كيف يفكر المحافظون الجدد؟

بقلم: علاء بيومي

كتاب "النزعة العسكرية الأميركية الجديدة" لأستاذ العلاقات الدولية الأميركي أندروا باسفيتش الصادر في فبراير/شباط الماضي يحتوي على نظرة متميزة للمحافظين الجدد يصعب العثور عليها في كتابات أخرى لسببين أولهما إيمان المؤلف بأن التحديات التي تتعرض لها السياسية الخارجية الأميركية في الوقت الراهن ليست نتاجا للمحافظين الجدد أو اليمينيين الأميركيين وحدهم، بل هي نتيجة لأزمة عامة بالنظام السياسي الأميركي شارك في صنعها اليسار واليمين الأميركيين معا خلال العقود الأخيرة، وهو ما يعطي أسلوب باسفيتش ومنهجه قدرا هاما من الحيادية.
السبب الثاني هو أن حياد المؤلف النسبي جعله أكثر تركيزا على تحليل الأفكار والأحداث المؤثرة على سياسة أميركا الخارجية والعسكرية في الوقت الراهن، مما جعله يقدم رؤية متميزة عن المحافظين الجدد وتاريخهم وتطورهم كجماعة والأفكار المحركة لهم.
إذ ينادي باسفيتش بضرورة النظر للمحافظين الجدد على أنهم جيلين متميزين من المفكرين والمحللين السياسيين وليس كجيل واحد، الجيل الأول تبلور في الستينات من القرن العشرين وجاءت أفكاره كرد فعل للظروف الدولية وتحديات الداخلية التي تعرضت لها أميركا خلال الفترة الممتدة من الحرب العالمية الأولى حتى نهاية حرب فيتنام في منتصف السبعينات من القرن الماضي، أما الجيل الثاني فقد ظهر في التسعينات من القرن نفسه وجاءت أفكاره لتعبر عن الظروف الأميركية والدولية في هذه الفترة، لذا يؤمن باسفيتش بإمكانية العثور على تناقضات في مواقف الجيل الأول مقارنة الجيل الثاني من أجيال المحافظين الجدد نظرا لأن كل جيل نشأ في ظروف مختلفة مؤمنا بأفكار متميزة. الجيل الأول وأفكاره في البداية يؤكد باسفيتش على بعض القواسم المشتركة بين جيلي المحافظين الجدد مثل إيمانهم بدور الأفكار في تغيير الواقع، وسعيهم الدائم للتأثير على مسار الجدل الأميركي العام بخصوص القضايا التي تهمهم، وشهيتهم التي لا تنتهي للجدل وعرض أفكارهم ومهاجمة معارضيهم، وخطابهم الذي يتميز بالثقة والحماس والرضا الداخلي بشكل مبالغ فيه أحيانا.
بالنسبة للجيل الأول يرى باسفيتش أن أفكار وحركة هذا الجيل تقوم على أفكار ستة رئيسية، الفكرة الأولى تتعلق بنظرة المحافظين الجدد للتاريخ وخاصة لأحداث الفترة الممتدة من الحرب العالمية الأولى وحتى الحرب العالمية الثانية وهي الفترة التي شهدت الكساد الكبير وصعود النازية وتراجع دور أميركا الدولي بعد الحرب العالمية الأولى، ويقول باستفيتش أن هذه الفترة أكدت لدى المحافظين الجدد قناعتين مركزيتين أولهما أن الشر ظاهرة حقيقة واقعية موجودة لا يمكن إنكارها، وثانيهما أن صعود الشر مرهون بشرط بسيط وهو تواني أعداءه عن مقاومته، وهنا يرى المحافظون الجدد أن عزلة أميركا وانغلاقها على نفسها مثل سببا رئيسيا لصعود النازية وانتشارها وما قادت إليه من شرور.
الفكرة الثانية تتعلق بدور القوة العسكرية كأداة أساسية لمواجهة الشر، حيث يرى المحافظون الجدد أن القوة العسكرية – وليس الدبلوماسية أو العدالة أو المجتمع الدولي – هي التي تمكنت من إيقاف زحف النازي، لذا يكن المحافظون الجدد قدرا كبيرا من الرفض والتشاؤم فيما يتعلق بدور المنظمات الدولية والقانون الدولي وجهود الحد من التسلح، حيث يرون أن القوة العسكرية يجب أن تبقى أساسا رئيسيا للسياسية الخارجية الأميركية، كما عارضوا الانتقادات التي تعرض لها الجيش الأميركي ودوره بعد حرب فيتنام الفاشلة.
الفكرة الثالثة هي رفض المحافظين الجدد المطلق لفكرة عزلة أميركا أو تراجع دورها الدولي، فهم يرون أن لأميركا دورا تاريخيا كقائدة للعالم الحر وحامية له وكناشرة للديمقراطية والحرية عبر العالم، كما يرون أن على أميركا والأميركيين القبول بهذا الدور وتحمل تكلفته مهما كانت، فهم يرون أن رغبة الأميركيين في العزلة هي رغبة أنانية.
