الغرب والحوار مع الحركات الإسلامية

بقلم: يحيى أبوزكريا

دأبت المراكز ومعاهد الدراسات الغربية على جمع كل شاردة وواردة عن الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، وقد أصبحت هذه الحركات مدار تشريح وتحليل ومتابعة معلوماتية دقيقة حتى من قبل الأجهزة الأمنية الغربية التي كانت وما زالت متخوفّة من أنّ يكون الوجود الإسلامي في جغرافيتها هو إمتداد لفسيفساء الحركة الإسلامية بكل تفاصيلها في البلاد العربية والإسلامية.
وكانت هذه الأجهزة ترى أنّه لا يمكن فهم الكثير من الحركية الإسلامية في الغرب دون قراءة مسلكية هذه الحركة وتلك في واقعها الإسلامي والعربي، والدافع إلى هذه المتابعة والقراءة كان من باب الهاجس الأمني خصوصا بعد أن تبنّت بعض التيارات المحسوبة على الإسلام السياسي العديد من أعمال العنف هنا وهناك، وكان الغرب وأجهزته متخوّفين من أن تنتقل قناعات ومسلكيات هذه الحركات إلى المسلمين في الغرب وما قد ينتج ذلك من تعقيدات وإرباكات للغرب الحريص إلى أبعد الحدود على أمنه السياسي والإقتصادي وحتى الإجتماعي والثقافي.
وقد زاد في هذه المنطلقات المرتبكة والمتوجسة من هذه التيارات هو التقارير والدراسات والوشايات التي فاقت حدود التصوّر والمعقول والتي كانت ترد من العواصم العربية إلى الإرادات الغربية والتي كانت تقدّم صورة سوداوية عن هذه الحركات الإسلامية التي وحسب هذه التقارير تستهدف الديموقراطية في الصميم، والقيّم الغربية في النخاع، والأمن السياسي في القلب، وكانت العواصم العربية التي توفد هذه التقارير عبر القنوات الأمنية والديبلوماسية تهدف أيضا إلى الحصول على الشرعية المطلوبة لتكريس خطّ الإستئصال وما يرافقه من تجاوزات دستورية وسياسية خطيرة جدا تستدعي الحصول على الرضا الغربي حتى لا يكون هناك أي عائق للإستمرار في خطّ المواجهة، كما أنّ النظم أياها كانت تريد وبحجّة مقاومة الإرهاب والتيارات الإرهابية الحصول على دعم مالي وعسكري وإستخباراتي كبير.
وقد إنساقت الإرادات الغربية وراء هذه التصورات وبات العديد من المواطنين الغربيين من أصول إسلامية الذين وردت بشأنهم إشارات من دولهم تحت دائرة الضوء، غير أنّ أمورا طرأت جعلت الدراسات الغربية والتقارير الغربية تعرف إنقلابا في التعاطي مع الأمور، وبداية الإستقلالية عن التصورات العربية الإستئصالية لظاهرة سياسية متجذرة في الواقع السياسي العربي والإسلامي، وقد اكتشفت العديد من الدوائر الغربية أنّ بعض العواصم العربية تريد أن تجرّ الإرادات الغربية إلى سياساتها الإستئصالية بحجّة الإرهاب والظلامية وما إلى ذلك من العناوين.
والواقع أنّ الذي أدّى إلى بداية التوازن الغربي في تعاطيه مع الظاهرة الإسلامية إلى درجة أنّ الإتحاد الأوروبي وفي وثيقة خاصة أوصى بضرورة فتح قنوات حوار مع الحركات الإسلامية، هو مجموعة أمور كبيرة للغاية نحاول الإحاطة بمجملها.
مبدئيا بدأ الغرب ومن خلال أجهزته الأمنية يكتشف أنّ العديد من الأعمال الأمنية التي نسبت لإسلاميين في أكثر من قطر عربي وإسلامي هي في الواقع أعمال نفذتّها الأجهزة الأمنية الرسمية والغرض منها خلط الأوراق وإدامة حالة الطوارئ والحصول على الشفقة الغربية المتبوعة بالدعم المالي واللوجستي والسياسي.
ومن جهة أخرى إكتشفت هذه الأجهزة الأمنية الغربية عدم صدقية العديد من الملفات والمعلومات التي وردت في حقّ أشخاص إسلاميين يقيمون في الغرب أرادت نظمهم توريطهم في قضايا الإرهاب، وبعد تحليل المعطيات والمعلومات تبينّ أنّ هؤلاء الأشخاص لا علاقة لهم بتاتا بهذه القضايا، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد ورد ملف أمني إلى جهة غربية عن شخص يحمل جنسية غربية ومحسوب على جهة إسلامية معينة في العالم العربي، وأتهّم من قبل الأجهزة الأمنية في بلاده بأنّه حاول في تاريخ معيّن ومحددّ إطلاق صاروخ على قصر الرئاسة في بلاده لإغتيال رئيس الدولة وبعد التأكد الغربي من هذه المعلومات والتي لا يرقى إليها الشكّ تبينّ أنّه بهذا التاريخ فإنّ هذا الشخص لم يكن موجودا مطلقا في بلده وقدم ّ الدليل الغربي على ذلك وبهذا الدليل استرجعت الدولة الغربية مواطنها بالجنسية والذي كان بحوزة الإنتربول، وهناك آلاف الملفات التي دفعت الأجهزة الغربية إلى بداية التشكيك في صدقية الأجهزة الأمنية العربية.
