باسم الأب: بشار الأسد.. السنوات الأولى في الحكم

بقلم: ابراهيم الهطلاني
الكثير من التغيرات، والكثير من السكون ايضا

إذا كان البعد الديني والحضاري هو الحَكم المعتبر في الصراع العربي الإسرائيلي وعلى أساسه تتم عملية تشخيص أزمة وجود وحدود إسرائيل فان النتيجة الطبيعية هي استمرار وتفاقم الصراع رغم تعدد اللقاءات السياسية والوساطات الدولية لتنتهي إلى طريق مسدود، فلا قبول للدولة اليهودية في ثقافة وبرامج الجماعات والأحزاب الإسلامية التي تؤسس مواقفها السياسية من تفسيراتها للنصوص الدينية فهي مازالت ترى في إسرائيل كيانا دخيلا ومزروعا بالقوة ودولة مغتصِِبة لحقوق الغير ومازال رفض القبول بوجود إسرائيل متأصلا في ثقافة وتجويفات عقل الإنسان العربي مهما قدم وسيقدمه أصحاب السلطة العرب من تنازلات ومبادرات في سبيل الاستمرار على كراس الحكم.
في المقابل هناك في الثقافة اليهودية وبعض الأحزاب الدينية والقومية الإسرائيلية من هو اشد تطرفا ورفضا للتفاوض أو التنازل عن أي شبر من ارض الميعاد لصالح العرب ومنهم من يرى إخراج كل العرب من الأراضي المحتلة، ومن يقرأ في التراث اليهودي يجده محفوفا بالدم والاستئصال، أي أن الصدام قرار سلفي في كلتا العقليتين انطلاقا من رؤى تاريخية ونصوص مقدسة.
أما إذا كان المنظار السياسي والمصلحي هو المعتمد في الصراع بين العرب وإسرائيل فدلائل التحركات السياسية وبمنظور المكسب والخسارة غالبا ما تشير إلى أن المفاوض العربي يخسر من قبل أن يبدأ في التفاوض ولا يعلم بخسارته إلى بعد انتهاء العملية.
الميزان السياسي والعسكري في الغالب لصالح إسرائيل حتى لو اجتمعت الأنظمة العربية على كلمة واحدة في المواجهة، فإسرائيل رغم أنها دولة مغتصبة للحقوق العربية وكيان مزروع إلا أنها "وللأمانة "تمكنت من تأسيس نظام سياسي فريد في المنطقة يحفظ فيه حقوق المواطن "الإسرائيلي" ويحترم حريته وكرامته،نظام يستطيع فيه نائب عربي مثل الدكتور عزمي بشارة يحمل الجنسية الإسرائيلية من الدفاع عن نظام الحكم في سوريا ويتهم أمريكا وإسرائيل بقتل رفيق الحريري، ويهاجم ليل نهار ومن داخل إسرائيل نظام إسرائيل نفسه،انه نظام يخضع الجميع فيه للقانون والمسائلة حتى رئيس الدولة والحكومة وعائلاتهما، وهذا ليس إعجابا بدولة اعتبر أنها مازالت في عداء لكل الأمة والصراع معها مستمر، بل هو تقرير لواقعهم وتحسر على واقعنا، وعلى الأنظمة العربية أن تبدأ بالتطبيع مع المخالف الداخلي قبل العدو الخارجي.
الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية على افتراض اجتماعها لا تستطيع مواجهة النظام الحاكم في إسرائيل رغم أنها تمتلك الثروات المالية والبشرية فهي بباسطة لا تمثل شعوبها ولم يشارك المواطن في اختيارها بل أنها تعمل ليل نهار على استنزاف طاقاته وثرواته وتحدد حريته وحقوقه فهو مشغول بلقمة عيشه ولملمة كرامته، الخائف لا يقاتل والجائع لا يحس إلا بمعدته الخالية، لذلك يخسر الحكم العربي اغلب معاركه السياسية والعسكرية بقدر خسارته لشعبه.
