامية تقنيًّا وعلميًّا واقتصاديًّا بمشاركة الشركات العمالقة في مشاريع عابرة القارات، سرعان ما تتورط فيها وغالبا ما تكون غير قادرة على التخلص من نتائجها المرهقة عليها.
- سيطرة الشركات العملاقة على الاقتصاد العالمي، اذ إنّ خمس دول -الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وفرنسا وألمانيا وبريطانيا- تتوزع فيما بينها 172 شركة من أصل مائتي شركة من الشركات العالمية العملاقة. ويمكن هنا أن نعرض إحصائية أولية لقوة تلك الشركات المتعددة الجنسيات. فهناك 350 شركة كبرى لتلك الدول تستأثر بما نسبته 40% من التجارة الدولية. وقد بلغت الحصة المئوية لأكبر عشر شركات في قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية 86% من السوق العالمي، وبلغت هذه النسبة 85% من قطاع المبيدات، وما يقرب من 70% من قطاع الحاسبات و60% في قطاع الأدوية البيطرية، و35% من قطاع الأدوية الصيدلانية، و34% في قطاع البذور التجارية.
- تركيز الثروة المالية في يد قلة من الناس أو قلة من الدول، فـ 358 ملياردير في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه أكثر من نصف سكان العالم. و 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الإجمالي، وعلى 84% من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85% من المدخرات العالمية.إذاً نكتشف إنّ 5، 19% من الاستثمار المباشر و08% من التجارة الدولية تنحصر في منطقة من العالم يعيش فيها 82% فقط من سكان العالم.
- انطلقت العولمة المالية خفية في السبعينيات مع تعويم أسعار العملات وظهور البترودولار، فاكتشف عالم المال عندها أن لا رقابة للدول على الحسابات المصرفية في الخارج المودعة بعملتها، ثم تفجرت العولمة والتحرر من القيود بفضل الثورة التقنية للاتصالات، وقد أدى زوال الطبيعة المادية للعمليات وتواصل جميع الفاعلين الماليين عبر الشبكة إلى إعادة تأطير المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمالي في الكرة الارضية.
وتبقى إحدى أهم نتائج هذه الثورة غير ظاهرة للعيان، فالمال والأسهم توقفا عمليا عن التنقل. وظلت العملة الورقية، التي لا تصلح إلا للمبادلات القريبة وتمثل نسبة ضعيفة من الكتلة النقدية (15 في المئة من طرق الدفع في فرنسا مثلا)، ما تزال تعتبر أموالا متنقلة حقيقية. وفي كافة الحالات الاخرى، يستبدل التسديد بعمليات محاسبية للتقاص الالكتروني؛ فعندما لا تنتقل الأموال ويصار إلى احتساب التقاص الكترونيا، وحدها محصلة العمليات يتم تبادلها في قاعات المقاصة. وهكذا اتخذت هذه المؤسسات، ومن دون ضجة، أهمية رئيسية في النظام المالي العالمي لا سيما شركتا التقاص "كليرنغ" الأوروبيتان اللتان تتمتعان بموقع دولي "كليرستريم" في لوكسمبورغ و"يوروكلير" في بلجيكا واللتين تحتفظان بالسندات وتتبادلانهما. وبعكس الفكرة الشائعة فإن العولمة لم تزد من صعوبة الرقابة على الرساميل كون القسم الأكبر منها يمر عبر النظام المالي الرسمي. ولا يمكن لهذا الأخير أن يعمل إذا لم يبادر إلى ابتداع الوسائل الآيلة الى تنظيم المبادلات ومركزتها. لكن في الوقت الذي كان النظام المالي يعقلن آليات العمل ويسهلها، يلاحظ كيف بدأت تتعقد في موازاة ذلك البنى القانونية التي يختبىء الأطراف الفاعلون في السوق وراءها: فشركات الأوراق المالية والجنّات المصرفية والضريبية والشركات خارج الحدود، إلخ، استنسخت آليات عمل بسيطة وقليلة تجعل من الصعب التحقق من واقع المبادلات. ويمكن التشكيك في التبريرات المنطقية لهذه التعقيدات التي تهدف أساسا إلى التعتيم على العمليات داخل دائرة العالم المالي. وقد أظهرت فضيحة انرون في الولايات المتحدة الطريقة التي تستخدم فيها المصالح المالية ويهدف هذا التعتيم الى الالتفاف بسهولة على القيود القانونية في البلدان المتقدمة.