ومن جهة أخرى فقد ساهمت تقارير الديبلوماسيين الغربيين الواردة إلى عواصمهم في تسليط الضوء على الكثير من المنحنيات السياسية في البلاد العربية والإسلامية، وتشير الكثير من هذه التقارير أنّ الحركات الإسلامية تتمتّع بوزن جماهيري كبير وهي في بلاد إسلامية وعربية عديدة تشكّل الرقم الصعب في المعادلة السياسية، وتخرج منتصرة عقب كل إنتخابات نيابية أو نقابية وما شابههما، ومعنى ذلك أنّ هذه التيارات لها جذور في الشارع وأنصار، فلا يمكن حسب هذه التقارير أن تكون هذه الشعوب على الخطأ، ومن الخطأ بمكان الإصطدام بهذه الشعوب لأنّ ذلك مخالف لأساس الديموقراطية ومفهومها القائم على حكم الشعب لنفسه عبر منتخبيه الممثلين بطريقة إنتخابية وشرعية.
وبالإضافة إلى كل ما جئنا على ذكره فقد بدأت الإنتليجانسيا الغربية التي تعد التقارير والبحوث التي تستند عليها الدولة الغربية في رسم توجهاتها يكتبون عن خطأ السياسات الإستئصالية التي نهجتها العديد من النظم السياسية العربية بل بدأوا يكتبون عن خطأ النهج الإستئصالي الأمريكي في التعاطي مع الحركات اسلامية عقب أحداث الحادي عشر من أيلول.
وقد لاحظ هؤلاء انّ واشنطن نفسها بدأت تترك هذه السياسة الإستئصالية بعد أن تأكّدت من عدم جدواها وراحت تفتح العديد من القنوات مع بعض الحركات الإسلامية في أكثر من عاصمة عربية وغربية.
وبدأ جزء كبير من هؤلاء يكتبون عن الإستيعاب والحوار بدل المواجهة والإستئصال التي أدّت وتؤّدي إلى طريق مسدود ويمكن الإشارة هنا إلى عدد من الدراسات والتقارير التي أعدتها مراكز بحوث ودراسات أمريكية لحساب الإدارة في واشنطن بهدف البحث عن أفضل السُّـبل لإحتواء الحركات الإسلامية ذات المنطلقات والرؤى الجهادية والتي ترفض الغرب والأمركة على وجه التحديد.
و الدراسة التي أعدتها مؤسسة "راند" عن العالم الإسلامي والتي نشرت قبل فترة وجيزة تمثل حالة فكرية لهذه التوجهات الغربية الجديدة. وبعد صدور دراسة مؤسسة راند، صدر تقرير أوروبي موسّع يشير بصراحة إلى ضرورة التحاور مع الحركات الإسلامية، وتمّت مناقشة هذا التقرير من قبل المجموعة الأوروبية وبدأت العواصم الغربية تنتقل إلى الفعل السياسي الذي يقوم على المنطلقات التي وردت في التقرير.
وحسب الإستراتيجيين الغربيين فإنّ نهج الحوار مع هذه التيارات الإسلامية يهدف إلى مجموعة أمور لها صلة بالواقع الأوروبي الغربي، ولها صلة أيضا بالعالم العربي والإسلامي.
فعلى الصعيد الغربي والأوروبي فإنّ هذا الحوار من شأنّه أن يريح المسلمين الغربيين الذين وبالتأكيد ستكون لديهم ردات فعل سلبية لو نهجت العواصم الغربية نهجا إستئصاليا مع هذه الحركات، ومن شأن هذا الحوار أن يحافظ على الأمن السياسي والأمن الأمني في الغرب، وعلى صعيد العالم العربي والإسلامي فإنّ العقل الغربي والذي يهمّه كثيرا المستقبل futurlogie.
لا يريد أن يصطدم بالعالم العربي والإسلامي خصوصا مع إحتمال أن تكون التيارات الإسلامية قوى سياسية حقيقية في الجغرافيا العربية والإسلامية على المدى المتوسّط والبعيد، خصوصا وأنّ العالم الإسلامي مازال يعتبر الزبون الأول للغرب، كما لا يزال أهم مورّد للطاقة والتي عليها تدور راح التقنية الغربية وإلى أجل غير مسمى.
هذه الإعتبارات وغيرها تفسّر إلى حدّ كبير المسلكية الجديدة للإتحاد الأوروبي في الإقتراب من التيارات الإسلامية ومحاولة فهمها، ناهيك عن أنّ هذه المسلكية تؤمّن للتيارات السياسية الغربية الحاكمة الصوت المهاجر العربي والمسلم أثناء الإنتخابات والتي تعولّ عليها القوى السياسية الغربية والتي يكثر رجالها ورموزها زيارة المساجد والمعاهد الإسلامية كلمّا دنت ساعة الإنتخابات النيابيّة! يحيى أبوزكريا