الفكرة الرابعة هي بحث المحافظين الجدد الدائم عن مشاريع وأهداف خارجية كبيرة لأميركا، لذا عاني المحافظون الجدد كثيرا خلال السبعينات والثمانيات بسبب تبعات حرب فيتنام التي أثرت سلبا على تأييد الشعب الأميركي للجيش ودور أميركا الدولي، كما عانى المحافظون الجدد أيضا مع نهاية الحرب الباردة وتآكل الإتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينات، لأنه ذلك أفقد المحافظين الجدد المشروع الكبير الذي يمكنهم صياغة سياسة أميركا من خلاله.
الفكرة الخامسة هي إيمان المحافظين الجدد بدور القيادة السياسية، وسعيهم الدائم للعثور على قيادة سياسية حاسمة قادرة على صناعة التاريخ، ولذا كره المحافظون الجدد كارتر الذي ركز على دعاوى السلام والحد من الحروب في العالم، ولم يرضوا بشكل كامل عن ريجان، لأن خطاب ريجان القوي الرنان لم يطابق أفعاله في أغلب الأحيان.
الفكرة السادسة وهي داخلية فتعبر عن إيمان المحافظين الجدد بدور السلطات التقليدية كالآباء والجيش ومؤسسات تنفيذ القانون والأسرة داخل المجتمع الأميركي، فقد رفض المحافظون الجدد الثورة الثقافية التي اجتاحت أميركا في الستينات والتي نادت بالتعددية الثقافية وحقوق الأقليات والنساء والشواذ، إذ رأى المحافظون الجدد أن الهجوم على المؤسسات التقليدية من شأنه أن يضعف أميركا داخليا مما يضعفها خارجيا.
وقد ركز باسفيتش في وصفه للجيل الأول من المحافظين الجدد على نورمان بودهوريتز المحرر السابق لمجلة كومنتاري الصادرة عن اللجنة اليهودية الأميركية والذي يعد أحد أهم الآباء المؤسسين لتيار المحافظين الجدد، كما ركز بشكل أقل على أفكار إيرفينج كريستول مؤسس مجلة المصلحة العامة "ذا بابليك إنتريست" والذي يصفه الكثيرون بأنه الأب الروحي للمحافظين الجدد. أزمة الجيل الأول وصعود الجيل الثاني يرى باسفيتش أن نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي مثلا تحديا كبيرا للجيل الأول من المحافظين الجدد على مستوى السياسة الخارجية، إذ أدى فشل المحافظين الجدد في العثور على عدو جديد إلى صعود أصحاب التوجهات الواقعية وسيطرتهم على تيار المحافظين الجدد، حيث نادى الواقعيون بالتروي في إطلاق مشاريع أميركية كبرى وفي استخدام القوة العسكرية الأميركية وفي زيادة نفقات الجيش الأميركي، وقد دفعت الأسباب السابقة مجتمعة نورمان بودهوريتز إلى إعلان وفاة مشروع المحافظين الجدد في عام 1996.
وهنا يرى باسفيتش أن عام 1995 الذي شهد استقالة نورمان بودهوريتز من رئاسية تحرير مجلة كومنتاري وتأسيس ويليام كريستول نجل إيرفينج كريستول مجلة ذا ويكلي ستاندارد عاما فارقا في حياة تيار المحافظين الجدد، فهو العام الذي شهد أفول الجيل الأول وصعود الجيل الثاني.
وهنا يرى باسفيتش أن المقارنة بين كومنتاري – مجلة الجيل الأول – وذا ويكلي ستاندارد – مجلة الجيل الثاني – تكشف عدد كبير من الفروق الرئيسية بين الجيل الأول والثاني، فكومنتاري كانت صادرة عن اللجنة اليهودية الأميركية والتي تسعى لالتزام الحياد الحزبي، أما ذا ويكلي ستاندرد فهي ممولة من قبل روبرت موردوخ إمبراطور الإعلام المعروف وصاحب الميول اليمينية القوية، كما أن كومنتاري كانت موجهة بالأساس للنخبة المثقفة أما ذا ويكلي سناندارد فقد تميزت في مقالاتها ورسوماتها بنزعة أكثر جماهيرية، كما أن كومنتاري تصدر من نيويورك، أما ذا ويكلي ستاندرد فمكتبها لا يبعد كثيرا عن موقع البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن.
بمعنى أخر الجيل الثاني من أجيال المحافظين الجدد تميز بنزعة إيدلوجية وحركية وجماهيرية أكبر من الجيل الأول، أضف إلى ذلك فارق أساسي يشير له باسفيتش وهو أن الجيل الأول صعد في فترة خيم فيها على الرأي العام الأميركي شعور بعدم الثقة في القوة والسياسة الخارجية الأميركية نتيجة لما حدث في فيتنام، لذا سعى الجيل الأول بالأساس لإعادة الثقة المفقودة، أما الجيل الثاني فقد ظهر بعد فوز أميركا بالحرب الباردة وبعد أن أعاد ريجان وحرب عاصفة الصحراء ثقة الأميركيين في جيشهم، لذا تبنى الجيل الثاني هدفا مختلفا وهو كيفية استخدام أميركا قوتها وموقعها الدولي غير المسبوق كقطب العالم الأوحد في تحقيق أهداف أميركا وتشكيل العالم وفقا لرؤيتها.