- تعميق التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين الناس بل بين المواطنين في الدولة الواحدة، واختزال طاقات شعوب العالم إلى طاقة دفع لنمط الحياة الاستهلاكي. لقد راهن المداقعون عن العولمة انها ستؤدي إلى ارتفاع مستوى دخل الفرد على المستوى العالمي، وبالتالي تخفيف ظاهرة الفقر التي تعاني منها الكثير من دول العالم، لكن الحقائق والأرقام، تكشف عن واقع مؤلم مختلف، ففي الوقت الذي ازداد معدل دخل الفرد، فقد صاحب هذه الزيادة اتساع في الهوة الشاسعة بين مستوى الدخل في الدول الغنية والدول الفقيرة، فما زال دخل أكثر من ملياري إنسان لا يزيد على 60 دولاراً في الشهر، ما يعني أن خطر الفقر مازال يطل برأسه على دول كثيرة في العالم.
وقد أرجع تروس سكوت، في بحثه عن أسباب التفاوت بين النظرية والواقع في مفهوم العولمة - إلى سببين، السبب الأول: أن الدول الغنية مازالت تصرّ على وضع العوائق في وجه هجرة العمالة من الدول الفقيرة إليها، ففي العام 1997 سمحت الولايات المتحدة الأميركية بهجرة 737 ألف وافد فقط، في حين لم تسمح الدول الأوروبية إلا بهجرة 665 ألفاً، ومجموع العددين لا يمثل سوى 4 في المائة من العمالة المهاجرة المتوقعة، إلى جانب ذلك ترفض الدول الغنية استيراد المنتجات الزراعية من الدول الأفقر، أما السبب الثاني: فيعود إلى أن الدول الفقيرة فشلت نتيجة لسوء اداراتها في اجتذاب رؤوس الأموال من الخارج.
- استئثار قلة من سكان الدولة الواحدة بالقسم الأكبر من الدخل الوطني والثروة المحلية، بينما يعاني غالبية السكان شظف العيش، فعلى سبيل المثال فان عشرين بالمائة من الفرنسيين يملكون ما يقرب من سبعين بالمائة من الثروة الوطنية، وعشرين بالمائة من الفرنسيين لا ينالون من الدخل الوطني سوى نسبة ستة بالمائة. اما في الولايات المتخدة الاميريكة فان الارقام محرجة ايضا، فقد زادت السياسة الضريبية من عدم عدالة توزيع الثروة بشكل كبير: فبين 1977 و1999 ازدادت المداخيل الحقيقية بعد اقتطاع الضريبة لنسبة الواحد في المئة من الأمريكيين الأكثر ثراء بوتيرة أسرع (115 في المئة) من مداخيلهم قبل الضريبة (96 في المئة). أما الـ 60 في المئة من الأمريكيين الأكثر فقرا فإن مداخيلهم بعد الضريبة كانت في العام 1999 أدنى مما كانت عليه عام 1977 على الرغم من ان عدة دورات نمو قد عرفتها الولايات المتحدة. كما تعاظمت الفروقات بين الأغنياء والفقراء على مستوى الأسر أيضا، ففي عام 1979 كانت نسبة 5 في المئة من الأسر الأكثر ثراءا تحقق مداخيل تفوق بعشرة أضعاف تلك النسبة الـ 20 في المئة من الأسر الأكثر فقرا، وقد ارتفع الفارق إلى 16 ضعفا عام 1989 وإلى 19 ضعفا عام 1999. وعلى سبيل المثال ايضا ففي العام 1980 كان أجر المدير العام لإحدى الشركات الـ 365 الأولى يبلغ وسطيا 42 ضعفا لمعدل أجر العامل. أما في العام 2000 فقد بلغ الفارق 691 ضعفا! وفي مجال هذه الفروقات لا تزال بقية الدول الصناعية "متأخرة" كثيرا عن الولايات المتحدة.