توجه إسرائيل معظم طاقاتها وإمكاناتها لتحديد ومراقبة أعدائها أو من تعتقد أنهم أعداء للكيان اليهودي أو أعداء إسرائيل الكل مشغول في إسرائيل بسلامة وامن الوطن، في المقابل الأنظمة التي تعلن عداءها لإسرائيل أو المشهورة بذلك الموقع وذلك التاريخ مشغولة بملاحقة المعارضة الداخلية ومراقبة من هم بالخارج، فهي مشغولة بالتصنت على الاتصالات ومراقبة وسائل الإعلام والكتاب واعتقال النشطاء السياسيين وأصحاب الفكر، أجهزتها الأمنية وجدت لحماية النظام وهذا الفرق بينها وبين الأجهزة الأمنية والسياسية في إسرائيل المؤسسة لحماية البلاد.
عداء إسرائيل لسوريا قضية تاريخية وتحريض المجتمع الدولي على نظام الحكم في دمشق سياسة معلنة ورسمية ومن مصلحة سوريا التخلص من كل المبررات المواقف الداخلية والخارجية الداعمة لتنفيذ أي قرار أو عقاب دولي يطبق على سوريا، حرصنا المبدئي على سلامة وامن سوريا وسلامة أي شعب عربي يدفعنا للكتابة عن قضايا منطقتنا وتحليل المستجدات السياسية.
وبحكم تاريخ الصراع مع الدول العربية وخاصة المجاورة واستمرار المخاوف الإسرائيلية تنشط في داخل إسرائيل وخارجها عشرات المؤسسات العلمية ومراكز البحث الاستراتيجي المهتمة بدراسة القدرات العربية وتتبع المتغيرات الاقتصادية والسياسية لدول الجوار الإسرائيلي وخاصة سوريا ولذلك لا نستغرب ظهور كم هائل من التحليلات والدراسات والكتب المنشورة في داخل إسرائيل وخارجها تتناول الوضع الداخلي السوري، إلا أن الأمر الملفت للاهتمام هو كمية المعلومات غير العادية والدقيقة الصادرة من إسرائيل عن خصائص الأوضاع العسكرية والاقتصادية والسياسية السورية والتي ربما يفتقر إليها المواطن المتابع من داخل سوريا نفسها.
ومن احدث إصدار يدل على ذلك الاهتمام الإسرائيلي وخاصة من مركز دايان بجامعة تل أبيب كتاب "باسم الأب: بشار الأسد السنوات الأولى في الحكم" للبروفيسور إيال زيسر الباحث المتخصص بالشأن السوري واللبناني ورئيس قسم التاريخ الشرق أوسطي. الكتاب الأصلي صدر بالعبرية، وقد صدرت مؤخرا في القاهرة الترجمة العربية في طبعتها الأولى 2005 وهو كتاب مثير للاهتمام من ناحيتين الأولى كونه يتناول دواخل الوضع السوري وعلاقاته بلبنان، والأخرى كمية المعلومات الخاصة التي يتضمنها الكتاب، مع الأخذ في الاعتبار عدم قبول كل محتويات الكتاب على أنها حقائق مسلمة، إلا أن هذا الحذر لا يلغي أو يفقد الكتاب أهميته وحاجة المكتبة السياسية إليه،الكتاب حسب طبعته المصرية المترجمة يحتوي على 416 صفحة ومقسم إلى تمهيد وثلاثة أقسام.
في التمهيد يتناول الباحث الإرث الذي خلفه الراحل حافظ الأسد والدائرة الحاكمة المحيطة به كما يتناول الأوضاع في الفترة الأخيرة من حكمه، ثم يعود الباحث بالتاريخ إلى فترة "الصراع على سوريا" وهو مصطلح استعاره من الكاتب باتريك سيل، تناول الباحث تحت هذا العنوان كيفية صعود الأسد للسلطة عام 1970 والملفت في هذا الموضوع أن الكاتب يذهب إلى أن سوريا ليست لها جذور أو شرعية تاريخية ولذلك نشب الصراع على السلطة منذ تأسيسها في عشرينات القرن العشرين ويضيف أن مصلحة فرنسا هي السبب في قيام وتكوين سوريا وليست تلبية لرغبة مواطنيها.