وهنا يبرز باسفيتش خمسة أفكار أساسية كأعمدة لفكر الجيل الثاني من المحافظين الجدد. الفكرة الأولى هي أن سيطرة أميركا ونفوذها غير المسبوق على النظام العالمي هي قوة مازالت في بدايتها ينتظرها مستقبل طويل، وهي قوة يدركها العالم ويبحث عنها ويؤيدها، إذ يرى المحافظون الجدد أن العالم يبحث عن قائد، وأن أميركا هي حتما هذا القائد، فسيطرة أميركا وسيادتها المطلقة على العالم – من وجهة نظرهم – هي مصدر استقرار النظام العالمي، لذا فهم يرون أن من الطبيعي أن يتوحد الغرب وغيره من دول العالم تحت القيادة الأميركية لإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد.
ويترتب على القناعة السابقة فكرة ثانية وهي أن فشل أميركا في استغلال الفرصة الراهنة وعجزها عن قيادة العالم وتشكيله سوف يؤدي لانهيار النظام العالمي الراهن، فالفوضى هي البديل الوحيد المحتمل لفشل أميركا في قيادة النظام العالم في الفترة الراهنة.
الفكرة الثالثة هو أن قوة أميركا العسكرية غير المسبوقة هي أداة رئيسية لحفاظ أميركا على مكانتها ولنجاحها في القيام بمهمته كقائدة للعالم ومحافظة على السلام العالمي، وهنا يرى المحافظون الجدد أن وظيفة القوة العسكرية الأميركية الرئيسية ليس تجميع الأسلحة والقوات وكنزها ولكن استخدام هذه القوات في مشاريع طموحة وحاسمة لصناعة نظام عالمي قائم على السيطرة الأميركية ويدعمها.
وهنا يرى المحافظون الجدد أن القوة العسكرية لا يجب أن ينظر إليها كخيار أخير، فالحرب بالنسبة لهم هي أداة لخدمة أهداف كبرى مثالية، كما أن السلام الحقيقي هو السلام الذي يتبع النصر في المعركة.
الفكرة الرابعة هو التزام المحافظين الجدد المطلق بدعم القوة العسكرية الأميركية وجهود تسليح وتطوير وتحديث القوات العسكرية الأميركية.
أما الفكرة الخامسة والأخيرة فهي رفض المحافظين الجدد للساسة الواقعين مثل هنري كيسنجر وللساسة المترددين في استخدام القوة مثل كولين باول، فالواقعية والتردد في استخدام القوة يمثلان للمحافظين الجدد مرضان خطيران.
ويعبر باسفيتش عن اعتقاده في نجاح المحافظين الجدد في ترك بصمات قوية على الجدل الأميركي العام الخاص بسياسة أميركا الخارجية، ويرى أن هذا النجاح هو نتاج لنشاطهم الفكري الواضح، فالمحافظون الجدد يملكون مجلة ذا ويكلي ستاندرد وتظهر كتاباتهم باستمرار في مجلة فورين أفاريز المعروفة ويسيطرون على معهد أميركان إنتربرايز للأبحاث، كما يكتبون بشكل دوري في ثلاثة من أكبر الجرائم الأميركية، حيث يكتب ماكس باوت لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، ويكتب دايفيد بروكس لنيويورك تايمز، ويكتب روبرت كاجن وتشارلز كروتهمز للواشنطن بوست، هذا إضافة إلى سيطرتهم على مقالات الرأي بصحيفة وال ستريت جورنال، كما يرى باسفيتش أن جزءا كبيرا من نجاح المحافظين الجدد في السنوات الأخيرة يعود أحداث الحادي عشر من سبتمبر على السياسة الأميركية، ولتحقق حلم في العثور على قائد سياسي يتبنى أفكارهم وهو جورج دبليو بوش. خاتمة وفي نهاية هذا المقال يجب أن نؤكد مرة أخرى على تميز عرض أندرو باسفيتش لأفكار المحافظين الجدد الرئيسية، والتي يمكن أن تمثل أطارا فكريا لفهم سياسات المحافظين الجدد ومواقفهم، حيث خصص لها الفصل الثالث من كتابه "النزعة العسكرية الأميركية الجديدة"، كما يجب أيضا الإشارة إلى احتواء الكتاب بفصوله الثمانية على أفكار أخرى متميزة – لا يتسع المجال هنا لطرحها. فالكتاب يقوم على فكرة أن ميل الأميركيين الزائد لاستخدام قوتهم العسكرية في الفترة الراهنة هو نتاج لمشاكل عديدة ساهم في صنعها مؤسسات متعددة داخل المجتمع الأميركي كالمفكرين والجيش والساسة وغيرهم، مما يجعل الكتاب مصدرا لأفكار تحليلية هامة مؤسسات المجتمع الأميركي المختلفة في تشكيل سياسية أميركا الخارجية والعسكرية الراهنة. علاء بيومي
مدير الشئون العربية بكير