- النمو المطرد للبطالة، وانخفاض الأجور وما يرتبط بها من تقليص في قدرة المستهلكين واتساع دائرة الفئات المتواضعة الدخل، وقد دلت الإحصائيات على حقائق خطيرة، ففي العالم (800) مليون شخص يعانون من البطالة وهذا الرقم في ازدياد، وفي السنوات العشرة الأخيرة عملت 500 شركة من أكبر الشركات العالمية على تسريح أربعمائة ألف عامل - في المتوسط - كل سنة، على الرغم من ارتفاع أرباح هذه الشركات بصورة هائلة.
- ازدياد تهريب الاموال من الدول التي تخلت عن النظم الاقتصادية الموجهة في محاولة للتهرب من دفع الضرائب، فمن روسيا وحدها خرج منذ عام 1990 خمسون مليار دولار بطريقة غير شرعية، ويقدر خبراء الأمن أن ثروة منظمات المافيا في النمسا وحدها تتجاوز تسعة عشر مليار دولار، كل هذا يجري على حساب الدولة التي بدأت تئن تحت ضائقة الفقر لتقلص الضرائب وهروبها، وهذا يعني ضعف الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية التي تقدمها الدولة.
- فرض السياسات الاقتصادية والزراعية على دول العالم -وبخاصة النامية- بهدف تعطيل التنمية الاقتصادية، وإبقائها سوقاً استهلاكية رائجة للمنتجات الاجنبيةة، وتسليم إرادتها السياسية. ففي بعض الدول انخفضت معدلات النمو عام 1998 بأكثر من 100% وارتفعت معدلات البطالة بنسبة خطيرة وأدت إلى حدوث مشكلات اجتماعية عديدة من أهمها زيادة نسبة الفقر والأمية.
- وعلى الصعيد العربي، إضعاف قوة موارد الثروة المالية المتمثلة في النفط حيث تم إضعاف أهميته كسلعة في حين تمّ استثناؤه من السلع التي تخضع لحرية التجارة الدولية - أسوة بتجارة المعلومات- من تخفيض الضرائب والقيود الجمركية المفروضة عليه من الدول المستهلكة، فما زالت الدول المستوردة ترفض اعتبار النفط والمشتقات البتروكيماوية من السلع التي يجب تحريرها من القيود الجمركية والضرائب الباهظة التي تفرضها، وبذلك تجني هذه الدول الأرباح الهائلة من وراء ذلك، وهي تعادل ثلاثة أمثال العائدات إلى الدول المنتجة في الوقت الحاضر، بل أصدرت بعض الدول تشريعاًت تقضي بفرض العقوبات على دول في منظمة أوبك إذا شاركت في رفع أسعار النفط أو تثبيتها.
- ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الدول النامية، نتيجة إلغائها الدعم المالي الذي كانت تقدمه للسلع الغذائية، وبسبب الاحتكار والمنافسة غير المتكافئة من الدول الكبرى، وبسبب قيود الجودة وشروط المواصفات العالمية التي تفرضها الاتفاقيات التجارية والصناعية الدولية، وهي شروط لا تقدر الدول النامية على الوفاء بها. الامر الذي ادى الى ابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي.