القسم الأول بعنوانه العريض "سورية بقيادة الأسد" يتناول الباحث من خلاله سيرة طبيب العيون الذي أصبح على رأس الحكم في سوريا وعن الدكتور أدمون شولنبرغ وهو جراح عيون زميل للطبيب الأسد في نفس المستشفى اللندني ينقل الباحث بإسهاب تفاصيل شخصية الدكتور الأسد كما عرفه وعايشه أثناء فترة الزمالة في المستشفى، ثم تناول الباحث في هذا القسم قضية التوريث ويحاول الإجابة عن أسئلة متى وكيف ولماذا فكر الأسد في توريث السلطة لأحد أبنائه ثم يتوجه الباحث نحو سيرة رفعت الأسد شقيق الراحل حافظ الأسد ومسؤوليته عن فرق "سرايا الدفاع "وهي قوات خاصة تحظى باهتمام خاص ودعم شخصي من آل الأسد، تتكون هذه الفرقة المسلحة حصرا من أبناء الطائفة العلوية، ثم يعرض الباحث ما أورده الكاتب البريطاني باتريك سيل في كتابه عن الأسد الراحل ووصفه لأخيه رفعت بأنه غير متزن وفظ ومرتشٍ، كما تناول الباحث علاقة رفعت الأسد بالأمريكيين والسعوديين.
بشار على الصعيدين العربي والدولي، لماذا بشار، شخصية الرئيس الشاب، نظام بشار، هذه العناوين الداخلية التي اختتم الباحث بها فسمه الأول بتفصيل وعرض مشوق.
ربيع كاذب في دمشق عنوان القسم الثاني وهي عبارة اقتبسها الكاتب من مقابلة صحفية للرئيس بشار الأسد مع صحيفة اسبانية، كما تناول في هذا القسم حادثة اعتراض عضو مجلس الشعب السوري منذر الموصلي على تعديل المادة المحددة للحد الأدنى لعمر رئيس الجمهورية في الدستور السوري.
الاقتصاد في عصر حافظ الأسد، سنوات التسعينات، التحدي الاقتصادي في أيام بشار الأسد تحدي العولمة، من أهم عناوين القسم الثاني من الكتاب.
أخر قسم في هذا الكتاب وهو القسم الثالث يتناول الباحث من خلاله سياسة سورية الخارجية في عهد بشار الأسد وفيها عدة عناوين رئيسة أهمها بشار والعالم العربي من انتفاضة الأقصى إلى حرب العراق، بشار الولايات المتحدة والحرب ضد الإرهاب،سوريه والاتحاد الأوربي سوريه ومحور الشر،وتحت عنوان الفصل السابع يتناول الكتاب سوريه وإسرائيل في عهد بشار الأسد.
الفصل الثامن من القسم الأخير من هذا الكتاب يتناول علاقات ووجود سورية في لبنان ويعنون الباحث موضوعه بسؤال هل هي بداية النهاية؟ وتحت هذا العنوان يستعرض مجموعة من المعلومات والحوادث والتحليلات حيث يقول أن الانجاز البارز الوحيد للسياسة الخارجية السورية في عهد الأسد الأب هو ضم لبنان إلى دائرة النفوذ السوري ويؤكد على أن الأسد نجح في وضع حد للحرب الأهلية الدامية في لبنان والتي استمرت عقدين تقريبا، ويضيف مؤكدا أن الأسد تمكن من تحويل لبنان إلى دولة خاضعة للوصاية السورية عسكريا وامنيا وسياسيا ليجني ثمارها على الصعيدين السياسي والاقتصادي لكن هذه الوصاية السورية في نظر الباحث تحولت إلى مستنقع تورطت فيه سورية.
كما يعتبر الباحث أن الهزيمة التي ألحقتها إسرائيل بالقوات السورية على ارض لبنان عام 1982 أدت إلى انتخاب حليف إسرائيل بشير الجميل رئيسا للجمهورية اللبنانية والذي لقيّ حتفه لاحقا على يد شخص سوري.
مؤلف الكتاب إيال زيسر يعتقد أن حزب الله هو المسئول عن تفجير حرم السفارة الأمريكية ومقر المارينز الأمريكي في بيروت عام 1983 بمعرفة السوريين.
المكاسب السياسية والاقتصادية التي جناها السوريون عناوين بارزة في هذا القسم ولقد تناول الكاتب تفصيلات الوجود السوري في لبنان بعد صعود بشار الأسد وعلاقة سوريه بحزب الله ويطرح المؤلف في نهاية كتابه عدد من التساؤلات فيقول :هل يكبر بشار حتى يصبح زعيما جديرا بالتقدير؟ أم أن فترة ولايته ستكون فصلا عابرا في تاريخ سوريه؟ ويتساءل عن نهاية السلالة الأسدية في الحكم السوري.
بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا في المضامين والمعلومات الواردة، الكتاب عمل بحثي جدير بالاهتمام.

إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com