- ومن مخاطر العولمة ظهور عملية الإغراق التي ترتبط بالاسعار، عبرطرح سلع مستوردة في الأسواق بأسعار تقل كثيراً عن سعر المثيل في السوق المحلي، أو خفض سعر البيع عن سعر تكلفة الإنتاج وقد برزت هذه المشكلة مع دخول العولمة وإلغاء التعرفة الجمركية، أو الحد منها على بعض السلع، حيث كان قديماً لا يمكن حدوث ذلك لان الدول كانت تتحكم في سعر السلعة بزيادة الرسوم والتعريفات الجمركية، مما يؤدي إلى زيادة سعر المنتج المستورد عن المنتج المحلي أو على الأقل يساويه في الثمن، ولكن مع فتح الأسواق أمام التجارة العالمية، فحالات الإغراق كثيرة، وآثارها كبيرة. ثالثا: الاهداف والآثار الاجتماعية من مخاطر العولمة في الجانب الاجتماعي، أنها تركز على حرية الإنسان الفردية إلى حد التحرر من كل قيد، الأخلاق والأعراف المرعية، والوصول به إلى مرحلة العدمية، وفي النهاية يصبح الإنسان متلقيا لكل ما يعرض عليه من الشركات العالمية الكبرى، بما تنتجه وتروج له من سلع استهلاكية.
ومن آثار العولمة في الجانب الاجتماعي زيادة معدلات نسبة الجريمة ليس في الدول النامية وحدها، بل في كل الدول الغنية وقد أكّد هذا الأمر الكاتبان الألمانيان، هانس بيتر مارتين، وهارالد شومان حيث قالا: "ينتفع مرتكبو الجرائم متعدية الجنسيات أيضاً من إلغاء القيود القانونية المفروضة على الاقتصاد، فعلى مستوى كل البلدان الصناعية تتحدث دوائر الشرطة والقضاء عن طفرة بينة في نمو الجريمة المنظمة وكان أحد موظفي الشرطة الدولية قد أشار إلى هذه الحقيقة بقوله: "إنّ ما هو في مصلحة التجارة الحرة، هو في مصلحة مرتكبي الجرائم أيضاً". ويضيفان: "إنّ النتائج المترتبة تثير الرعب بلا شك، ففي منظور الخبراء أضحت اليوم الجريمة المنظمة عالمياً، أكثر القطاعات الاقتصادية نمواً، إنه يحقق أرباحاَ تبلغ خمسمائة مليار دولار في العام".
ومن آثار العولمة في الجانب الاجتماعي أيضاً زيادة معدلات الفقر والبطالة، وتفكيك العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، ولقد أصدرت الأمم المتحدة ً تقريراً يفيد بأنّ قوى العولمة رغم إتاحتها فرص لم يحلم بها لمنفعة بعض الشعوب وبعض الدول إلا أنها قد أسهمت في الوقت نفسه في كثير من دول العالم في رفع معدلات الفقر والظلم، والقلق على فرص العمل، وإضعاف المؤسسات التي تقدم الدعم الاجتماعي للفقراء كما أسهمت في تفتت القيم والعادات السائدة منذ زمن بعيد. رابعا: الاهداف الآثار الثقافية للعولمة تؤسس العولمة في الجانب الثقافي علي انتشار المعلومات، وسهولة حركتها، وزيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات، أي تقوم علي إيجاد ثقافة عالمية، وعولمة الاتصالات، عن طريق البث التليفزيوني عبر الأقمار الصناعية، وبصورة أكثر عمقا خلال شبكة الإنترنت التي تربط البشر بكل أنحاء المعمورة. كما تعني العولمة الثقافية توحيد القيم وبخاصة حول المرأة والأسرة، باختصار تركز العولمة الثقافية علي مفهوم الشمولية ثقافة بلا حدود، وآلة ذلك الإعلان والتقنيات.
ولعلّ من ابرز أهداف العولمة ما يعرف بالعولمة الثقافية فهي تتجاوز الحدود، وما له من خصائص تاريخية وقومية وسياسية، ولتحمي ثرواتها الطبيعية والبشرية وتراثها الفكري الثقافي، حتى تضمن لنفسها البقاء والاستمرار والقدرة على التنمية ومن ثمّ الحصول على دور مؤثر في المجتمع الدولي. فالعولمة الثقافية ترسم حدوداً أخرى مختلفة عن الحدود الوطنية مستخدمة في ذلك شبكات التأثير على الاقتصاد والأذواق والثقافة، هذه الحدود هي حدود الفضاء التي لا تنتمي لا للتاريخ ولا للجغرافيا. د. خليل حسين
استاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني